الطبقات في المجتمعات الحديثة هي تشكيلاتٌ مصلحية تُحَدَّدُ بمواقعها في العملية الإنتاجية، وتوفر لأفرادها شعورًا بالعضوية الاجتماعية بدرجات مختلفة. قد لا تقدم ضماناتٍ حقيقية بعدم نشوء طبقة تعيش على امتيازات متوارثة جيلاً بعد آخر، لكنها لا تعتمد على هذه الامتيازات بحد ذاتها، إذ تتحدد مكانة الفرد في السلم الاجتماعي بناءً على الثروة والدخل، الأمر الذي يفتح الأبواب أمام الحراك الاجتماعيمبدئيًا.
تقول حنة آرندت في كتابها أصول الشمولية أنَّالأخيرة لم تكن ممكنة سوى في المجتمعات التي مُسِخَت فيها الطبقات إلى جماهير، حيث تتحول السياسة الحزبية إلى مظاهرات آيديولوجية وتنحدر بمسؤوليات المواطنين إلى اللامبالاة على نطاقٍ واسع.
مناقضًا آمال ماركس بـ“ذبول الدولة”، جادل لينين بضرورة وجود منظمة خاصة للعنف، وهي دولة تنظم قمع البروليتاريا للبرجوازيين، لعدم تحديد ماركس للجهة المسؤولة عن إعادة توزيع الأراضي ووسائل الإنتاج. ويستطيع أي طاغية منح نفسه سُلطاتٍ قسرية بغياب نشاط اقتصادي تطوعي.[79] لم تُنتج الماركسية مجتمعاً خاويًا من الطبقات الاجتماعية بقدر ما اِستَحدَثت طبقة جديدة تمتعت بامتيازات تجاوزت تلك المزعومة على بيروقراطيي ومسؤولي الدول الرأسمالية. في الواقع، لم تقبض الطبقة العاملة على أي سلطة في جميع الدول الماركسية السابقة والحالية، بينما ازدهرت الاتحادات العمالية في الديمقراطيات الليبرالية إلى عصر المعلومات،[80] حيث تمكنت هذه المنظمات من تحسين ظروف العمل وعوائده على العمال والموظفين عبر المفاوضة المشتركة.
تغيَّر تعريف البرجوازية الذي أشار إلى السيطرة على وسائل الانتاج، ومرََّ بعملياتدمقرطة عَبْر آليات ووسائل مختلفة، فأولئك العاملينَ في مهنٍ إدارية ممن لا يملكونَ رؤوسَ أموالٍ كبيرة، يحملون تصورات مختلفة عن العمالة ذات المهارات المتدنية، ويتبؤونَ منزلة اجتماعية أعلى. ولا يتسنى لعامل فقير وبخلفية تعليمية متواضعة، أن يصبح فاعلًا سياسيًّا بسبب انشغاله بتأمين متطلبات نجاته اليومية، وذلك خلافًا لفرد من الطبقة المتوسطة والذي قد يواجه صعوبات في العثور على عمل أو إبقائه. يمثل هذا البرجوازي التحدي السياسي الأكبر عندما يجد نفسه مزاولًا لأشغال يراها تَحُطُّ من قدره، فالطبقة المتوسطة هي الأكثر ميلاً للإيمانِ بالحقوق الملكية والمطالبة بالمسائلةالديمقراطية.[81]
أجاب التاريخ على تفاصيلِ طروحات المثقفين اليساريين حول القومية، فلم تؤدي الرأسمالية إلى طبقة عمالية أممية بل إلى نمو متزايد للطبقة المتوسطة، ولذلك لم تعداليسارية الراديكالية ذات صلة منذ السبعينات تقريبًا. وتُستخدم الشعارات الوطنية في الأنظمة الشيوعية لإضفاء شرعية على النظام، كحالة كوريا الشمالية التي خرجت بعقيدة اسمها زوتشية، وهي ماركسية لينينية بـ”خصائص كورية“. يُعَرِّفُ الدستور الصينيمجتمع البلاد بالمتعدد إثنياً على الرغم من غلبة الهان بشكل حاسم، وتفرض الحكومة سياسات ترمي إلى الحفاظ على تآلف التعددية الثقافية. غير أنَّ القومية الصينية المُستَندة على إرث ثقافي يقارب الخمسة آلاف سنة، وتاريخ حروب الأفيون والتشنج مع اليابان منذ القرن التاسع عشر، عناوين ظاهرة في الخطاب السياسي. وفقًا لليو كانغ، أستاذ الدراسات الصينية بجامعة دوك، النظام الشيوعي الحالي حَصيلة القومية الصينية أكثر منه التزامًا آيديولوجيًا بالشيوعية.[82]
بالنسبة للشرق الأوسط، فلم تشهد معظم مجتمعات المنطقة حالة تحول من الاقطاع إلى البرجوازية أصلًا.[83] أغلبها محكوم بسلطات قبلية أو عسكرية بوسائل إنتاج متخلفة، وإقطاعية غالبة على الأرياف، وبدون إنتاج صناعي معتبر لتشكل البروليتاريا قطاعًا عريضًا من السكان.[84] بمعنى أنَّ هذه المجتمعات لم تصل إلى مرحلة الرأسمالية أساسًا، ولم تعرف إشكالاتها المجتمعية لتتوفر مبررات الانتماء للماركسية. لتكون المسألة أكثر وضوحًا، اعتبر الماركسيون الرأسمالية شرطًا مسبقًا لثورتهم الإشتراكية، لإيمانهم أنها نمط الإنتاج الوحيد الذي يسمح بتشكل طبقة عاملة، ويتيح نموها وتنظيمها بوعي طبقي.[85] وفقًا لعبد الله العروي، لم يتجاوز اهتمام العالم الثالث بماركس عتبة التحذلقوالتظاهر بالمعرفة، إذ نادرًا ما يتحدثون عن الإنتاجية لأنَّ دوافع انتمائهم ليست اقتصادية أو أخلاقية حتى، وكانوا ليتجاهلون الماركسية لولا سهولة تطويعها للإجابة على تساؤلات ناتجة عن منظور ”قومي“ أو ”ثقافي“.[86]
تساهم إشارات ماركس وإنجلز العابرة حول الشرق الأوسط في إظهار التباعد بين منطلقاتهم والمحسوبين على اليسار في المنطقة. مثلًا، في حين انتقد فريدريك إنجلز قسوة جنود توماس بيجو، نظر إلى الاحتلال الفرنسي للجزائر واستسلام الأمير عبد القادر الجزائري باعتباره ”واقعة مهمة وسعيدة لتقدم الحضارة“، لأنَّ المجتمع البرجوازي بتحضره وصناعته ونظامه يظل أفضل من ”حالة البربرية التي يعيشونها“، على حد تعبيره.[87] بعيدًا عن لغتة المسيئة، ارتبط موقفه بما يسميه الماركسيون بنمط الإنتاج الآسيوي الذي لا يتيح إحداث تحولاتٍ اجتماعية ونقلات سياسية كبيرة.[88] وصفوابالأغبياء النافعين، إذ أفقدتهم هذه الجذور المشكوكة الاستقلالية والمقدرة على تحديد أولويات مجتمعاتهم وتحدياتها الفريدة، وتحولوا بصورة تدريجية إلى قوى هامشية وعاجزة عن توفير أكثر من مساهمات اعتذارية لتصورات قوى غير يسارية أصلًا، الإسلام السياسي خصوصًا، وحبل إنقاذ لأي أنظمة وجماعات باحثة عن ”خصوصيات ثقافية“ لتبرير تسلطها، أو ترفع شعارات ”مناهضة الإمبريالية“ للتمويه على إفلاسها الفكري والسياسي والأخلاقي.[89]
الرأسمالية ليست يوتوبيا، ولكنها منتجة ومتجددة باستمرار.[90] أثبتت قدرتها على تحسين المستوى المعيشي لبلايين البشر منذ القرن الثامن عشر، ومعدلات النمو في الصين والهند أحدث المؤشرات على حيوية النظام.[91] ظهور البلاغيات المعادية لها من فترة لأخرى مدين للمالية العالية وخصخصة أرباح وتعميم خسائر البنوك الإستثمارية. يقترح برنارد ليفي على ناقدي اقتصاد السوق جملة وتفصيلاً، زيارة مناطق العالم التي لم تعرف مبادئه وقوانينه حتى يتسنى لهم مشاهدة حجم التعاسة والبؤس التي تعيشها المجتمعات ما قبل الرأسمالية.[92] وفقًا لجورج لوكاس، يستحيل على المجتمعات ما قبل الرأسمالية بلورةمصالح طبقية، وذلك لانقسامها على إقطاعيات فئوية وارتباط عناصرها الاقتصادية بعواملها الدينية والسياسية بصورة وثيقة. فهذه المجتمعات أضعف تماسكًا، وحداتها المكونة مكتفية ذاتيًا وأقل ترابطًا لتخلف البنية الاقتصادية، ارتكاز الدولة ليس راسخًا في حياتها ونشاطها الاقتصادي طفيلي.[93]
هذه ليست مجتمعات رأسمالية لأن الدولة هي اللاعب الاقتصادي الرئيس لسببين في معظم الحالات: إعادة التوزيع بما يحافظ على قبضة النظام السلطوي، فهي طفيلية بسبب استغلال أجهزتها لتمكين أقلية صغيرة من العوائل متعددة القطاعات من استنزاف الموارد دون إنتاج شيء في الواقع أو المساهمة في عملية التنمية. السبب الثاني أنه وخلافًا للدول الرأسمالية حيث يستخدم الأثرياء ثرواتهم لتأييد قضايا ومشاريع معينة أو ربما دعم أنفسهم في سباقات الترشح، المنصب الحكومي والعمل السياسي هو المدخل الرئيسي لإثراء الذات والدائرة المحيطة في المجتمعات الأقل نماءًا.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق