العدالة غالبا ما تمثلها سيدة معصوبة العينين تحمل الميزان بيدها اليمنى، والسيف بيدها اليسرى. فكل ما تحتاجه العدالة هو إحساس عال بالحق والأخلاق، لهذا لا يهم إن كانت تبصر أم لا، لأن ذلك لن يضيف إلى الأمر شيئا، فهي لا تنظر إلى المستوى الاجتماعي أو المالي للماثل أمامها، المهم هو القدرة على النظر العميق في الأشياء والتدقيق في المعطيات.
يقول شيشرون " لا شيء يستحق الاهتمام أكثر من أن نفهم بوضوح أننا ولدنا من أجل أن نحظى بالعدالة، ولا تتأسس العدالة عن طريق الفكر والآراء، بل تقررها الطبيعة".
في هذا الكتاب "مختصر تاريخ العدالة" من سلسلة عالم المعرفة الشهرية، عدد 387، من تأليف "ديفيد جونسون"، وترجمة مصطفى ناصر، يستعرض المؤلف وبالتفصيل، تاريخ العدالة، من فلسفات "أفلاطون"، و"أرسطو"، وصولا إلى نظريات مفكري العصر الحالي.
وقد قسم المؤلف الأفكار المرتبطة بالعدالة إلى قسمين، أولها أفكار مرتبطة بالمنفعة، وهو مذهب يقول بأن تحقيق أعظم الخير لأكبر عدد من الناس يجب أن يكون هدف السلوك البشري. وهو ما يعرف حاليا بتحقيق أقصى قدر من السعادة للإنسان. هذا المبدأ هو الفكرة الجوهرية في التراث الفكري الكلاسيكي لمذهب المنفعة. أما القسم الثاني من الأفكار، فمرتبط ب" ما هو واجب أخلاقيا"، وهي الآراء التي ترى بأن العدالة هي مسألة واجبات صارمة لا يمكن تجاوزها أو التغاضي عنها لأية أسباب كانت. ويستمد هذا التيار جذوره من مبدأ "التعامل بالمثل"، وهو الذي كان سائدا، حسب الكاتب، لمدة ألف سنة ونصف من التاريخ المدون. أفلاطون انتقد هذا المفهوم، وحاول استبداله بتصور "غائي" أي الاعتقاد أن كل شيء في الطبيعة مقصود به تحقيق غاية معينة.
وقد تغيرت الأفكار المرتبطة بالعدالة، مرتكزة في فكرتين أساسيتين: الاعتقاد بأن البشر قادرون على إعادة تشكيل كيانهم الاجتماعي بما يتماشى مع مقاصدهم التي يسعون إليها، وفكرة أن جميع البشر متساوون في القيمة الاعتبارية.
ويرى المؤلف في الفصل الأول من الكتاب، أن ما كان يروج من أفكار عن العدالة في العصر القديم تبدو اليوم غريبة بالنسبة للإنسان الحديث، لأن النصوص القديمة تظهر الانشغال المسبق بمسألة الجزاء، في حالات أخرى، الانتقام، والسبب الآخر، هو وصف تدرج السلطة والمنزلة الاجتماعية والثروة باعتبارها تجسيدات لنظام سياسي واجتماعي عادل. ولعل أبرز هذه النصوص القديمة ألواح "حامورابي" وهي مجموعة من التشريعات في بلاد الرافدين. وكان الغرض الأساسي من العدالة هو منع الأغنياء من اضطهاد الفقراء. لكن ليست هناك إشارة إلى أن حقوق هؤلاء الضعفاء يجب أن تكون مساوية أو قابلة للمقارنة مع ما يتمتع به الآخرون ممن يحتلون منزلة أعلى في مجتمعهم. وهو ما يلاحظ من خلال شروط العقوبة: "إذا فقأ إنسان عين إنسان حر سوف تفقأ عينه"، و"إذا فقأ إنسان عين عبد أو كسر عظمه سوف يدفع مينا واحدا من الفضة".
أما مفهوم العدالة عند أرسطو، فهي تذهب في اتجاه أن الناس مختلفون في
قدراتهم الطبيعية، بعض الناس مؤهلون لممارسة الحكم أو المشاركة فيه، لهذا
فالعلاقات بين الناس غير المتساوين جذريا ليست الموضوع الرئيسي للعدالة، لأن هذه
الأخيرة تقوم بالأساس على مجموعة العلاقات التي تسود بين الأشخاص الأحرار
والمتساويين. نظرية أرسطو للعدالة أصبغ الكاتب في شرحها في صفحات كثيرة، ومنها
انتقل إلى فيلسوف تأثر بنظريات أرسطو وهو الانجليزي "توماس هوبز"، الذي
كان يعتقد في كتابه " ليفياثان" أن الحاكم لا بد أن يكون قويا ليفرض
سيطرته. ويعتبر "هوبز" من الفلاسفة الذين نظروا لنظرية العقد الاجتماعي
بجانب "جون لوك"، و"جون جاك روسو". أما الفيلسوف الألماني
"إيمانويل كانط"، فيعتبر أنه من البديهي أن البشر أحرار، وعقلاء،
ومسؤولون.
ولم ينس الكاتب تخصيص فصل للعدالة الاجتماعية، مع شرح لتأثير الثورة الفرنسية التي شكلت بداية القطيعة مع عصر يحرم الناس من أبسط الحقوق. وركز فلاسفة ومفكرون مثل "آدم سميث"، و"بينثام"، و"إيمانويل كانت"، على طريقة التوصل إلى توزيع المنافع والأعباء على أفراد المجتمع. لا ننسى أثناء الحديث عن العدالة الاجتماعية نظريات "ماركس" و"انجلز".
ولم ينس الكاتب تخصيص فصل للعدالة الاجتماعية، مع شرح لتأثير الثورة الفرنسية التي شكلت بداية القطيعة مع عصر يحرم الناس من أبسط الحقوق. وركز فلاسفة ومفكرون مثل "آدم سميث"، و"بينثام"، و"إيمانويل كانت"، على طريقة التوصل إلى توزيع المنافع والأعباء على أفراد المجتمع. لا ننسى أثناء الحديث عن العدالة الاجتماعية نظريات "ماركس" و"انجلز".






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق