«العمال لا يملكون وطناً، ولا يمكن سلبهم شيئًا لا يملكونه. على البروليتاريااكتساب السيادة السياسة لترتقي وتصبح الطبقة القائدة للأمة، لتكون هي الأمة. هم حالياً يشكلون قومية بحد ذاتها، ولكن ليس بالمعنى البرجوازي للكلمة» – بيان الحزب الشيوعي
الماركسية تقليد أممي الجوهر، وفكرته الأساسية أنَّ جميع العمال يتعرضون للاستغلال على يد نخبة منرجال الأعمال المعولمين بشكل متزايد، والوطنية في هذه الحالة، تعني مؤازرة ”المستبدين“. وفقًا لفلاديمير لينين، الثورة الاشتراكية ليست موجهة ضد ”عبيد الأجور“ في دول أخرى، بل هي ”نضال بلا رحمة ضد وطنية وشوفينية البرجوازيين في كل البلدان دون استثناء“.[73] بالرغم من ذلك، أظهر كارل ماركستأييده لحركات التحرر القومية في زمنه وبالذات تلك في بولندا وهنغاريا ضد الإمبراطورية الروسية، وأعرب عن امتعاضه من تدخلات إمبراطورية هاسبورغ في شؤون ألمانيا وإيطاليا وعرقلتها لجهود الوحدة القومية في البلدين.[74]
تأييد الفيلسوف الألماني للحركات القومية البرجوازية كان براغماتياً في أحسن الأحوال. بحسب المادية التاريخية، تطورت المجتمعات البشرية من الشيوعية الأولية - يقصدونمجتمع الصياد وجامع الثمار - إلى القبلية، ومنها إلى الحضارات القديمة مروراً بالإقطاع، وانتهاءً بالرأسمالية. تَطَلَبَ تعزيز هذا التحول شكلاً جديداً للتنظيم السياسي، لا يتمحور حول الولاء الشخصي لعائلة مالكة، ويستند على لغة وأرضٍ مشتركة، وتصورٍ لتاريخ ومصير جماعي، أي دولة قومية. كان المجتمع البرجوازي تقدماً تاريخياً على الإقطاع، وطورت الرأسمالية إمكانيات الإنتاج بوسائل لم تكن مستطاعة من قبل، ولأول مرة في التاريخ البشري، أوجدت طبقة عمالية جماعية، هي عماد النظام الديمقراطي في الأدبيات الماركسية.
كل انتصار رأسمالي على الإقطاع يدفع البشرية خطوةً نحو الحرية من القهر السياسي، لتعاظم جماهيرية وتركيز الطبقة العمالية بنهضة البرجوازيين على حساب الأرستقراطيين، وهذا الإزدهار هو ما يخلق الشروط الضرورية واللازمة للثورة الاشتراكية كطور متقدم على الرأسمالية.[74] إذا أرادت حركة عمالية بلد ما تنظيم نفسها، عليها إتخاذ صبغة قومية في البداية وتوجيه طاقتها نحو ساحة الصراع المباشرة ضدًا على عدو مشترك لأكمل الأمة، مستعمرًا أجنبيًا كان أو حاكمًا إقطاعيًا، وإثر التخلص من الخصم المشترك، يَسهل تعريف البرجوازيين كغريم طبقي. لأن المجتمع البرجوازي أوجد نظامًا طبقيًا جديدًا وشروطًا حديثة للاستبداد وإن كان قد تشكل على حطام الإقطاع، وستؤدي هذه التناقضات الجديدة إلى انهياره وإعادة بنائه على أسس اشتراكية، وفق النظرية الماركسية.
حاول الماركسيون التوفيق بين موفقين، واحد يؤكد أنَّ الوطنية أداة برجوازية لإشغال البروليتاريا عن صراع الطبقات الاجتماعية، وآخر يفترض احتكار الطبقة العاملة تمثيل الأصالة القومية. بحسب ماركس وفريدريك إنجلز، إتساق وسائل الإنتاج بفضل الرأسمالية، سيمحي التباينات القومية بين الأمم، فشددا على لزوم تطور حركات النضال القومية بتحويل نشاطها أمميًا بذات جهود عولمة التجارة الحرة عند البرجوازيين، ليتسنى تنظيم الأنشطة العمالية وتمثيلها على المستوى الدولي. ففي الوقت الذي يحتفظ فيه البرجوازيين من كل أمة بمصالح قومية منفصلة، استحدثت الصناعات الكبيرة طبقة تتشارك المصالح باختلاف أممها، ولذلك استنتج ماركس حتمية موت الجنسية وذبول الدولة بنهاية المطاف.[75] وبرغم هذا التحول، يشكل البرجوازيين حاضنة أساسية للعدوات القومية وذلك لعدة أسباب في نظر ماركس:
النضال للسيطرة على الأسواق يخلق عداوات بين الدول الرأسمالية.
استغلال دولة ما لأخرى يخلق العداء القومي.
الشوفينية أحد الأدوات الآيديولوجية الهادفة لاستمرار الهيمنة على البروليتاريا.
يُعتبر ماركس واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ البشرية،[76] وكان محقًا عندما جادل بأن من شأن توحيد وسائل الإنتاج خلق علاقة ترابطية بين الأمم، لكنه مال إلى اختزال التباينات القومية إلى محض اختلاف في وسائل الإنتاج. وضع بيان حزب الشيوعي أصول أممية البروليتاريا، مثل تحديد الإنسانية البروليتارية كغاية، وضرورة السعي لتحقيق الشيوعية على صعيدٍ دولي نظراً لتطور قوى الانتاج بصورةٍ تتجاوز إطار الدولة القومية. لكنه ومع ذلك لم يصغ استراتيجية واضحة لمسألة القومية، وقَدَّمَ فريدريك إنجلز، فلاديمير لينين، جوزيف ستالين، روزا لوكسمبورغ، ليون تروتسكي، أنطوني بانيكوك وكارل رينر وغيرهم إجابات مختلفة لهذا السؤال.[77]
كتب فلاديمير لينين أنهم يعترفون بمساواتية الدول القومية، ولكن يتوجب على البروليتاريا أن تضع حلفها الأممي مع العمال فوق كل الاعتبارات، وتقييم أي مطالب قومية من زاوية نضال الطبقة العمالية. حَذَّر البروليتاريا من مغبة وقوعها في شباك الشعارات الوطنية، لأن خطب البرجوازيين الحماسية تهدف إلى تفريقهم وإبعاد أنظارهم عن دسائس دخولهم في تحالفات سياسية مع برجوازيين من بلدان أخرى. ومن ثم فإنَّ العامل الذي يعطي أولوية للوحدة السياسية مع برجوازيي قومه على حساب عمال الأمم الأخرى، يؤذي مصالحه في الاشتراكية والديمقراطية.[74] جادلَ النمساوي أوتو باور بحتمية المشاعر القومية بين العمال، قائلاً بأن فرد العصر الحديث هو ثمرة خصائص الأمة، وحري بالاشتراكيين الترحيب بهذه المزيات كحاصل عواملٍ تاريخية واجتماعية عوضًا عن انكارها، وحث على تعليم العمال أنه وبالاشتراكية وحدها، من شأن ثقافتهم القومية بلوغَ نموها الكامل.
اُنتقدت طروحات باور من جوزيف ستالين وفلاديمير لينين، ووصفها الأخير بالمتناقضة والمحاولة الخطرة لمحاربة القومية بالقومية. يضيف بأن لكل بلدٍ عدة ثقافات، فـ”الجماهير المظلومة“ اشتراكية، وهناك ثقافة البرجوازيين، وثقافة الإقطاعيين ورجال الدين، تَغلبُ واحدة من هذه الثقافات على المجتمع ولا تتعايش بتناغم. وفقًا للينين، فإن من شأن تحويل نضال الأمم للاستقلال من صراعٍ سياسي إلى ثقافي، تخدير عقول العمال ودفعهم إلى الاستسلام لقومية عدوانية تزيدُ وتفاقم من عزلة وتخلف الثقافات والأمم الصغيرة. بشكل مماثل، كتب جوزيف ستالين في مقالة الماركسية والسؤال القومي أنَّ الاستقلال الثقافي يعزل الأمم الصغيرة ويبقيها في قوقعة تديم تخلفها، ويستحسن توحيدها تحت مظلة ثقافة أعلى. هذه الثقافة العالية ليست ثقافة قومية بل أممية اشتراكية يُمَهَّدُ لها الطريق بسبب عولمة الرأسمالية.[74][78]





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق