لا يخفي رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة خشيته من أن يؤدي أي تجاوز أو انتهاك من عون أو مسؤول إلى انفجار شعبي في ظل وجود تراكمات سابقة ستلعب دورها في هذه الحالة، وهو ما يفسر التحرك السريع للخصاونة في احتواء موجة الانتقادات التي تفجرت جراء إقدام عون بلدي على تهشيم عربة بائع خضار متجول.
عمان - أثار مقطع فيديو لموظفين في أمانة عمان وهم يقومون عبر جرافة بتحطيم عربة خضار لبائع جوال في السوق المركزية بالعاصمة موجة غضب في الشارع الأردني المتحفز بطبعه للتحرك ضد أي خطوة أو تجاوز قد يفهم منهما استفزاز له.
وتناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي الفيديو على نطاق واسع، وسط ردود فعل وتعليقات غاضبة ومستنكرة لما أقدم عليه موظفو أمانة عمان الذين لم يكتفوا بتهشيم العربة بل سخروا أيضا من صاحبها، حينما أمر أحدهم صاحب الجرافة بوضعها ناحية القبلة قبل البدء في تحطيمها.
وفي محاولة لاحتواء ردود الفعل الغاضبة سارع رئيس الوزراء بشر الخصاونة إلى التنديد بما حصل للبائع المتجول، خلال زيارة إلى مقر أمانة عمان، قائلا إن “بعض المظاهر في إزالة المخالفات غير مقبولة ويجب حلّها في إطار القانون ومنظومة قيمنا الأصيلة”.
واستبق إطلالةَ الخصاونة قرارٌ من رئيس لجنة أمانة عمان الكبرى، يوسف الشواربة، بإعفاء مدير سوق الخضار المركزي من منصبه، حيث وقعت الحادثة، وتكليف المدير التنفيذي للأسواق بإدارة السوق.
وما حصل أعاد إلى الأذهان ما تعرض له الشاب التونسي محمد البوعزيزي من احتجاز لبضاعته وتعرضه لإهانة على أيدي موظفي بلدية انتهت بانتحاره حرقا ما فجر انتفاضة شعبية أطاحت بالرئيس الراحل زين العابدين بن علي عام 2011.
ويعمل اليوم الآلاف من الأردنيين كبائعين متجولين وأصحاب بسطات داخل الأسواق أو على الأرصفة لتأمين قوتهم اليومي، بسبب تراجع فرص العمل نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تشهدها المملكة والتي فاقمتها جائحة فايروس كورونا.
وكثيرا ما يتعرض هؤلاء إلى مضايقات من قبل السلطات. وسبق أن أثارت حادثة انتحار شاب يبلغ من العمر 27 سنة في محافظة إربد شمال غرب المملكة، على خلفية مصادرة البلدية بضاعته، موجة احتجاجات العام الماضي.
ويخشى الخصاونة اليوم من أن تؤدي التجاوزات المستمرة من قبل موظفي الأمانة إلى إشعال فتيل احتجاجات سيصعب هذه المرة على الحكومة احتواؤها لاسيما مع تزايد حالة الغليان الشعبي وانعدام الثقة في المسؤولين وانسداد الأفق.
أحمد السراحنة: يكفينا زيارات استعراضية، لأنها لن تخدم المواطن
ويرى مراقبون أن مسارعة الخصاونة إلى مقر أمانة عمان وتوجيه رسالة رفض لأسلوب تعاطي الموظفين، تعكس في واقع الأمر حالة من القلق من انتفاض الطبقة الفقيرة والهشة الآخذة في الاتساع مقابل تآكل الطبقة الوسطى في الأردن.
وكان الخصاونة كثف في الآونة الأخيرة من إطلالاته وزياراته الميدانية في محاولة للإيحاء بأن الحكومة تعمل بجد من أجل تغيير الوضع الراهن وتحسين ظروف المواطنين، بيد أن هذه التحركات لا يبدو أن الشارع يبالي بها، في ظل قناعة لدى شريحة واسعة بأن هذه التحركات ليست سوى ذر رماد على العيون.
وينسحب هذا الموقف على موقف العديد من النواب، حيث انتقد رئيس لجنة الصحة النيابية أحمد السراحنة مؤخرا تحركات الخصاونة التي وصفها بـ“الاستعراضية”.
وقال السراحنة إن الزيارات الحكومية الميدانية مطلوبة وبتوجيه من العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني حتى يطلع المسؤول على الواقع الذي يعيشه المواطنون ويتلمس همومهم، لكن “يكفينا زيارات استعراضية، لأنها لن تخدم المواطن ولا الحكومة، ونأمل أن تعود هذه الزيارات بالفائدة على المحافظات”.
وطالب السراحنة نواب المحافظات بمتابعة الزيارات الحكومية لمحافظاتهم ومساءلتها عن نتائج هذه الزيارات والأثر الذي سيلمسه المواطن منها.
ويرى مراقبون أن الحكومة الحالية لا تملك مفاتيح أي من الحلول للأزمة التي يتخبط فيها الأردن، وأن أقصى ما يمكن أن تقدمه هو تحسين سياستها الاتصالية مع المواطن وهو ما تعمل عليه حاليا.
ويشير المراقبون إلى أن هذا الأمر غير كاف لاستيعاب حالة الغليان في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة التي شهدت أرقاما قياسية تجاوزت الست والعشرين في المئة.
ويقول المراقبون إن الأردن في حاجة إلى تغيير جذري يعيد ثقة المواطن بالمؤسسات، وأن الرهان الحالي على ورشة الإصلاح علها تعيد تصويب الحياة السياسية والتشريعية بما يعيد جزءا من ثقة المواطن في دولته.
وأعلن العاهل الأردني في يونيو الماضي عن تشكيل لجنة تتولى تحديث المنظومة السياسية، برئاسة رئيس الوزراء الأسبق سمير زيد الرفاعي وعضوية 92 شخصية من مختلف المشارب الفكرية والسياسية.
ويهدف عمل اللجنة، حسب ما هو معلن، إلى وضع إطار تشريعي يؤسس لحياة سياسية نشطة تهيئ المجال لبرلمان قائم على البرامج وليس برلمانا “صوريّا” هدفه تزكية خطوات السلطة التنفيذية وتمهيد الطريق لحكومات برلمانية.
ورغم مرور قرابة الشهر على انطلاق عملها بيد أن هذه اللجنة لا تزال في مرحلة الاستكشاف وتبادل النقاشات والأفكار، الأمر الذي يضاعف مخاوف الأردنيين من أن تواجه اللجنة مصير مبادرات ولجان سابقة كان أُعلن عنها خلال السنوات الماضية غير أنها وئدت في مهدها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق