من نوافذ قناص الحرب إلى نوافذ الضوء.. لوحة بثلاثة أبعاد
تاريخ المقال: 07-10-2014 01:52 AM
«المفقود» عنوان المعرض الذي يفتتح اليوم للفنان التشكيلي العراقي سلام عمر، الذي اختار أن يقيم في بيروت. يغادرها ويعود إليها، ويعرض فيها، ويكون واحداً من نسيجها الثقافي والفني. لا يضم المعرض أعمالاً عادية، إنما يقدم تركيباً يقيم علاقة مختلفة بين المتلقي والعمل الفني. فيبني العمل من سطوح تجعل المسطح الذي أمامنا ثلاثي الأبعاد، وتجعل المشاهد يراه من أكثر من زاوية، على أن كل زاوية تضعه أمام مشهد مختلف، لتتباين المشاهد في العمل الواحد، وتتراوح بين الواقعية الفوتوغرافية والتجريد.
معرض سلام ليس الأول له في بيروت، فقد أقام أول معارضه فيها، في جمعية الفنانين (2000)، ثم تبعه معرض في «غاليري SD»، فثالث في قصر الأونيسكو، ثم رابع في «السوديكو سكوير»، إلى جانب عدد من المعارض الفردية في كل من بغداد والكويت والبحرين وقطر وأبو ظبي.
معه هذا الحوار عن معرضه الجديد يشرح لنا فيه فكرته والتقنية المركبة التي اعتمدها:
نحن أمام فنان عراقي يصوّر الحرب الأهلية اللبنانية، مع أن الحرب العراقية أكثر قسوة وحضوراً في الوجدان العام. لماذا اخترت الحرب اللبنانية؟
^ كانت الحرب اللبنانية الدرس الأول لنا كمثقفين عرب، وبقيت في الذاكرة، سواء في الصورة أو النص. عندما بدأت الحرب عندنا في العراق كنا متهيئين. أتذكر الحرب اللبنانية كنت لا أزال فتى. كتبت شعراً عن هذه الحرب وقرأته في إذاعة مونتي كارلو... وأصدقائي دائماً يسألونني السؤال نفسه: لماذا بيروت لا بغداد؟ كنت أجيب أنا ضد فكرة الهجرة، وأبحث عن وطن لا يختلف كثيراً عن وطني الذي عشت وولدت فيه، وإلا كنت ذهبت إلى الأردن مثلاً كباقي الفنانين العراقيين. المحيط الذي يشبهك هو الذي يقدم لك التأشيرة. أشعر بالألفة في بيروت مع كل مثقفيها وعماراتها وشوارعها، وهذا ما جعلني أقيم فيها وأقدم لها فني ومعرضي هذا. وأنا أقمت قبل ذلك معرضاً عام 2002 في «غاليري SD»، هو أيضاً عن بيروت الحرب.
أنت أنتجت عدداً من اللوحات التي تتعامل مع الحرب في العراق سابقاً، ورأينا صوراً كثيرة لها. وأقمت معرضاً في البحرين عن هذه الحرب أيضاً. هل إلى هذا الحد تأخذك الحرب بمآسيها وقساوتها ودمارها الخارجي والنفسي؟
^ لست ابن فرنسا ولا ابن مدينة مستقرة. أعتقد أن من واجبي أن أصوب إصبعي في اتجاه الخلل. بغداد استبيحت والإنسان استبيح فيها، حتى النخيل فقد عذريته نتيجة الحروب، وتبدل التاريخ. من هنا ولدت قصص كثيرة وكل لحظة تولد قصة. كل يوم نفتقد شخصاً عزيزاً. وقبل لحظات علمت أن أحد أقاربي توفي بجلطة دماغية بسبب ضغط الحرب والمآسي التي تحيط به.
أنا أبحث عن سلام مفقود، عن قضية لا حل لها. إلى متى يبقى الفنان يرسم الطبيعة لتزيين جدار؟ نحن أمة تدفن حضاراتها. لذلك أشتغل بكثير من القسوة على سطح العمل الفني، لأن هذا السطح يمثل الحقيقة. فحياتنا عذاب. أريد أن أقول لك إن أهم سبب لنجاحات لوحة أيمن بعلبكي هو ذلك السطح المعذب الذي يشبه تاريخنا المطمور. فهو أيضاً يشتغل على طمر السطوح. ولو بحثت في تاريخ الفن العربي عمن له حضور من الفنانين تكتشف أن هؤلاء تميزوا بذلك المشهد، أقصد مشهد ردم السطح أو المعنى، كمن يطمر كنزاً. نتذكر شاكر حسن آل سعيد، وحتى شفيق عبود وإن رآه كثيرون بشكل مغاير. أنا أرى أن عبود كان يستخدم الحذف والإضافة في التعبير اللوني، وحتى في التعبير عن المعنى. كان يعتمد على ردم الفكرة وبناء فكرة أخرى. يرسم ويحذف.
السمات الغرافيكية
لكنك تشتغل في لوحات معرضك الجديد على سطوح مختلفة التقنية، فهي ليست سطوحاً لونية بالمعنى العادي المبسط، إنما سطوح مركبة وذات سماكة تظهر تباين السطوح بوضوح أكثر، وتصل إلى قرابة عشر سنتمترات. هل لك أن تشرح لنا تقنيتك هذه وسبب اعتمادك لها؟
^ شغلي على السطوح جاء نتيجة دراستي فن الطباعة في السبعينيات، هذا الفن منحني فرصة اكتشاف تركيب السطوح. ولكن بعد مرور فترة زمنية طويلة بدأت أنتج أعمالي الطباعية أو الرسم المباشر. وكلها كانت تعتمد على السمات الغرافيكية في الرسم، حفر وإضافة وشفافية في اللون وتكرار أكثر من سطح في العمل. وحتى في هذا المعرض رجعت إلى النقطة الأولى في تقديم الصورة التي أرخت للحرب اللبنانية. حاولت أن اقتطع جزءاً من الممتلكات العامة، أقصد صور الحرب، أو ذاكرة الحرب. هنا بدأت أجد تقنية تخدم هذه الذاكرة هي عملية تفكيك الصورة من شكل عام إلى نقطة. وأثناء تنفيذ هذه التجربة بدأت تتطور لديّ روح المغامرة والاكتشاف، في هذا البحث التقني، حتى وصلت إلى أن أكسر السطح الأول الذي يمنح الصورة سمة تجريدية (السطح الأول هو السطح الأقرب إلى عين المشاهد) بسبب تفاوت أبعاد تكسراته عن عين المتلقي. أما السطح الثاني فهو سطح العمق الثابت الذي يحتضن الصورة.
لماذا اخترت صوراً معروفة من الحرب اللبنانية ولم ترسم هذه الحرب من مخيلتك كفنان؟
^ هناك عملان، من المعرض الذي يضم ثمانية أعمال، فيهما صورتان اشتهرتا في الحرب الأهلية اللبنانية، والباقية هي تفاصيل اقتطعتها من صور أخرى التقطتها، لا تؤشر بالضرورة إلى مكان محدد، إنما تتضمن بالطبع آثار الحرب.
عنوان المعرض هو «المفقود»، وقد اشتغلت على فكرة القناص، وحاولت رصد العلاقة بين القنّاص والمفقود. لذلك ترى عندما تدخل المعرض، إلى يسارك، عملاً تجهيزياً يمثل موقع القناص في «بناية بركات»، وكيف بنى هذا القناص موقعه. من هنا نكتشف عبقرية الشر التي يحملها في داخله. وفي الجهة المقابلة من المعرض تكتشف اختفاء الضحية، وتارة تجدها تائهة بين السطوح. هذه العلاقة جعلتني أتأخر في إكمال التجربة وإيجاد العلاقة المقْنِعة بين القاتل والضحية.
تفكيك الصورة
أنت لم تشتغل أعمالك على الصورة فقط، إنما تدخلت فيها بالألوان وتركيب السطوح؟
^ تدخلت بالألوان. اشتغلت على الصورة نفسها من خلال الفوتوشوب وحولتها إلى طباعة يدوية على الشاشة الحريرية، وفككت الصورة إلى مستويات عدة، وأصبحت مجسمة بثلاثة أبعاد. ثم كسرت السطح الأول، كما ذكرت، بطرق مختلفة، منها تكسير هندسي، ومنها تكسير عشوائي انفعالي. وبعدها حاولت أن أصنع أبعاداً مختلفة من الصورة حتى تقترب من الفن التجريدي. وهنا أشكر كل المصورين الذين وثّقوا الحرب الأهلية اللبنانية والذين اعتمدت على صورهم.
أعود إلى القول إن لبنان كان الدرس الأول في الحرب الأهلية، ولا يزال العرب حتى الآن يستنسخون هذه التجربة، وإن اختلفت أطراف هذه الحروب وطوائفها ومذاهبها.
هل تفكر أو تتأمل أن تخرج تجربتك يوماً ما من لوحة الحرب؟
^ يمكن أن يحصل ذلك إذا عم السلام في المنطقة. حتى لو حصل السلام يمكن أن نذكّر بالحرب أيضاً وأيضاً لأن الهدف من نبش هذه الذاكرة ليس أحياء الحرب في النفوس إنما التحذير من ويلاتها ومآسيها. أريد من أعمالي أن تكون نوافذ ضوء على زوايا مظلمة في الحرب وأيامها السود، لنعرف كيف نتقي العودة إليها.
(]) يفتتح المعرض السادسة مساء اليوم الثلاثاء، في «غاليري أجيال» (الحمراء)، ويستمر لغاية 18 الجاري، يومياً من العاشرة صباحاً حتى السادسة مساء






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق