الفلسفة الليبرالية : ”الحرية تقود الشعب“

. . ليست هناك تعليقات:



الدانة الثقافية 

«لتكون الدولة الليبرالية آمنة، يجب على المواطنين أن يفهموا المصلحة القومية كشئ آخر عن مصلحة الدولة. لأن الأولى وحدها من تستدعي روح التضحية التي تعتمد عليها الثانية» – روجر سكروتن

كانت الليبرالية حليفًا تاريخيًا للقومية، إذ كانت الأخيرة شرطاً لازماً لظهور القيم الليبرالية الكلاسيكية،[57] واقترن كلا المفهومين بالبرجوازية، أي الطبقة المتوسطة داخل المدن، حيث اكتسبت الوحدة القومية شعبية كبيرة بينهم. شددت القومية الرومانسية على صلة روحية بالبلاد وأبنائها، وتعلقت بالليبرالية بسبب مبدأ سيادة الشعب كمصدر شرعية للدولة بدلاً من سلالة ملكية، دين أو هيمنةإمبريالية. ولم يكن لحركات التحرر من الأعداء الخارجيين والداخليين أن تظهر، ولما تمكنت الجماهير من تجاوز انقساماتها وتأسيس مجتمع بدون القومية.[58]

كَتبَ ألكسيس دو توكفيل عن الانتماء القومي كشرط أساسي لنجاح الديمقراطية، بما أنه أحد مصادر التضامن الاجتماعي.[59] مفهوم ما عن الهوية القومية ضروري لسلامة العملية الديمقراطية. ترتكز الديمقراطية على هويةٍ متماسكة تستند عليها الأمة، ولا وجود لديمقراطية بدونها؛ لأنَّ الديمقراطية وحدها لا تُقدم قراءة تاريخية أو رؤية مستقبلية تحافظ على التماسك المجتمعي. فالأمم التي لا تُقدم تعريفًا أساسيًا لأولئك المستفيدين من ثمار المواطنة في كيانها السياسي، وتفشل في توفير بدائل للعلاقات الإقطاعية، هي الأقل احتمالًا لتأسيس ديمقراطية.[60][61]

بناء الأمة يسبق بناء الدولة، وفقاً لفرانسيس فوكوياما، وهي عملية تختلف عن بناء الدولة في كونها توجد أشياءً غير ملموسة مثل التقاليد والرموز القومية، والمرجعية الثقافية المشتركة، أي تخليق هوية مشتركة تنتصر على روابط العائلة، القبيلة، والمنطقة وفي حالات محددة، المجموعة الإثنية إذا كان المجتمع متنوع إثنيًا بصورة تجعل من القومية الإثنية التقليدية عاملًا إشكاليًا. يمكن للدول أن تبني أممًا عبر سياسيات معينة إزاء اللغة، والدين، والتعليم، مثل جمهورية إندونيسيا، المكونة من ثلاثمائة مجموعة إثنية، والتي حققت نجاحات أكبر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بدول لم تعكف على البناء كنيجيريا مثلًا.

هناك عدة طرق لبناء الأمة، وأظهرت التجربة أنَّ تشكيل هوية قومية قوية يتحقق بصورة فعّآلة في ظل ظروف سلطوية، نجاح هذه الوسيلة يتطلب شمائلَ مُعيَّنة في النخبة السياسية، فالنخب التي تعكس قيم شعوبها المعتلة لن تحقق تقدماً يُذكر مالم تكن على قدر من الإدراك لمكامن الإعتلال. مثلًا، لم يُشكل زعماء القبائل قوةً مشتركة للمقاومة طيلة فترة الاستعمار البريطاني لنيجيريا لأنَّ ما من هوية قومية تجمعهم. وعندما مُنحوا الاستقلال، تشكلت أحزابهم على أساس قبلي ومناطقي، بطبقة سياسية مرتابة من بعضها أكثر من أي إرتياب ساورها تجاه المستعمر.[62]

يقول صامويل هنتغتون بأنَّ مجتمعات الدول الأعضاء بالجامعة العربية تنقصها الثقة المجتمعية، وتتسم ثقافتها السياسية بالشك والغيرة، والعدائية المستترة أو السافرة حيال أي شخص ليس من أفراد الأسرة الممتدة، القبيلة أو القرية وتُغرس هذه القيم في الأطفال منذ وقت مبكر. لكي تنجح هذه النخبة، عليها تقديم بدائل للعادات التقليدية السائدة وإظهار ثباتٍ وصبر حتى تفعيل هذه التغييرات.[63] قد لا تكون السلطوية المستنيرة شرطًا لازمًا، فما من وصفة جاهزة للانتقال الديمقراطي، ولا توجد ضمانات أن يكون الحاكم السلطوي مثللي كوان يو.[64] الفكرة الأساسية هي أنَّ المجتمعات ذات الهوية القومية الضعيفة تفشل في بناء الدولة، وهو الذي سيلقي بأثره السلبي على العملية الديمقراطية.[65] يعتمد تغيير التقاليد على تقييم ضررها الكلي على المجتمع، بعضها قد يتطلب توظيفًا حتميًا للعنف، وأغليها يتبدل تدريجيًا عبر تطور الأنماط الاقتصادية، وجس النخب لنبض العوام عير وسائط متعددة لإثارة النقاشات المجتمعية.

هناك نوعان من الوطنية عند ألكسيس دو توكفيل، واحدة تنشأ من شعور غريزي فاتر وغير قابل للتعريف يربط الإنسان عاطفيًا بمسقط رأسه. تُحفَّز هذه الوطنية بالتعصب الديني إن لم تكن هي بحد ذاتها دينًا، لعدم منطقيتها وتصرفها بدافع الإيمان. يُنظر إلى الملك باعتباره تجسيدًا للبلد، وتتحول عاطفة الوطنية إلى حماسة ولاء في أحسن الحالات. يغتر الرعية بانتصارات مليكهم، ويفتخرون بسلطته عليهم ويعدونها مجدهم. هكذا كان الفرنسيون، يعتقدون أنهم أحرار علمًا أنهم لا يملكون السلطة الاعتباطية لملوكهم، ويشعرون بنوع من الغبطة وهم يرددون: ”نحن نعيش تحت ظل الملك الأقوى في العالم“. قدرة هذا النوع من الوطنية على تحفيز الجهود عابرة وغير مستمرة، قد يستطيعون إنقاذ البلاد في ظروفٍ حرجة ولكنهم يسمحون لها بالانحطاط في معظم الأوقات. ولأنَّ آداب أناسها بسيطة ومجتمعها قائم على مؤسساتٍ تقليدية، لا تحتمل هذه الوطنية الاستمرار والديمومة.[66]


”الحرية تقود الشعب“


النوع الثاني هو الوطنية الجمهورية، هذه أقل سخاءً وربما حماسًا، ولكنها أكثر عقلانية، وأوفر إنتاجًا، وأرسخ جذورا. تنبع هذه الوطنية من المعرفة والتنوير، وتتطور بمساعدة القوانين، وتنمو بممارسة الحقوق المدنية لتشابكها مع مصالح المواطنين. يفهم المواطن تأثير رفاه بلاده على مصلحته الشخصية، ويدرك إجازة القوانين له بالمساهمة في صناعة هذا الرفاه، فيجاهد لتعزيزه لأنه مستفيد في البداية، ثم يتطور مجهوده ليصبح جزءًا من روتينه اليومي.

بمشاركة الأفراد في حوكمة مجتمعاتهم على المستويات المحلية والمناطقية والقومية، يزداد إدراكهم بتأثير الازدهار الذي يصنعونه على سعادتهم الشخصية، ومن ثم يعملون لصالح رخاء مجتمعاتهم بدافع حب الاقتناء، وليس الشعور بالواجب وحده.[66] عندما يقول دو توكفيل أن الوطنية الجمهورية أقل حماسًا، هو لا يقصد عدم إتقادها بالضرورة؛ لأنها أكثر إقدامًا من سواها، المقصود أنها قائمة على ادعاء تقدمٍ إنساني أرقى.[67] لأن نشاط المواطنين في حوكمة مجتمعاتهم ينسب إليهم النتائج، وبذلك يدركون الصلة بين مصالحهم الشخصية والازدهار المشترك.[68]

تمر بحياة الأمم فترات تتغير فيها العادات القديمة، وتهتز القناعات الدينية، وتتذبذب الأخلاقيات العامة، وتُكسر لعنة التقاليد في وقتٍ يكون اِنتشار المعرفة فيه منقوصًا، وقدر كبير من التشويه يشوب استيعاب الناس لقيم التنوير، فتُضمن الحقوق المدنية بشكلٍ زائف أو محدود. تتخذ البلاد شكلًا بليدًا وملتبسًا في هذه الحالة، ويتراجع المواطنون إلى أنانياتٍ ضيقة وغير مستنيرة؛ لأنهم تحرروا من الضيم السابق بدون التسليم بسيطرة المنطق على حياتهم. توقف هؤلاء منتصف الطريق في خضم ارتباكهم وتعاستهم، فخسروا الوطنية الملكية القائمة على استمرارية التقاليد، ولم يمتلكوا الوطنية الجمهورية القائمة على التفكير والمشاركة في صناعة الصالح العام وصيانته. العودة إلى الوراء مستحيلة، يقول دو توكفيل، والمضي قدمًا بتوثيق المصالح الشخصية بالعامة هو الحل الوحيد أمامهم؛ لأن حقبة الوطنية الملكية ولت إلى الأبد بالنسبة لهم، ولا يمكن للرجل العودة إلى براءة طفولته.[69]

قد تشجع الوطنية سياسات اقتصادية بمردود جيد على المدى القريب مثل التصنيع لاستبدال الواردات، ولكن نجاحها يتطلب شيءًا من التخطيط الحكومي الحذر. فالهدف الأساسي من وراء سياسة حمائية كهذه هي مواجهة صعوبات في ميزان المدفوعات، ونجاحها يتطلب حجمًا معينًا للسوق المستهدفة، وخبرة في التصنيع ومساحة من الحريات تسمح بتطور ريادة الأعمال. حماية الصناعات والشركات المحلية الوليدة يسمح لها بالاستفادة من وفورات الحجم وتطوير أفضلية مقارنة، فالشركات القومية قد تتطور وتتوسع عندما تكون محمية من منافسة شركات أجنبية أكثر نضجًا وخبرة في مجال معين.

قد تكون السياسات الحمائية مضرة، خصوصًا ما كانت تعسفية تجاه الرأسماليين الأجانبوالشركات متعددة الجنسيات التي تجلب خبرات وتقنيات جديدة وضرورية، توفر فرص عمل للسكان، تشتري تجهيزاتها من موردين محليين وتدفع الضرائب، أي أنها تولد منافع للاقتصاد القومي عبر الآثار الجانبية لاستثماراتها. وقد تخلق الحمائية ظروفًا للفساد السياسي بالإبقاء على صناعات مكلفة وغير فعالة لمجرد أنها محلية، وهو ما قد يساهم في تثبيط حوافز رفع الكفاءة التكنولوجية والإنتاجية بدرجة معتبرة.[70] تعتمد التأثيرات الإيجابية للاستثمار الأجنبي على مدى جودة بيئة العمل، وهي متصلة مباشرة بفعالية جهاز الدولة، مثل: التضخم المنخفض، والتجارة المفتوحة، والبنية التحتية الجيدة، والعمالة الماهرة، والتمويل الميسر، وحقوق ملكية آمنة، وحكومة تتعامل مع جميع المستثمرين، محليين وأجانب، بشكل عادل.[71]

ولكن الاستثمار الخارجي المباشر ليس حلًا سحريًا خصوصًا إذا كان ترکیز الحكومة علی تشجیع الاستثمار في قطاع ما قبل صياغة استراتيجية للتنمية. تحتاج الدول النامية إلى شكل من الحمائية المدروسة خلال مرحلة ما من تاريخها من أجل تأسيس نمط داخلي مولد للرفاه؛ لأنَّ الفكرة ليست مجرد بناء اقتصاد مرن وباستطاعته استغلال الفرص المتولدة في العالم من حوله، بل بقدرة هذا الاقتصاد على توليد فُرَصِهِ الخاصة كذلك. بصورة عامة، تستبدل عمليات التصنيع وازدياد فرص العمل الانقسامات الفئوية بنظام طبقي، ومن ثم تتقلص مستويات التفاوت نتيجة الحراك الاجتماعي الذي يتعزز بفضل الإعلام، وتحديث وسائل المواصلات المعينة على التمدد الحضري، وبناء المدارس العامة المعنية بتخريج مواطنين، وغرس أخلاقيات ومهارات تؤهلهم الانخراط في سوق العمل. هذه عوامل مساعدة على تعزيز الهوية القومية، وحفظ التماسك المجتمعي باستبدال العالم القروي الثابت والمحدود، بعالم المدينة الكبير والمتنوع.[72]

مواضيع ذات صلة 

روابط خارجية


------------------------
المراجع 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة