الخروج من بيروت بقلم : سحر مندور

. . ليست هناك تعليقات:




الخروج من بيروت
بقلم : سحر مندور
في الخارج، على سفر. ويقول المتنبي: "على قلقٍ، كأن الريح تحتي". كيف يخرج المرء من البلد لعامٍ كامل، والظرف كهذا؟ وكيف يبقى، والظرف كهذا؟ وهل يخرج أو يبقى، تبعاً للظرف؟ أم أن للخروج والدخول غايّة يقرّر ضرورتها صاحب العلاقة. في الخارج إذاً، على سفر.
الشكل الخارجي يتقبّل التهاني، بينما القلق حفلةٌ مجنونة في الذهن. لمن يروي القلق مَن يرحل عن ساحةٍ من ساحات المعركة؟ قلق التغيير، الدراسة، العمل، الزحمة، التقصير، الفشل.. أيّ قلق مترفٍ هذا، أمام قلق الحرب اليومية. ومن قال إن قلق الحرب يخرج أساساً من الجسم؟ هو المقيم أسفل القلق، هو الريح تحتي.
قلق في المطار
المطارات بشكل عام، كمساحات انتقالية، هي منجم قلق. ومطار بيروت بشكل خاص، لا يساعد على ضبط القلق. لا بل يوقظ النائم منه. حاله تشبه استنفار البلد، تجسّده. يطحن الناس. ازدحامٌ، وما كان موسم الحجّ قد أرخى واقعه بعد. ازدحامٌ من النوع الذي يوقظ في المرء أسباب الشرّ. صفوفٌ من طولها لا يظهر للعين هدف انتظارها، تنتظر. وعند كلّ تلاقٍ، تستيقظ في الموظف الرسميّ صاحب البدلة عبارةٌ مما لا يشتهي المرء سماعه من موظفٍ رسميّ ببدلة. ثلاثة موظفين مرّ بهم جواز السفر، وثلاثة مواقف مرّت بها حاملته: الموظف الأول يطلب منها العودة إلى بيتها، فيسقط قلبها في يدها. عودة إلى اليبت، مباشرةً بعد النظر إلى الجواز، وبعد انتظار ساعةٍ ونصف في الصف. تسأل، فيقول إن مدة الصلاحية منتهية على الصفحة أمامه. "أنظر، حضرتك. على هذه الصفحة، يوجد التمديد". آه، تم تمديده. لكنك موظف معنيّ بالجوازات في لبنان، ولست عابر سبيلٍ هنا. كيف لا تبحث أكثر قبل أن تحكي؟ موظف ثانٍ وأمرٌ ثانٍ بالعودة إلى المنزل: "هذه التأشيرة منتهية الصلاحية". يا رجل! اقلب الصفحة، إذهب إلى الأخيرة، سترى تأشيرة أخرى، من سينتظر ساعتين من صفٍّ إلى صفّ، بجواز سفر منتهي الصلاحية، أو بتأشيرة طوي زمنها منذ سنةٍ وأكثر؟ ثالث الموظفين هو أسمج التجارب المتسلسلة في صباح هذا المطار. الصف طويلٌ، والناس ينتظرون. لا يتقدّمون. هو، يراقب جوازاً تلو الآخر ببطءٍ شديد. يفتح حديثاً مع زميلٍ عبر الشبابيك، يراقب مجريات الصراخ هناك. ماذا يجري هناك؟ سيدةٌ فقدت أعصابها، تقول: "طب ليه ما في أقلام هون؟ ليه؟ بدك ترجّعني لآخر الصف كرمال عبّي الكارت؟". تصيح. على زندها، تتلوّى طفلة. في العربة أمامها، طفلٌ ثانٍ. بين قدميها، تنتشر الحقائب والأكياس. الواقفة بالقرب منها تحاول تهدئتها، بينما الموظف أمامها يحرّك يديه قرب أذنيه ويقول لها وللناس أجمعين: "شو بها هاي؟ شو جنّيتي؟". لا تخجل من لؤمه وتجيب بحدّة: "إيه، جنّيت. معقول اللي عم تعملوه بالعالم؟". تبكي.

صورة ذات صلة

الموظف هنا في الصف البطيء، يتفرّج مثل المنتظرين. يهزّ رأسه استنكاراً، وعلى وجهه ابتسامة صفراء. إنه التعاضد الوظيفي. لا أحد يقدّر صعوبة الدور الذي يقومون به. الناس جاحدون، أقل كفاءة منا، أقل أهمية، كثيرون، متكدسون بأوراقهم، ونحن قلّة، نقودهم، نسوسهم. ربما هذا ما كان يفكّر به، لمّا قاطع أفكاره صوتٌ تافهٌ آتٍ من آخر الصف: "لو سمحت، الساعة 8، وطيّارتي على التمانة وعشرة..". يستدير ببطء، ينظر نحو الصوت، ويصفن. يصفر في الهواء صفرةً طويلة، ويقول: "للتمانة وعشرة؟ في وقت كتييير". ويعود ببطءٍ مفتعل إلى الباسبور بين يديه، كي لا يظنن أحدٌ أنه استعجل بناءً على طلب مواطنة.
يصل الدور، وجهاً لوجه مع الضابط. والطائرة، كل الطائرات، ستحلق متأخرةً عن مواعيدها. لا أحد يكترث ليعلن ذلك، ربع ساعة، ثلث ساعة، ليس تأخيراً ذا معنى في مطار بيروت اليوم. ينظر ملياً في الوجه، ثم يقول، مشيراً إلى جواز السفر الكبير الحجم بسخرية: "ما هذا؟ بعد في منه هيدا؟". لا إجابة. يستفزّه الصمت بينما هو يلقي دعابة، فيبدو واجباً عليه في هذه اللحظة إظهار الاحتقار كي لا يبدو هو ضعيفاً أو "مبخوعاً": "ألم يعلّموك ألا تتحدثي إلى ضابط وأنت واقفة في الصف؟ نسيوا يعلّموكِ؟". لا إجابة، بينما الكلمات تغلي في الحلق. كمياه من نار تريد أن تخرج لتصيبه في وجهه، بعد ثلاث ساعات متواصلة من الوقوف انتظاراً بين الصراخ وأصوات الأطفال. ولكن، موعد الطائرة أهمّ منه، وأيّ كلمة ستتحول لمشادةٍ تستهلك من الوقت ما لا يحتاجه هو أساساً. الصبر، المطار بات يلقّن الناس درساً في الصبر، ودراسة الجدوى.

صورة ذات صلة

يستكين في محيطه

لنا من الفرح نصيبٌ كبير نصنعه يومياً، دافئٌ ضاحك هادئٌ صاخب، بين الأصدقاء، مع الحلفاء، في النميمة المقهورة وفي نميمة الترفيه، في كل حين. ونقلق كثيراً. بعضنا يمرض، يصاب بحساسية جلدية، يفقد أعصابه بسرعة ويهدأ بسرعة كأن ذلك خيار أو كأنها طبيعة شخصية فحسب.. وبعضنا يهجم. يرفع الصوت، يرفع النبرة، يرفع الزمور، يرفع العصا، يعنف، يصير عنيفاً جداً، وللعنف درجات نتوزع عليها، كما تتوزع الجريمة على البشر.
على وسائل التواصل، لا يبدو البلد كما هو. يكفي المرء أن يكون في البلد، ويقرأها ليعرف أنها ليست دقيقة وإنما معبّرة على مستويات أخرى. لا تختصر بلداً، لكنها ترسم تطوّر آراء فيه. وإذا كان العيش في لبنان يجعل من وسائل التواصل مساحات انفجارات وضحايا وعصبيات، فهي تصبح للعين أهدأ من خارجه. داخل لبنان، يشعر المرء بهذه الحدّة تمزّق شرياناً من شريانه، تستفزه. لماذا لا يتروون قليلاً؟ لماذا يبدون ساخرين، بينما يعالجون موضوعاً فيه فقرٌ وتعبٌ وضحايا بعدد العيون؟ عن بُعد، تختلف النظرة في العين. والاختلاف لا يأتي من فعل ركوب طائرةٍ قطعت المسافة بين قارّتين بخمس ساعات في الهواء الحرّ فحسب. الاختلاف يأتي من جسمٍ ما عاد يتعرّض للخضّات كيفما كان، أينما كان. جسمٌ يستكين في محيطه، لا تصيبه نصال الكلام العام، ولا يتفادى عيون الاعتداء. الاختلاف في النظرة إلى الأحكام التي يطلقها الناس، متاح أكثر عندما يكون المرء في آمان نسبيّ، في آمانٍ شبه مطلق. وهل يعرف هذا الشعور من تأسس على حرب؟

صورة ذات صلة


من هذا البعد، لا يمكن عيش البلد. مهما سعى المرء، سيبقى محمياً في بُعده، عاجزاً عن ملامسة الاحساس باللحظة، شموليته، تطوّرها في جسم البلد، ... الكومبيوتر والتلفون، يوحيان باستمرارٍ وتواصل، بينما الشخص فعلياً قد ابتعد. يتيحان وهماً كهذا، بينما الجسم بات بغلاف جوي مختلف، بطبيعة علاقات مختلفة، بنظام حياة مختلف. لا يتلقى الجرعة كاملة، يتلقى حصّة منها، في واقعٍ آمن، ضمن قماشة حياة هادئة، بجهوزية مختلفة تماماً. فيعترف المرء بأنه يتابع الخبر، فقط. يخشى الخطر، ويتابع الخبر.
عن بُعد، في بلادٍ بلا خطرٍ صريح، مزاجها جدّي وليس صارماً، لائقٌ وليس عدائياً، لطيفٌ بقدر الاتصال. من هنا، يتجلى جهد الحياة في لبنان. كأوجاع النهار التي تستيقظ عند الاستلقاء ليلاً، كجسمٍ تعب ولم يدرِ، فارتخى وأصابه الانتباه. الزحمة، الصوت المرتفع، العصبية، الرمقات اللئيمة، الزمامير، اللطف الغازي لحدود الفرد، الفوقية، التطاول، ... ومعها أيضاً، الخصوصية، الحميمية، الانتماء إلى قصة، وجهٌ لطيف ينقذ النهار، يدٌ مساعدة تحلّ المسألة، حضنٌ يلغي الخطر لبرهة. مليئةٌ حياتنا بكل شيء، كلّ عاطفة كلّ يوم، كأننا أجسام تعالجها الحياة يومياً بجرعة اهتمام خاص، كأننا في معسكر تدريبٍ يوميّ.
وإذا كان المرء يشعر بأنه ممتلئ في لبنان، يفيض عن حدود نفسه بانفعالاته ومعلوماته وآرائه وما سمعه وما قاله وما يتوجب عليه فعله، فهو عن بُعد بات يجد في داخله مساحاتٍ تُفتتح، فارغة ومتحفزة وجاهزة للاستعمال. من الامتلاء التام، إلى الاتساع بهدوء لعالمٍ جديد. شيئاً فشيئاً، ستملأ هذا الفراغ قصصٌ وأخبارٌ وانفعالاتٌ جديدة. سيصبح المطار بعيداً، وستتجاور في الذات حياتان، للقلق في كل منهما مساحة، وللحب في كل منهما مساحة، وكذلك يتاح خيارٌ بالهدوء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة