سيرياذا: الشعر السوري في "الشتات" (1)
عماد الدين موسى
يدين نحت عنوان هذا الملف، "السيرياذا"، إلى لقاءات سورية جرت في مدينة فيتربو الإيطالية لتدارس الكارثة السورية ضمت عدداً من النشطاء الحقوقيين والمدنيين والمثقفين السوريين في الداخل والخارج. واضح أنه نحت مكوّن من سفر هوميروس "الإلياذة" وسورية باعتبارها موضع اشتغال الصراع الذي تشير إليه ملحمة شاعر اليونان الكبير. قد لا تتشابه أحداث الملحمة اليونانية مع ما يجري في سورية غير أن هذا لا يقلل من "ملحمية" الكارثة السورية التي نشأ سببها البسيط – المركب في آن، في محاولة قطاع واسع من الشعب السوري الالتحاق بركب "الربيع العربي"، كما لاح حتى تلك اللحظة، لكنَّ المحاولة المتسلحة بأقصى درجات السلمية، والملحَّة على بعدها السوري، قوبلت بأمواج من النيران التي فتحتها القوى الأمنية للنظام السوري على الذين كانوا يتظاهرون طلباً للتغيير.
لا مجال هنا لسرد فصول تلك الملحمة، التي قد تحيل، في الحالة السورية، إلى اللحم والدم الصرفين المهرقين على الملأ، فلهذا مقام مختلف. للملحمة، هنا، وجه آخر: إنه الشعر الذي لطالما ارتبط بالملاحم (الأدبية) بل كان عمادها. الشعر الذي يحسُّ، بأدوات استشعاره الخاصة، بالكارثة، أحياناً، قبل وقوعها. لم تعرف سوريا الأسد (الأب والابن) حريات تعبير أدبية ما كان يجعل الشعر، وبضعةأشكال فنية أخرى، يلتمس طرقاً جانبية للتعبير..الآن وبعدما وقعت الواقعة وحصل ما يعرفه الجميع، نحاول، في هذا الملف الأكبر من نوعه، الوقوف على الوجه الشعري لملحمة القتل والدمار والاعتقال والتهجير واسع النطاق الذي تعرضت له قطاعات واسعة، ومتعددة، من الشعب السوري. ما واقع هذا الشعر؟ كيف يفكر بما يجري؟ أي رؤى تسكنه؟
أ . ن
نبدأ بمقاربات نقدية لشعرية "الشتات" السوري الراهن:
علي جازو:
حنين مريض وسلالة مبتورة
ما من رابط فوريّ بين الشعر والالتزام الاجتماعي، إذ لا واجبات مفروضة على أحد. إذا كانت كتابة الشعر تطهيراً للأنا فإنها اعتراف مسبق بذنب بجريمة لم يكن للشعر أي دور فيها. من الأفضل القول إن الشعر عملٌ موجّه ضد القبح، حتى عندما تكون البشاعة والجريمة موضوعاً له.
***
يصعب الخوض في ما كتبه الشعراء السوريون منذ ربيع 2011 حتى اليوم. ما من جهة أكاديمية أو بحثية استطاعت حتى الآن تقديم طابعٍ فارقٍ لوجهة الشعر السوري.
هناك داخلٌ سوريّ يغلي ويفاجئ، يتحطم ويتحول بسرعة من حال إلى حال. لم تجد القصيدة السورية إزاء تحولات عاصفة ما يعينها على اجتراح "عاصفةِ شعرٍ" إذا صحت العبارة، وهذا ليس بالأمر السيئ.
الآن يخيّم الشتاتُ على حال معظم الشعراء بعدما صاروا خارج سورية. لكنني لا أفضل اعتماد "الداخل" والخارج" هنا لتمييز ما يُكتب داخل سورية عمّا يُكتب خارجها. ورغم الفرق الكبير بين الحالتين، إلا أن هذا الفصل يوحي بوجود نوعين من الشعر. أفضل تناول نماذج بعينها. قصيدة – ديوان "سوريا" لسليم بركات كانت حدثاً استثنائياً. لم يكن للداخل أو الخارج أثرٌ في هذا النموذج مثلاً. ما كتبه ويكتبه "محمد رشو" من نصوص لافتة تكاد تختصر حال البلد وأهله. تجد الحطام وتجد رحلة الهروب من بلد لبلد. ليست رحلة الشتات هنا توثيقاً بقدر ما هي مجابهة جوانيّة نفسية وشعورية عالية وفريدة التناول، ذات زمن مركّب. جمْعُ ما لا نتوقع حضوره معاً، نراه ماثلاً في قصائد محمد رشو. ديوان عارف حمزة "لا أريد لأحد أن ينقذني"، صرخة نقيضة ضد من يغيث ويريد إنقاذ من هو على وشك الموت. "الخريف هنا ساحر وكبير" لجولان حاجي حرثٌ وحفر متأنيان في أرض وعرة مخيفة وأليفة بآن واحد. هذه أمثلة لا تجد فرقاً بين الداخل والخارج.
***
لكننا بالمقابل نجد نماذج أخرى يغلب عليها طابع الحنين. تلعب الذاكرة دور الطبيب. عندما يصعب تحمّل آلام الواقع والمعاش، تبرز الذاكرة بما تحمله من حنينٍ واهمٍ للمكان والعائلة، كي تقدم نوعاً من السلوى، مكاناً للإقامة الضيقة والآمنة، بعدما غدا المسكن الأول حطاماً، مكاناً من المستحيل ترميمه والعودة إليه. يبدو السوري عموماً في مكان أعزل منبوذ. بيته الأول لم يعد موجوداً، بيته الجديد ليس له. إنه يطفو على المكان الذي يلفظه، كما لو كان ينجو من غرق أو يشكل علامة غرق يتكرر ولا ينتهي.
***
هناك نوع من مساواة قسرية فادحة في تعميم مصائر السوريين، لكن القصيدة تحاول أو ربما عليها أن تحاول الهرب من المساواة هذه لأنها تفضي إلى نوع من التشابه والتماثل الخانقين. الخروج السوري الكبير بُني أساساً وحدث حقيقةً بسبب رفض التماثل بما يعنيه من خنوع، من حصر الأفراد المتنوعين داخل اسم واحد وصوت واحد. لقد تحطم القيد، ومعه تحطمت العائلة والسلالة بمعناها القرابيّ والشعريّ. لكن غلبة الحنين هنا قد تفضي إلى نوع من العودة إلى كنف العائلة، بما تمثله من تدجين وتكيّف اجتماعيين ولغويين. لهذا أرى فيه نوعاً من الخطورة على أفق الكتابة والتفكير. حدّة الواقع وقسوته لم تجدا بعدُ لغة لها معادلها الشعري في حدّة الانفصال عن التلقي السائد وطرق الكتابة الخطابية الشائعة. يمكن للقصيدة السورية أن تقدم معرفة أذكى وأكثر أنسنة وحميمية إذا هي نقلت اهتمامها وشغفها خارج أرض الحنين وخارج السلالة العائلية. في النهاية نحن "لا نكتب مثلما نكون، بل نكون مثلما نكتب". الكتابة- القصيدة بحد ذاتها واقعٌ فريد وحدث خاص. على هذا النحو، يمكن السير في طريق جديد على حجارة قديمة قدمَ الأمكنة كلّها.
مازن أكثم سليمان:
شعر بين انتمائين
تتأسَّسُ شرعيّةُ سُؤال الشعر السوري في الشتات من حيث المبدأ على ثنائية قياسية تقليدية هي: (القرب/البعد)، غير أنَّ هذا الفَهْم الرياضيّ بخلفيتِهِ الفكريّة الميتافيزيقيّة لا يصمدُ أمامَ طبيعة الوجود الشعري للإنسان في العالم في جذوره المَفهوميّة (المَجازيّة) النيتشويّة والهيدغريّة، وأمامَ مفهوم الاختلاف الذي ينبسِطُ تحديداً في الشعر بوصفه ناهِضاً على خُصوصيّة الحدَث السوري من جانبٍ أوّل، وخُصوصيّة كُلّ شاعرٍ من جانبٍ ثانٍ.
من نافل القول أنْ يحملَ كلُّ شاعرٍ سوريٍّ موقفاً ما ممّا يجري في وطنه، سواء أكان مُقيماً في الدّاخِل السوري، أم كان مُقيماً في الخارج. وهذا يعودُ بطبيعة الحال إلى بديهيّة الانتماء والهُوِيّة الموروثة طبيعياً أوَّلاً، فضلاً عن البُعد الإنسانيّ الذي يُفترَضُ أنْ يدفعَ الشعراء إلى تقديم رؤاهُم الخاصّة في ما يتعلَّقُ بالأحداث الكونية الكُبرى ثانياً، فما بالُنا إذا كانت هذه الأحداث تخصُّهُم على نحوٍ شخصيّ ووطنيّ.
لعلَّ نسبة غالبة من شعراء الشتات السوريِّين قد غادروا البلاد بعد فترة قصيرة أو متوسِّطة من بدء الثورة، ولكُلٍّ منهم أسبابُهُ ودوافِعُهُ المُرتبِطة بجغرافيّة الحدَث وتداعياتِهِ وانعكاساتِهِ المُباشَرة أو غير المُباشَرة. ولهذا يُمكن القول إنَّ معظم هؤلاء الشعراء قد عايَشوا الانفجار السوري بما انطوى عليه من أحلام عارمة في الحُرِّيّة والعدالة والخلاص، ثّمَّ عايَشوا مآلات هذا الانفجار التراجيديّة العنفية الهائلة، على أنْ نُلاحِظَ أنَّ جميعَ الشعراء السوريِّين في الخارج _حتَّى ممَّن كانوا قد غادروا البلاد من قبل بدء الثورة_ عرَفوا الاستعصاء النفسي والاجتماعي التاريخي لعُقود الاستبداد المَديدة، وتشرَّبوا بعُمق مَخاوِفَ القمع وهَواجِسَ الرعب والعَماء المُنظَّم لآلة تركيع الدولة الأمنيّة للأفراد والمجتمع التي كانت قائمة، ثُمَّ تلمَّسوا بعدَ ذلكَ مرحلة تحطيم التابوهات التي مثَّلَها انبثاقُ الحدَث الثوري، وتلقَّفوا لأوَّل مرّة نتائِجَ خلخلة البِنية السُّلطويّة المُستغلِقة التي كانت تُحكِمُ الخِناقَ على حُرِّيّة الرأي، وتكبَحُ فضاءات التَّعبير والنَّقد والكينونة الأصيلة للذوات الفرديّة والجَماعات المُختلِفة في البلاد.
وعلى هذا النَّحوِ، تتأكَّدُ موضوعة مُجاوَزة سُؤال (القرب/البُعد) القياسيّ الرياضيّ في سَبر مَلامِح شعراء الشتات، ليسَ فقط بحُكم مسألة المُعايَشة والانتماء؛ إنَّما أيضاً لأنَّ سُؤال الهُوِيّة قد حضَرَ بقوّة لدى هؤلاء الشعراء مُشبَعاً بالقلَق والألم والخوف على المُستقبَل الوطني من ناحية أُولى، ومُتشرِّباً من ناحية ثانية _وبطبيعة الحال_ دماءَ الدَّمار والخراب والمُعاناة التي مزَّقَتْ عُموم النَّسيج الوطني السوري، وأخذتْ إلى جانب البُعد السياسيّ بُعداً إنسانيّاً شديدَ الإيلام والخُذلان والتَّشظّي، فضلاً عن امتلاك شعراء الشتات سمةً إضافيّة نوعيّة في مُعالَجتِهِم لموضوعة الهُوِيّة، ترتبِطُ عميقاً بأسئلة الذّات الفرديّة والذّات الشعريّة بينَ الانتماء الأصليّ الموروث بيولوجيّاً للوطن السوري، والانتماء الجديد لمُجتمعات الشتات التي توزَّعوا فيها، وهيَ المسألة التي يُفترَضُ أنْ تُغنيَ قصائدَهُم إنْ من زاوية الجدَل الهُوِيّاتيّ والصِّراع الوجوديّ بين ائتلاف أو اختلاف الانتمائيْن؛ أي من ناحية تراكُبيّة الموقف الإنساني بين الانفصال والاتّصال من جانبٍ أوّل، وبين الاغتراب والاندماج من جانبٍ ثانٍ، أو من زاوية فنِّيّة وجَماليّة وتجريبيّة تتعلَّقُ بطبيعة التَّلاقُح النَّصِّيّ بينَ معجمِ مفردات القضية السورية وصورها وأحداثِها، ومعجمِ مفردات الحياة المُغايِرة التي وجَدوا أنفسَهُم في رحابِها وضمنَ صورِها المُتعدِّدة بتعدُّد كيفيات الوجود في مُنحنياتِها وأحداثِها، وهو الأمر الذي يُتوقَّع أنْ يمنَحَ عَوالِمَ قصائدهِم فضاءات واسِعة وغنيّة وقابِلة لأنْ تُحقِّقَ المقولة النَّقديّة القائِلة إنَّ النُّصوص هيَ فائِضٌ وجوديٌّ (زيادة في الوجود) لا انعكاس حرفيّ أو مُحاكاة تقليديّة للكوارث القاسية كما تنبسِطُ في سياقِنا هذا في الواقع المَعيش سوريّاً.
فإذا كانَ وجود شعراء الدّاخِل حتّى هذه اللحظة في قلب المَعمعة الهائِلة يعطي قصائدَهُم مصداقيّة تتَّصِل بحساسيّات الخطر والمُعايَشة والصِّراع المُباشَر مع أبسَط مُتطلَّبات البقاء على قيد الحياة في المَناطِق المُشتعِلة، أو على الأقلّ تتَّصِلُ يضرورات الصُّمود المَعيشي والاستمرار الحياتي في أقرب دلالاتِهِ في جميع المَناطِق السورية، فإنَّ شعراء الشتات يمتلكونَ سلاحاً آخَرَ لا يقلُّ أهمِّيَّةً عن أسلحة أو أوراق قوّة شعراء الدّاخِل، وهوَ سلاحٌ يُضفِي على قصائدِهِم مصداقيّةً نوعيّة من ناحية أُولى، ويُحمِّلُهُم مسؤوليّة أخلاقيّة وإنسانيّة مُضاعَفة من ناحية ثانية، وأقصدُ بذلكَ واجبَهُم ودورَهُم المنوط بهم وبشعرهم تحديداً في إيصال الصوت السوري ومُعاناتِهِ ومَظالِمِهِ إلى العالَم، وهي قضيّة تُعيدُ تعيين الوظيفة الشعريّة لديهِم بما يتجاوَزُ حُدودَ الانهِمام بالمُستوى الفنِّي _على أهمِّيَّتِهِ بوصفِهِ شرطاً مُلزِماً أوَّلاً وأخيراً_ إلى حُدودِ الرِّسالة الإبداعيّة التي تُنتِجُ تلقائيّاً تعريفاً عريضاً لمَفهوم الالتزام الفنِّيّ لدى شعراء يَعيشونَ في هذه الحقبة الخصبة والمريرة في آنٍ معاً. ولابُدَّ في هذا المضمار أنْ نلاحِظَ حجمَ الاهتمام الخارجي بالمُبدعين السوريِّين، وكثافة النَّشاطات التي يُقيمونَها في بُلدان الشتات، وكثرة الجوائِز التي ينالونَها، وهيَ الأمور التي تؤكِّدَ أهمِّيّة الدور المأمول منهم من ناحية أُولى، وقدرتهِم من ناحية ثانية على فعل الكثير لصالح خدمة القضيّة السورية.
ويبدو أنَّ هذا الحديث يقودُنا بالضَّرورة إلى الإشارة إلى قضيّة غاية في الأهمِّيّة، وتخصُّ على نحوٍ مُشترَك شعراء الدّاخِل والشتات، وتتعلَّقُ عميقاً بطبيعة الكتابة الشعريّة التي ينبغي عليها أنْ تتوخّى الحذر أمامَ هول الحدث الذي يُمكِنُ أنْ يستهلِكَ الروح الشعريّة ، وأنْ يُصادِرَ جَمالياتِها، إنْ لم يتمكَّن الشعراءُ من تخليق مَسافاتٍ زمنيّة وفضاءات مَجازيّة ومُعادلات إبداعيّة تقي المُستويات الفنِّيّة والجَماليّة من خطر السُّقوط في المُباشَرة الانفعاليّة أو الخطابيّة المُطابِقة أو التَّوثيق القاصِر الذي يُفترَضُ أنْ تنهَضَ بهِ أجناسٌ أُخرى أو حقول مَعرفيّة غير الشعر، على أنْ نعِيَ أنَّ المَسافةَ الزَّمنيّةَ لا تعني فقط مرور الوقت لامتصاص الحدَث نفسياً ووجودياً، وإعادة إنتاجِهِ فنِّيّاً وإبداعيّاً؛ إنَّما تعني أيضاً قدرة الشعراء المُبدعين على ابتكار آليّات وأدوات وأنماطٍ من الدِّربة والتَّجريب وهُمْ حتّى في خِضَمّ الصراع وضوضائِهِ وجُنونِهِ القاسي العنيف، كي يتمكَّنوا من توليد مَسافات زمنيّة تُمكِّنُهُم من خيانة دائرة الحدَث المُباشَرة، ومُغادَرَتِها مَجازياً لرؤية تفاصيل هذا الحدَث من خارج تلكَ الدّائِرة المُحكَمة الإغلاق، وهيَ المسائِل التي تسمَحُ بالوفاء لمَفهوم الالتزام الفنِّيّ إنْ على المُستوى الفكريّ المُرتبِط بالموقف الوطني والإنساني الكوني، أو على المُستوى الإبداعيّ الذي ينبغي أنْ يُضيفَ شيئاً للعوالِم الوقائعيّة بفتح أساليب وجود جديدة في العَوالِم الشعريّة.
إنَّ للالتزام الفنِّي بُعداً آخَر لابُدَّ من تلمُّسِهِ بحِنكَةٍ لدى الشعراء السوريِّين، وبوجهٍ خاصّ لدى شعراء الشتات منهم الذينَ يُنتظَرُ من قصائدِهِم أنْ تحملَ عبء إيصال الرسائل الحارّة المُتَّصِلة بالحدَث السوري للعالم- كما ذكرْتُ من قَبْل-، وهذا البُعد مُرتبِط بالخيط الإبداعي الدَّقيق الذي ينبغي أنْ يفصِلَ بين من يكتفون بنقل الصورة شِعرياً بوصفِها صورةً تجريديّة خاصّة بحربٍ مذمومةٍ مكروهةٍ بما تنطوي عليه من دمٍ وظُلمٍ وآلامٍ إنسانيّة كُبرى كما في جميع العُصور، ومن دون تحديد المَسؤول الأخلاقي وإدانتِهِ فنِّيّاً، ومن يتمكَّنونَ بذكاءٍ إبداعيٍّ من تمرير الموقف السياسي الأخلاقي العميق ضدَّ المصدر الأصليّ للخراب والدَّمار مُتحاشِينَ أوَّلاً تزييف المُستوى الوقائعيّ عبر الإشارة إلى النتائج وتجاهُل الأسباب، وقابضِينَ ثانياً على قدرة تخليق الطاقة الشعرية الفنِّيّة الجَماليّة في الوقت نفسِهِ الذي يتمسَّكونَ فيه بأصالة الموقف الإنساني الفطري المُناهِض للحرب والقتل بما هوَ موقف وجودي كوني كُلِّيّ الأبعاد، ومُدافِع بطبيعتِهِ عن الروح الكيانيّة المُتحيِّزة دائماً للعدالة والخير والحُرِّيّة.
يسرى السعيد:
دور القصيدة في الكارثة
في قراءتنا هذه سنلقي الضوء على أهم التجارب الشعرية التي حاول الشعراء السوريون خلالها أن يصفوا ببلاغة أقلامهم حال البلد في ظل الحرب، التي ستدخل سنتها السابعة، فمن عام 2011 وحتى الآن لم يتوقف النزف السوري، ولم يتوقف الشتات أيضاً.
وما يثلج الصدر حقاً أن ما كتبه أولئك المبدعون كان يمثل تجارب حية ومعاشة، حتى جاءت قصائدهم كصورة صادقة لما عاشوه وعاشه المواطن السوري ولما يزل حتى اللحظة. وما يؤلم أن تلك القصائد نبتت في أرض الحرب، وأثمرت في تربة السلام بعد أن هاجر الشعراء خوفاً وطلباً للأمان المفقود.
" خسرتَ أرضاً، سُميَّتْ أرضَ الخسارات، وربحتَ يوماً آخرَ لتصطادَ فيه ذاكرةً جديدة
لهذا أنت ابنٌ طفرةٌ زلزلٌ للحياة
ولمْ تكُ ابناً مطواعاً كمعدنٍ لينٍ للموت!"
بهذه الكلمات عبر الشاعر السوري محمد المطرود عن روح الشاعر التي غادرت موطنها الأم، وخاضت تجربة الاغتراب المر في بلاد الشتات، والتي كان عليها أن ترسم خطاً جديداًً مغايراً لما كان عليه في الوطن الأم، وقد عبر بكلمات بطعم المرار عن تجربته في الغربة:
"دفترُ عائلتي القديمُ، هو دفترُ عائلتي الجديدُ، لَم يزِد موتاً
وحريقاً، وزادَ تشظياً وعناقاً للجهات، كلّ الجهات، أطلَّ
من نافذة الحياةِ، مدَّ لسانَهُ الطويلَ للريح فأخذتهُ الريحُ
وحركتهُ كحريق يُرى من السماءْ".
ولسنا قادرين على معاتبة الشاعر لتشاؤمه، ولسنا نتوقع أن يكون الشعر الذي نما في رحم الحرب وتلقّح من نطفتي الخوف والتهجير أي فرح، أو بهجة، فالمطرود حاله كحال الكثير من الشعراء الذين غربتهم حرب سورية، ونقلتهم لبلاد لما تستطع أن تمحو ظلال وطن عشش في قلوب أولئك المفرطين في الحساسية، والذين تركوا للشعر حرية البوح، ويغمرنا الشاعر محمد المطرود بحفنات الحنين المر لكل التفاصيل التي لم ولن تزول، ويبدع المطرود بسبر أغوار الجسد والروح معاً من خلال قصائده بلمسةٍ شعرية راقية، وبصور محببة لقلوبنا وذاكرتنا معاً.
"قبلَ أربعينَ سنةٍ
دَقَقَت أمي وشماً بحجمِ حبةِ العدسِ على يدي اليمنى
قالَت: " للذكرى".
لمْ أكُنْ قَوياً لأتخلصَ من إبرتِها
والرمادِ الذي عجنته بالكحلِ وبعضِ حليبِها
قبلَ خمسِ سنوات
تحديداً بعدَ سنةٍ من بدءِ مسلسل الموتِ في بلدي".
الصور التي لونت أشعاره كانت تلون أيام الماضي وما زالت ماثلة في حاضر الذكرى التي تتعب ولا تستريح.
ومن هناك من حمص الجريحة والذبيحة تَمْثُل أمامنا تجربة الشاعرة المبدعة نادين باخص التي سجلت بقصائدها أرشيفاً كاملاً من الألم، و طقوس الحرب الدامية التي دمرت المدينة،، ودمرت الإنسان معاً. ففي ديوانها ( حمص... ويستمر)، تجتمع اليوميات وتتكىء على خاصرة مذبوحة، ومفجوعة، وتعيش كل الأحداث التي تعبر عن أزمة الحرب، فالقذائف، والتفجيرات والدم المسفوك يغطيان مساحة الذاكرة والحرف واللغة.
"هنا..
يكادُ الموتُ أنْ يكونَ الوحيدَ
الذي يُخلص لكَ
من دون أن يكون بينك وبينه خبزٌ وملح.
بهذه الكلمات تعبر نادين عن حال حمص تحت سقف الحرب، فهي قسمة ضيزى، بين الإنسان والموت الذي يتقاسمه لحظاته، ويندمج معه حتى يمتصه، وينهي تلك الحياة، وفي ديوانها ترسم آفاقاً للرؤى الجديدة التي صنعتها الحرب، وكونتها، ولم تكن تلك الرؤى مألوفة لدى الناس، ولا حتى لدى أصحاب الحس المرهف ونقصد بهم الشعراء.
وفي نفس اليوميات التي نشرتها باخص تحملنا الكلمات إلى مآلات النفس البشرية في زمن الحرب، وتحولاتها الداخلية، مما يغير طريقة تفكير تلك الذات بل ويقلبه أيضاً رأساً على عقب.
"كنتُ في ما مضى من الزمان الحمصيّ
حين أطأُ إسفلتَ الطريقِ
أُحسُّ كم أحبّ هذه الأرض،
اليوم وأنا أسيُر على أطرافِ أصابعي
لا أملكُ إلا أنْ أُحسَّ
بخوفي من حقدٍ ما
فُخّخَ به الأسفلتُ نفسه".
لقد استطاع شعراء الشتات أن يصوروا المعاناة التي عاشها السوري في أرضه، لأنهم عاشوا تلك التجربة، ولأنها كانت سبباً مباشراً في تغريبتهم فكانت قصائدهم غنية بالواقع، وغنية بالخيال أيضاً، لكن الخيال الذي تأثر بالواقع وكان انعكاساً مباشراً له، فحتى الذاكرة تشوهت، وعانت بسبب ضغوط الحرب وقسوتها.
"لم أكن أتخيّلْ
أنّ الذّكرى يمكن أن تموتَ أيضاً
من شدّة التعذيب
ولا تجد لها قبراً،
فقط تغور تحت الأنقاض".
وهنا تستوقفنا الحساسية الفائقة التي تميز أولئك الشعراء، والتي فاقت كل تخيلاتنا في الوصف، فقد جاءت كلماتهم تعبيراً مباشراً عن المصائب والأحداث التي عايشها السوري، ولم يألفها، والتي لم ولن يعتاد عليها، فهذا رائد وحش يناشد المطر كي يظهر وجهه أطفالنا الذين قضوا تحت أنقاض البراميل والقذائف، وهو يستخدم صوره المباشرة ذات الزمنن المعاصر جداً، والبيئة الواقعية لكن بلغة الشعر فيقول:
"مطرٌ أيتها السماء
مطرٌعلى الوجه الصّغير
وإلا ضاع بين الأنقاض.".
وفي ركن آخر من الديوان يتساءل رائد أسئلة وجودية تحاكي الزمن المعاش؛ المفروض على أولئك الين هجرتهم الحرب، وتخطت انتماءاتهم:
"كيف يكون لنا ما للغيوم؛
تذهب دون أنْ تدري معنى لـ"أين"؟؟
كيف يكون لنا ما للجبال؛
تبقى دون أن تفكر بفلسفة لـ"هنا"؟
لقد تغيرت مواضيع الشعر وتغيرت دواوينه، فشعراء الشتات هم الذين كتبوا قصائدهم لتسجل أحداثاً عاشوها، وعانوا منها كما عاشها أهلهم وذووهم، وأصدقاؤهم ممن بقي بعد اغترابهم. ولذلك فلم تعد ليلى ولا عبلة هما المراد بالقصيدة؛ بل الدار والشارع والرفاق الذين ما زالوا على منصة الحرب لتنفذ بهم إعدامها بأشكال مختلفة، وها هو عمر يوسف سليمان ينزفف حروفه متسائلاً:
هذه قريتي
إنما أينَ الحجارةُ المغسولةُ بالدخانِ؟
وأينَ رائحةُ البارودِ القريبة؟
أينَ أخي وقد كنا واقفَين على الشرفةِ بانتظارِ الذبحْ؟
أينَ أصابعُ الأطفالِ الممزقة؟؟"
ولعل تلك الأسئلة وبكل ما تحمله من حزن تعبر بصدق عما عاشه الذين عانوا من الاغتراب، ومن الهجرة القسرية وما حملته من صور التيه، والضياع، وطقوس الحرب وما فيها من قصف وقذائف وموت وفقدان وخسارة للأهل والأصدقاء والجيران، والمسكن، والأرض، وفوق كل هذا الأحلام التي ضاعت وضاع معها كل ما بُنيَ عليها من مستقبلٍ أو حياةٍ راغدة.
وهذا حسن الشاحوت الشاعر السوري المغترب في ألمانيا يطلق زفرات الأنين والخيبة والحنين مندمجة بقصيدته، وهو الذي ذاق طعم الهجرة المريرة عن أرض الوطن:
" كنتُ أهذي بأسماء من رحلوا
تاركاً قصيدتي لصق النافذة
تتنفّس
خشية أن تصاب بالعدوى
الأمرُ بسيط جداً
ابتعدت عني رائحة البارود".
تلك القصيدة الصديقة التي مثلت عكازاً استند إليها الشعراء المغتربون ليعبروا عما يجول بخاطرهم وعما كان، وعما صارت إليه حالتهم من ضياع، وفقدان للهوية، ولمكونات الحياة التي سلبتها منهم الحرب، ولم يعد ممكناً حتى أن يتصوروا العودة إليها لأن الحرب طالت، ولم تنته بعد. لذلك جاءت القصائد مرآة عكست كل الوقائع التي صورت الأحداث والمشاعر في ظل الحرب الدامية التي لم تبقِ ولم تذر.
وفي سلسلة شهاداتها تكتب وداد نبي شهادتها المعتقة بالخيبة:
"الأسى
هو أن تزورَ أنقاض بيتكَ في الحلم
وتعودَ منهُ وقد علق الغبارُ على يديك".
وهكذا لم تترك لنا الحرب آفاقاً أوسع، ولا أحلاماً اكثر نضارة، ففي زمن الحرب تتساوى الأحلام مع الواقع؛ بل تتجاوز الأحلام في كآبتها الواقع لأنها مزيج حدث كان، ورغبة تلاشت. وبذلك تغدو القصيدة نسيجاً متكاملاً من الألم والأمل والأشواق والحنين والانعتاق من الماضي، والرغبة في تجاوز الخيبات التي تكبل تفاصيل حياة أولئك الشعراء، وتحملهم لتجاوز الذكريات التي عاشوها، نحو حياة جديدة تفترض التعايش والاندماج؛ مع كل ما تخبئه لهم من عوالم غريبة لم يعتادوها، بعد أن ودعوا وطنهم وعالمهم الأم:
" أودع الشوارع؛
أتهجاها كما لو أنها مكتوبة بلغة بريل/
كما لو أنني أقرؤها للمرة الأولى .
أودع البيوت ؛
أمرر عليها نظري كما لو أنها جهاز بصمة العين /
كما لو أنني أخزن ما استطعت منها في الذاكرة".
بهذه الشحنات العاطفية العميقة يودع فايز عباس وطنه، بالكثير من الألم، والكثير من الشوق الساكن في القلب وعذاب اللحظات التي عاشوها في بلادهم، كما كتبوا وبحرفية كبيرة؛ بل وتفننوا في رسم الحروف التي عبرت عن عذاباتهم في الغربة، ولوعة الشوق الذي لا ينطفئ، ولا يبدو من فرط المعاناة أنه سينطفئ يوماً. هذه هي حياتهم، وتلك هي معاناتهم، ولا يخفى على أحد أن الغربة كانت دائماً موضوعاً خصباً للأدب، فكيف إن كانت غربة قسرية، مفروضة بسبب ظروف الحرب وتشريدها؛ فهل سيستطيع شعراء المهجر حقا تجاوز الماضي، وآهات الوطن المدفونة في تفاصيل وجودهم السابق؟ أم أن تجاربهم الشعرية ستظل تكريسا لحالة الفقد والخذلان الذي يخيم على الحرف، ويطغى على القصيدة؟.
لواء يازجي (بيروت):
كلب أعمى
ليس للشعر دور أخلاقي، لكنْ للشاعر دور. ليس على الشعر حرج أن يصمت، أن يصاب بالفصام أو أن ينأى بنفسه فيتأمل. إذ إن لتحميل الشعر مهمات سياسية واجتماعية وتاريخية تبعات لا يحمد عقباها "شعرياً"... عواقب مضرة بصحة الشعر. أما أن يكون للشاعر مهمات، فهذا أمر آخر. لكن لا بدّ من حماية الشعر من أعراض البروباغاندا، علل التسييس و"شعر المقاومة"، حمّى الآنية وبردية غسل الضمير وأوهام تغيير الواقع السياسي وبالتالي تحتّم تحوّل الشعر إلى كلبه الأعمى.
الشاعر إن كان بدوره غصن من شجرة ينحني أكثر من غيره –ربما- أمام النسيم، والفصول، والفضول لا بدّ أن يتأثر بالعواصف والحرائق ومروحة هيلكوبتر تهبط في حقل من الصبار، فيطير الشوك. الشاعر الذي ينحني كغصن ليلمس ماء الساقية سيتألم عندما يلوي الجنود العابرون عنقه؛ جنود الكمين، كمين النهر الذي ستطفو على سطحه أجسام الأطفال الذين لم يشربوا الحليب وهم يراقبون الألعاب النارية تلك الليلة.
على الشاعر ما على غيره من حقوق وواجبات: على الطبيب مداواة الجريح الواقف عند بابه قبل أن يسأل من الذي أخطأ فلم يصبه في مقتله، وللشاعر أن يكتب ما يشاء. حريّ به أن يكون أخلاقيا (ما الأخلاق في الحرب؟- يجيبني صوت هامس: الشعر ليس نسبيا). يمكن له أن يكون حكيماً، أخلاقياً، عاشقاً، أباً وأماً، طفله هو... يحق له أن يكون عبثيا وغاضبا، متفائلا دون سبب، أو نادلاً... حزينا أو حتى يسير على حبل في سيرك الأحلام. الوحيد الذي سيحاسبه هو شعره، والوحيد الذي ينتظره هو شعره.
ماذا يمكن للكلمة أن تفعل؟
أن تتحرر وأن تُخلص لما يجري داخل مائها الحيوي؛ الداخل كانعكاس للخارج، الخارج كانعكاس للداخل. ربما ليس لها مناص إن لم تكن مؤهلة لتحمل طاقة الشعار المحدودة.
لا يمكن إعادة بناء أحجار بيت مهدم
لا يمكن سحب خيط من غادرنا لنعيده
لا يمكن لنا أن نكبح جماح الشر الذي حان فانفلت
للخيال أن يفعل ذلك، وللكلمة: سرج الخيال اللطيف.
الشعر "الغاسل" يغسله الوقت، ألم تسألني إن كان شعر الفترة جاء ليغسل الضمير؟
يمكن للكلمات أن تتفتت في الحرب كجدار.
يمكنها أن تكون أيضاً ثقب الجدار الذي نرى من خلاله، من الاتجاهين.
للشعر أن ينتظر، أن يتقلّب ليلاً، أن يراقب وأن يخاف (يمكنه بالطبع أن يحزن ويفرح و"يتحمس") للشعر أن يتأمل، أن يقترب ويبتعد، أن يقفز في هواء المجهول، أن يحصي الأصابع المرمية على الأرض... ألا يخبر أحدا. أن يهمس: كنت أعرف أن ما حدث سيحدث.
تأخر الشعر، فقلقت.
كانت الصورة.
عندما حان فهمت.
الشعر خمر من هذا الزمن
"زمن النهايات القصوى"، من جديد.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق