يضم “أقصى اليمين” في أوروبا وأمريكا الشمالية تحت لوائه تاريخياً جماعات وأفكاراً متنوعة؛ بل وأحياناً متضادة، من الفاشية الثورية إلى الرجعية المحافظة. ويمكن تعريف أقصى اليمين المتطرف على أنه أيديولوجية تشمل الاستبداد، ومناهضة القيم، والديمقراطية، والقومية الإقصائية، وتضم “رهاب الأجانب” والعنصرية والشعبوية كخصائص مصاحبة للمفهوم. وباختصار، يمكن القول إن أفكار أقصى اليمين المتطرف خليط من كل أو بعض الأفكار؛ الفاشية، والقومية المتطرفة، والنازية، ومعاداة السامية، ومناهضة الإسلام، ومكافحة الهجرة.
وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين جماعات أقصى اليمين عبر الأزمنة والمناطق والطبقات الاجتماعية؛ فإن جميعهم يؤمنون بانتمائهم إلى ثقافة أو عرق متفوق أو رئيسي، وأن هذا التفوق مهدد من خلال التكامل أو التداخل بين الثقافات المختلفة.

وليس كل الجماعات المنتمية إلى أقصى اليمين تتبنى خيار العنف والإرهاب؛ ولكن على الرغم من كون جماعات مثل “اتحاد الدفاع الإنجليزي” في بريطانيا، و”الأوروبيين الوطنيين ضد أسلمة الغرب” في ألمانيا، و”اليمين البديل” في بريطانيا، تحاول النأي بنفسها عن تلك التي تتبنى الإرهاب والعنف كالنازيين الجدد؛ فإنهم غالباً ما يتشاركون في الاعتقاد بحتمية الصراع الثقافي أو العرقي.
وتتمثل أبرز الأفكار التي روجها هذا التيار تجاه أزمة كورونا في صياغة ونشر نظريات المؤامرة، والدعوة إلى الكراهية، وفي بعض الأحيان العنف ضد الأقليات، وتم التعبير عن هذه الآراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث تمت إعادة توظيف القضايا التي تشغل التيار سابقاً، كمكافحة الهجرة ومعاداة الإسلام والسامية ومناهضة الحكومات، لتتوافق مع الأزمة الحالية.
وأسهمت أزمة فيروس كورونا وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية في توفير بيئة خصبة لابتداع وانتشار نظريات المؤامرة. وادَّعى بعض مواقع النازيين الجدد، في البداية، أن هذا الفيروس لا وجود له؛ بل هو “خدعة” يستخدمه بعض الجهات للتربح، كالشركات الطبية التي ستستفيد منه مادياً، والحكومات التي تستخدمه لانتهاك حريات الأفراد؛ بينما ظهرت نظرية تدَّعي أن هذا الفيروس جزء من خطة للأمم المتحدة، وفي بعض روايات اليمين المتطرف اليهود؛ للتخلص من 90% من سكان العالم، خصوصاً العرق الأبيض، وذلك من خلال التطعيم الإلزامي القادم الذي سيكون وسيلة للسيطرة، إما على العقول وإما على الإنجاب؛ بينما ذهبت نظرية أخرى إلى أنه سلاح طورته الصين لمهاجمة أولئك المنحدرين من عرق أوروبي.
ويتوافق العديد من هذه الادعاءات مع مفاهيم وقيم اليمين المتطرف؛ خصوصاً معاداته السامية وكراهية الأجانب وعدم الثقة في الحكومات، كما أنها تؤيد نظريات مؤامرة قائمة وشائعة لدى أرباب هذا التيار؛ كنظرية “الإحلال العظيم” أو “الإبادة البيضاء”، وهي التي سبق لها أن ألهمت العديد من أعمال العنف داخل هذا التيار.
وعلى الطرف الأكثر تشدداً في تيار أقصى اليمين المتطرف يقبع بعض جماعات النازيين الجدد، وأولئك الذين يُطلق عليهم “المسرعون”، والذين يؤمنون بأن زرع الفوضى ونشر أعمال العنف ستسرع بانهيار المجتمعات والأنظمة الغربية؛ ما يمكنهم من بناء مجتمع ونظام جديد يقوم على أفضلية وتفوق العرق الأبيض، وبالتالي هم يرغبون في قيام حرب أهلية داخل مجتمعاتهم.
ومع تصاعد أزمة فيروس كورونا، زادت وتيرة دعوات هذه الجماعة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي؛ وبخاصة منصة التليجرام، لاستغلال الفوضى التي تسببت فيها الجائحة وتسريع آثارها السلبية من خلال أعمال العنف والشغب، ومفاقمة التوترات العرقية.

وعلى الرغم من عدم نجاح جماعات أقصى اليمين المتطرف حتى اللحظة في القيام بعمل إرهابي على نطاق واسع؛ فإن حملتها ورسائلها الافتراضية على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، نجحت إلى حد كبير في التعبئة ضمن أوساط هذا التيار، وإذكاء العديد من جرائم الكراهية والعنصرية ضد الأقليات والأجانب؛ وبالأخص أولئك المنحدرين من أصول آسيوية.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق