من التاريخ الحقيقي المخفي والمسكوت عنه والممنوه الحديث فيه
إلمقة و مكة – مكة اليمنية
عرض: رياض حمَّادي
في سياق بحثه عن الرحلة الإبراهيمية والتاريخ المجهول للنبي إبراهيم, يشكك سيد القمني في كتابه (النبي إبراهيم والتاريخ المجهول) في كون (إلمقة) اسم إله ويذهب إلى أنه اسم لمكان كانت تقام فيه طقوس العبادة وقد أسس ما ذهب إليه على عدة شواهد هي:
عدم ورود اسم (إلمقة) ضمن ما دونه الإخباريون المسلمون عن عبادات العرب قبل الإسلام فقد ذكروا شتى أنواع الآلهة ما عدا (المقة).
استدلاله بالقرآن الذي أكد بأن السبئيين عبدوا الشمس ولم يستبعد أن يكونوا قد عبدوا القمر كذلك.
استغرابه وتساؤله عن دلالة حرفي (ال) في أول كلمة (المقة) فأداة التعريف في العربية, كما يقول, “كانت هي (هـ) في أول الكلمة, مثل: (هبعل) أي الإله (هبل) ثم أهملت العين بالتخفيف, لينطق (هبل). أما في العربية الجنوبية, فكانت أداة التعريف هي حرف (ن) يلحق بآخر الكلمة, مثل قولهم: (رحمنن) أي (الرحمن)”. (ص 114 )
استغرابه وتساؤله عن الحكمة في إضافة (تاء) التأنيث في آخر اسم علم يدل على معبود ذكر هو (المقة) لأن حرف التاء “مضافاً أو لاحقاً بآخر الكلمة, سواء عربية شمالية أو جنوبية, فكان غرضه التأنيث, بينما تفهمنا النصوص, التي راجعناها أكثر من مرة عند (جلازر) و (هوميل) و (نيلسن) و (كاناليكس) وغيرهم, أن المقة إله ذكر”. (ص 114)
يقول القمني في مستهل معالجته لهذه المسألة:
“في آثار الجنوب العربي, ورد اسم غريب أكثر من ألف مرة, وكان واضحا أنه علم على إله معبود, زعم الباحثون في آثار اليمن أنه اسم لمعبود سبئي, كما زعموا أنه إله القمر, ويعد أشهر معبودات اليمن طراً, وقد اجتهد هؤلاء في فهم الاسم ما بين اللامع والثاقب هذ هو الإله الذي سجلته النقوش باسم (المقة)”. (ص 113)
ويقول:
“لدينا تصور خاص يذهب إلى أن عبادة (المقة) تمثل نوعا من التطور في العبادة, ومبعثنا إلى ذلك هو أن كل أنواع الآلهة التي ذكرها الإخباريون المسلمون عن عبادات العرب قبل الإسلام ذكرت شتى أنواع الآلهة بأسمائها عدا (المقة), رغم أنه كان أشهر هذه الآلهة, ولم يكد يخلو نقش من اسمه, ومع ذلك وجدت جميع الآلهة طريقها للتدوين في كتب الأخبار بينما لم يرد اسم المقة بالمرة, وهو ما أثار حيرة الباحثين ودهشتهم ولم يزل !! ومن هنا وقفنا مع (المقة) ذلك الاسم الغريب, نحاول الفهم.”. (ص 114)
ثم يقدم الحل لتساؤله بخصوص (ال) فيقول بأنه اسم إله (معبود) معروف في عبادات الشعوب السامية القديمة بلا استثناء وفي كل بقاع جزيرة العرب, معتمدا في ذلك على عدة مصادر لمؤرخين مثل (موسكاتي, نولدكه, جواد علي, ديتليف نيلسون, ريكمانز, هوبر). فيرى نيلسون أن (إل) “كان اسما ذا دلالة عامة, فيقال (إل كذا), ويتبع (إل) باسم الإله المقصود, ويضيف نيلسن أن (إل) ورد كعلم لإله خاص في النقوش السبئية والقتبانية… وقد أفادنا ريكمانز أن (إل) قد جاء في النقوش السبئية يحمل اللقبين (فخر) بمعنى العظيم و (تعلى) بمعنى تعالى”. (ص 115 )
وتأسيساً على هذه المعاني زعم القمني “أن حرفي (إ) و (ل) في أول (المقة), إنما تعني الله أو الإله, وبذلك تتركب كلمة (المقة) من مقطعين أو ملصقين, وهي خاصية في اللغات السامية, فتعني الإله أو الرب (مقة), ونتذكر مرة أخرى أن الإخباريين المسلمين, كان واضحاً أنهم لا يعلمون شيئاً عن (الرب مقة) سيد أرباب الجنوب”. (ص 115)
أما حله لإشكالية التاء في آخر اسم (المقة) فيستخلصه من نص قتباني “يشير إلى الذبائح المقدسة بقوله: “مختن ملكن بمكي”, وتأخذ الباحثة (منقوش) بترجمته إلى (المذبح الملكي بالموضع مكي), وعليه فالنص يشير إلى موضع للذبح المقدس وتقديم القرابين, وأن هذا الموضع يقع في منطقة تحمل الاسم (مكي) مع ملاحظة تعبير النص الأصلي (مختن) فهو يعني مقر (الختان), والختان كما هو معلوم كان شرعة مقدسة, تمارس في أيام محددة في أماكن مقدسة, لدى الشعب المصري بوجه خاص, ولم تزل تمارس في مقامات الأولياء وموالدهم حتى اليوم, إضافة إلى أن المختن تعني أيضاً المذبح. وهنا يثور التساؤل الحذر: إذا كان المعبد المقدس حيث تتم عملية الختان, أو تقديم الأضاحي, يقع في منطقة (مكي) فهل هناك علاقة بين اسم الإله الغامض (إلمقة) أو (الرب مقة) وبين (مكي) في النص: مختن ملكن بمكي ؟”. (ص 115 – 116)
ثم يشير إلى مشكلة يقول أنها ظاهرية وهي أن القتبانيين كانوا يعبدون الإله القمر باسم (عم) وليس باسم (إلمقة), لكنه يقول بأن هذه مشكلة تساعد على الحل ويطرح تصوره في الخطوات التالية:
“ورد عند ابن طيفور المصري, وعند القيرواني, أن بعض أهل اليمن, كانوا يقلبون القاف كافاً, كما يفعل أهل فلسطين اليوم, وكثير من المناطق الأخرى, وفي اليمن ذاتها, ومن هنا لا نستبعد العلاقة بين (مكي) و (مقة)”. (ص 116)
“إن إشارة النص القتباني إلى المذبح الملكي بكونه في الموضع (مكي) مع ما عرفناه عن تقديسهم للإله (إل) وتلقيبهم له باللقبين (فخر) و (تعلي), ومع ما علمناه عن (إل) كعلم ذي دلالة خاصة على إله خاص لدى القتبانيين والسبئيين معا – فيما زعم نيلسن – ومع ما افترضناه حول كون (الألف) و (اللام) في أول (إلمقة) إنما هي (إل) أي إله أو رب, مع هذه المجموعة من الإشارات, نجدنا شبه مضطرين إلى استنتاج أن معبد (إل) على الأرض, سواء كان قتبانيا أم سبئياً, إنما كان يشار إليه بالاسم (مكي) ويقدس معبده ومحيطه كحرم خاص له”. (ص 116)
“ومن هنا نقترح أن يكون اسم (إلمقة) ليس خاصاً بإله خاص, إنما يعني (إل مقة) أو (إله مكي) وهنا ننتقل خطوة أخرى فنحتسب ترجمة النقش (إلمقة) إلى (الرب مقة) ترجمة غير دقيقة, ويجب أن تكون (إله مكي) أي إله المعبد المسمى (مكي) وبذلك لا يعد لفظ (إلمقة) اسم علم يطلق على إله القمر السبئي – كما زعم الباحثون – إنما يصبح مع هذا الاجتهاد بمعنى (رب البيت) أو (بيت الرب), ويعضد ذلك أنه فيما يبدو كانت كلمة (مك) أو (بك) تعني البيت), أو ربما البيت المقدس في اللسان السامي, ومثال لذلك معبد (بعلبك) في لبنان, والكلمة (بعل – بك) تعني بيت البعل, وكان البعل إلها كنعانيا فينيقيا في تلك المناطق كإله للخصب والخضرة والنماء وربما للمياه والغيث, وعليه يمكن اعتبار (إل مقة) هي (بيت الرب) أو (رب البيت), وعادة ما توارت في تاريخ العبادات القديمة إطلاق اسم (بيت الرب أو رب البيت) على محيطه ومدينته بالكامل, وهو ما حدث في حالة بعلبك, وحدث أيضاً في اليمن حيث وجدنا نصوص نرام سين تتحدث عن (مِكان) بكسر الميم, كبلد يمني ذي علاقات خاصة ببلاد الرافدين القديم, وحيث أشار المسعودي لوجودها في عهده, وقال إنه ركب السفينة من (مِكان) وبحذف اداة التعريف اليمنية (ن) تصبح (ميكا) أ (مكا) بكسر الميم, وهو ما يوعز لنا بالنطق الأصدق للنص القتباني (مختن ملكن بمكي) ليصبح (مختن ملكن بميكا أو بمكا)”. (ص 117)
“ويدعم هذه الاستنتاجات, ما جاء في النصوص السبئية تصف الرب المعبود بأنه (ذوي سموي), وتعني صاحب السماء أو رب السماء, وإذا أخذنا بافتراض العلماء أن (إلمقة) فيما زعموا كان إلها للقمر, فسيكون (ذوي سموي) هو (إل), أما (إلمقة) أو (مكة) فلم يكن اسما إلهيا, إنما هو حرم هذا الإله على الأرض, أي يصبح (إل) ذوي سموي) رب السماء, رب البيت المقدس المكرس لعبادته على الأرض”. (ص 117)
“ويذكر (ديتلف نيلسن) أنه عثر على كلمات احتسبها أسماء إلهية, أو ألقاباً للمقة في النصوص السبئية, أهمها هنا اللفظ (رحمنن) أي الرحمن, واللفظ (حريمن) الذي يترجمه بمعنى (محرم) أو (القديس), لكن وفق ما طرحناه نجد هذه الترجمة غير دقيقة, إنما تستقيم تماماً عندما نترجمها (الحرم) أو (القدس) بمعنى الحرم الإلهي أو القدس الإلهي, وهي تلتقي تماما مع احتسابنا (إلمقة) إشارة للبيت الإلهي الذي يصح وصفه هنا بكلمة (الحرم) بينما هذه الكلمة (حرم) لا تعني شيئا إذا وصفنا بها ربا, وعليه تصبح (تاء) التأنيث في آخر (إلمقة) أمرا مفهوما, إذا احتسبنا اللفظة دلالة على موضع أو بلد مقدس باسم (مقة) أو (مكة) وإعمالا لكل ما سلف نصل إلى نتائج هي:
“إن (مقة) أو (مكي) أو (ميكان) أو (مكا) لفظ قصد به الإشارة إلى موضع الحرم الإلهي على الأرض, وليس اسما لإله, وهو ما يفسر لنا سبب عدم ورود اسم (إلمقة) عند الإخباريين المسلمين, بين ما ذكروه من معبودات الجزيرة قبل الإسلام”.
“إن لفظة (إلمقة) إنما تعني رب البيت أو على الأرجح (بيت الرب) على غرار (بعلبك) بيت البعل”.
ويستشهد بالمزيد من الأدلة فيقول:
“ومن المعروف أنه بعد انهيار سد مأرب نزحت قبائل اليمن نحو الشمال ومنها قبيلة خزاعة أكبر هذه القبائل التي استقرت في المنطقة التي أصبح التاريخ يعرفها باسم (مكة) في الحجاز. ومن الطبيعي أن تحمل هذه القبائل معها معتقداتها, ومعبوداتها, وطقوسها الدينية, وعلى رأس الجميع (رب البيت) وذكرى (بيت الله)”.
“وقد لاحظت الباحثة (ثريا منقوش) التشابه بين: ما اعتقدت أنه إله قمري لسبأ باسم (إلمقة) وبين (مكة) الحجازية, وربطت بين الاثنين في ضوء ما جاء عند ابن طيفور المصري, والقيرواني, أن بعض أهل اليمن ينطقون القاف كافاً… لتصل إلى أن اهل اليمن هم أصل التوحيد في الجزيرة العربية. وأتصور أنه بعدما أسلفت من جهد في التعامل مع الاسم (إلمقة) يمكن أن تكون ملاحظة الباحثة حول التشابه بين (إلمقة) و (مكة) قد تدعمت بشكل كاف”. (ص 118)
“وفي الروايات الإسلامية, أن منطقة الحجاز كانت صحراء حتى انفجر زمزم فكان أول من جاء واستقر بجوار البئر ركب من اليمن. إضافة إلى ما جاء عن (عمرو بن لحي الخزاعي) عند الإخباريين المسلمين باعتباره أول حاجب للبيت, وفي ذلك إشارة واضحة إلى بداية حجابة البيت مع الخزاعيين القادمين من الين, خاصة إذا علمان أن هذه الحجابة الأولى لا تبعد زمانيا عن تاريخ دمارسد مأرب وتشتت القبائل اليمنية بأكثر من نصف قرن مع رواية إخبارية أخرى, تحكي عن (تبع الثاني) أحد ملوك اليمن, الذي قدم البيت الإلهي الحجازي وطاف به وقام ينحر للناس ويطعمهم ثم كسا البيت بالبرود اليمنية وجعل له مفتاحا ذلك المفتاح الذي استلمه الخزاعيون وأصبح فيما بعد محل صراع وانتهى إلى يد (قصي بن كلاب) الذي ألف القبائل (وقرشهم تقريشا ومنها قريش) ضد خزاعة وأخرجهم من مكة الحجازية… وسواء حدثت قصة (تبع الثاني) أو لم تحدث فهي تعبير عن ترجيع الذاكرة لصدى أحداث نشأة البيت وظروفه وعلاقته بأهل اليمن. أما الباحثة منقوش فقد أكدت أن كثيرا من عبادات الحج للبيت الحجازي كانت على غرار التقاليد اليمنية القديمة في تأدية فروض العبادة والحج للإله (إلمقة)”. (ص 119)
“الملاحظ أن الروايات الإخبارية تكاد تُجمع على أن البيت الإلهي القديم قد تعرض لحدث تدميري بفعل السيول … وكلها إشارات ترجع الصدى لذكريات عن سيل العرم ودمار مأرب الذي أدى لانهيار السد وحدوث طوفانات المياه, وما تلى من هجرة القبائل اليمنية بعقائدها شمالاً. لكن ما يثير العجب, فإنه رغم اتفاق الرواة على الدمار بسيل أو طوفان, فهم يتفقون على أمر مخالف تماماً, يقول إن البيت الإلهي المكي, سمي العتيق لأنه أعتق من الغرق بالطوفان النوحي, وهو تضارب نجد له مثيلا آخر حول ما جاء عن الكعبة اليمانية من ذكريات, وأنه كان يقال عنها: “الكعبة اليمانية والشامية ويعنون بالشآمية البيت الحرام”, وهو النص الذي أدى إلى خُلف واضح بينهم في التفسير والتبرير. بينما الواضح لدينا أن القول يشير إلى ذكريات صادقة لبيت قدسه يمنيون, وقوم جاءوا من بوادي الشام, بيت بُني في اليمن, ثم بُني بعد ذلك في مكة بيت يجمع بين معبود يمني قح كان اسمه (الرحمن) ومعبود شمالي باسم (إل) أو (الله), وهو ما عالجته بعد ذلك الآيات القرآنية بقولها” (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) 110 الإسراء”. (ص 120 – 121)
“إما صفة (العتيق) إذا ما أخذناها بمعنى العتق من الغرق, فستتضارب مع إجماع الرواة على انهيار البيت بالسيل, لكن لن يكون هناك أي تضارب إذا ما أخذناها كإشارة للبيت القديم, فالعتيق تعني القديم, فهي صفة تلزم البيت دوما, مما يشير إلى أنها كانت تستخدم للتأكيد والتذكير بأمر بيت قديم أو عتيق, هو ذاك الذي زعمناه كان في اليمن السعيد, عندما كان سعيداً !!”. (ص 121)
..
حاول القمني إثبات أن السبئيين أصلهم من مصر القديمة فينقل عن الآثاري (فرتز هومل) “أن هناك إشارات لا مجال للخلاف حولها, تؤكد قدوم السبئيين إلى بلاد اليمن, نازحين من مكان ما في الشمال” ويحتمل أن يكون هذا القدوم من مصر لأن دولة سبأ تميزت بكثرة الملكات من النساء “وهو أمر إن كان غريبا تماما على الطبع البدوي, فإنه لم يكن غريبا على طبيعة المصريين”. (ص 113)
وبحث في أصل كلمة (خزاعة) فتوصل إلى أن اللسانيين لم يجدوا لاسمها أصلا واضحا “فوضعوا تخريجا غريبا هو أنها سميت كذلك لتخزعها أي تأخرها وانقطاعها, والواضح أنه تخريج متكلف, فهل سميت خزاعة بالاسم خزاعة قبل اقطاعها ؟”. (ص 119)
لذلك لجأ إلى اللغة المصرية القديمة ليستنتج أن خزاعة هي (خوساعا) وتعني بالمصرية: حراس الابن الكبير (بمعنى ابن الإله أو الملك) أي الحرس الملكي, وتعني: حراس الكرسي الكبير, أي حراس العرش. (ص 120)
الخلاصة أن القمني يتفق مع ثريا منقوش في كون التوحيد يمان, لكنه ينسب هذا التوحيد في الأخير إلى مصر القديمة عندما يقول بأن السبئيين قدموا من هناك. هذا وفي الكتاب المزيد من الأدلة التي تؤيد وجهة نظر الكاتب.
_______________________________.
المصدر: سيد محمود القمني. النبي إبراهيم والتاريخ المجهول. مدبولي الصغير. فصل بعنوان: (مكة اليمنية). صفحات: 113 – 121
_______________________________





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق