اجعل الشمس عن يمينك، القمر عن شمالك..احتضنهما جيدا، اشتعل وانطفئ.. غص بهما.. توحد تماما.. ذب.. تودد إليهما، اجعلهما همك.. شغلك الشاغل.. كأنهما الكون.. ضاجعهما مرات ومرات.. ثم عد.. انفضهما، لا تستجب لتوسلاتهما للبقاء، تنكر لهما تماما.. كن نذلا، هادئا.. وابدأ في الكتابة.. لهما حياة أخرى ولك أحضان كيبورد.. كن مثله بلا مشاعر.. وسيط بارد.. يرصد انفعالات ومصائر.. بلا انفعال وبلا مصير.. لا الشمس تحترق ولا القمر، إنهما يدوران رغما عنك وبدونك.. فخفف من وطأة ذنبك.. وسوّد الصفحات.. إنهما يعثران بسهولة على حيوات أخرى... كما ستعثر أنت كلما فرغ إناء التجربة.. سيحولانك بدورهما إلى مجرد قصة حزينة أخرى ستبرر دورتهما الجديدة، مضغهما في أفواه جديدة، سببهما للحياة ولمضاجعة آخرين لهما، أنت وقودهما وهما وقودك، سيستفيدان تماما من سطوعك وانطفائك.. عاهرتان ونذل.. تلك قسمة عادلة.
ما الذي انتظره لكتابة رواية: فكرة، تجربة ذابلة أو شرارة قصة تصلح لإعادة اختراع لعالم ثم.. اللاشيء.. أحتاج إلى شحنة هائلة من اللاشيء.. من اللامبالاة.. بالحياة.. بقواعد كتابة الرواية نفسها.. لا أكتب إلا في المزاج صفر.. «طظ» كبيرة، جسورة، في فم العالم... القاعدة الصالحة التي أثبتت قدرتها على البقاء وانتاج المزيد هي تحديدا المرجوة بالتبول فوقها، لا قاعدة.. يمكنك أن تسخر من الرواية نفسها.. تدمرها عامدا، وسعيدا.
أعتقد انني أكتب كي احتقر القاعدة لا لتدميرها، لا أملك قاعدة بديلة.. لا أملك أصلا نوايا تبشيرية مضادة ناحية القاعدة. أنا أعرف أنها صالحة وتنتج يوميا الطبيب والمهندس والعاطل وآلاف الروايات الجيدة والممتازة والعبقرية والتافهة.. عرفت أن رواية «ماندورلا « ستنتهي عندما بدأت في الابتسام بشر وطفولة..أنها لا تكتب على مثال أعرفه.. عندما توقفت عن سؤال :هل هكذا تكتب الرواية؟.. محض شر مطلق.. رواية لا ترغب في الخلود، بل في البصق، لا التبشير برواية جديدة بل محو أثر.. كل شيء كان يجري على الكيبورد بمتعة بالغة.. لحظات قذف جديدة، متوالية، تلك الرعشات هي كل شيء.. هي الكتابة.. الحياة.. مني مهدور فوق فخذ عار.
ثمة انتصار، في أن تهزأ تماما مما يكبلك، بما ادخرته من قوة وجسارة وأنت تواجه العالم بحيطة، أدخر جسارتي للكتابة.. وأعيش بهدوء عقب كل تجربة أخوضها متحمسا، شغوفا، أستهلك كل شيء، احترق تماما، لأعود هادئا لكيبورد مستنزفا وهادئا.. أعود بعود ثقاب، أطفئ شعلته بنفخة من فمي وأكتب.
في الحياة، لن يلومني الله كثيرا، لا أفكر في ايذائه بشيء، لا استفزه بأسئلتي عن وجوده، عامل جيد، متعي بريئة، لا استنزف نفسي في ما يوتر ابناء الطبقة الوسطى العفنة بالضرورة، بل أعيش مثلهم عاديا ومختبئا بينهم، صامتا، ثم أدخل التجربة بهوس الاحتراق حتى النهاية.. لكن في تلك الفسحة التي يمنحها الكيبورد، لا مجال لتكبيل الخيال بما اخترعه الآخرون، عندما أكتب أعرف أي لعنة سأصبها عليهم وأي شك سأطرحه، حياتكم سخيفة، قواعدكم تافهة، مقدساتكم هي عجل سابق التجهيز، لولا أني على موعد مع الكيبورد، لخضت هلاكي حتى النهاية.
حتى الله تمكن مساءلته في الكتابة، الله لا يغضب من رواية، حتى وإن نفيته.. رب الطبقة الوسطى لا يقرأ رواية ملعون صامت.. ربي يحب أن نستغل تلك الفسحة الطيبة في الانتقام من الحبيبة والسيد واذكاء النار، أن لا نضيع فرصة خيال بلا حدود، أن نساءله عن وجوده وأن نجعل من النذل بطلا مختارا ومن العاهرة ملهمة، من اللهو بشخوصنا المخترعة، قذفها بالطين، سحق كرامتهم، أن تكون نجاتهم في الهلاك، في التخلص من القناع.. أن نقدم الحياة على حقيقتها وفي حجمها.. قذف طيب.. لا أثر يبقى للرعشة، ولا للكاتب.. سنفنى يا أحمق.. الباحث عن الخلود، مجرد مهووس أحمق، لم يتخلص من عفن الطبقة الوسطى بعد، يمكنه اشعال المعارك، سحق خصيتيه، من أجل خلود زائف.. لماذا تبحث عن مصفقين؟.. اللذة كلها في سيل من الغاضبين.
ربما تلهمني رواية وحشية، تنزع اللحم عن الجسد، تفكك العظم، الذروة التي لا يبلغها الجنس، المستحيل الذي لا يتحقق في محاولة الدخول إلى شخص آخر، والضياع فيه.
كل الحكايات مظلمة وبلهاء، لعوبة، لا ترغب في العظة، ترغب في أن تروى، كشمس وقمر يتعاقبان..كعاهرتين ونذل.. لا شفاء منها إلا بروايتها.. بقذفها على فخذ عار.
[ روائي من مواليد 1981 صدر له رواية «ماندورلا».. ومجموعتان قصصيتان.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق