هل يؤسّس خطاب بطريرك الموارنة لتحوّلات في مسار الأزمة اللبنانية؟

. . ليست هناك تعليقات:

مبنى مجلس النواب
عماد الشدياق – لبنان

تحولت البطريركية المارونية على مدى الأسبوع الفائت إلى محجة للسياسيين اللبنانيين والناشطين. الأزمة الاقتصادية التي ترافقت مع انسداد الأفق الحكومي، واتساع الخلاف بين رئاسة الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري، فتحت كلّها مجتمعة هامشاً لدخول رجال الدين المسلمين والمسيحيين على خط الأزمة، من أجل البحث عن حلّ بعد أن عجز رجال السياسة التقليديون.

وشهد التاريخ اللبناني الحديث تدخلات لرجال الدين المسلمين والمسيحيين على السواء في محطات سياسية حرجة، وكانت غالباً تُنبىء بتحولات سياسية كبرى واستراتيجية، وتقلب الموازين السياسية في لبنان، وهناك أمثلة على ذلك، منها رفض المفتي حسن خالد سياسة تدخّل النظام السوري في لبنان التي أدت إلى اغتياله عام 1989، ثم بعد أشهر شهد لبنان توقيع وثيقة الوفاق الوطني أو “إتفاق الطائف”، ووقف الحرب الأهلية.

ومنها بيان البطاركة الموارنة عام 2000 الذي أدى إلى تحولات كبرى على الساحة المسيحية واللبنانية عموماً، وأدى إلى “تعبئة مسيحية” تحولت مع الوقت إلى حالة وطنية جامعة ضد ما كان يُعرف بـ”النظام الأمني اللبناني – السوري”، ثم لاحقاً أدت هذه التعبئة والسخط إلى التسريع في إصدار القرار 1559 عن مجلس الأمن الدولي عام 2004، الذي دعا إلى انسحاب جيش النظام السوري من لبنان، وسحب السلاح من يد الميليشيات المسلحة (حزب الله)، كما كان من الأسباب التي أدت إلى اغتيال رئيس الورزاء السابق رفيق الحريري عام 2005، ثم خروج الجيش السوري من لبنان، ولم يُطبق الجزء المتبقي من القرار الذي يخصّ الميليشيات المسلحة ومنها “حزب الله”.

ما حصل في الماضي، لا يختلف كثيراً عمّا تشهده الساحة اللبنانية اليوم، حيث يغصّ مقر البطريركية المارونية في منطقة بكركي الكسروانية منذ أسابيع عدة بالوفود المدنية والسياسية.

ختام هذه اللقاءات كانت الدعوة الشعبية الحاشدة يوم السبت الفائت، الدعوة لبّاها المئات من اللبنانيين من مختلف المناطق والتوجهات السياسية اللبنانية، وعلى رأسها الأحزاب المسيحية “القوات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية” وبعض مجموعات “ثورة 17 تشرين 2019”. البطريرك الراعي جدّد مواقفه السابقة وثبّتها خلال اللقاء، ووجّه “مجموعة لاءات” كانت بمثابة رسائل سياسية داخلية وخارجية على السواء.

الرسالة الأقوى حملتها كلمة الراعي إلى “حزب الله” من دون أن يسمّيه، وذلك حينما دعا اللبنانيين إلى “عدم السكوت عن السلاح غير الشرعي وغير اللبناني”، وكذلك عدم السكوت عن “مصادرة القرار الوطني والانقلاب على الدولة والنظام”، معتبراً أنّ “انحياز البعض إلى محور إقليمي أو دولي” يؤدي إلى “انقسام الشعب، وتعليق الدستور، وتعطل الدولة، وانتكاس الصيغة اللبنانية، واندلاع الحروب”، وذلك مثل الذي يدور اليوم في لبنان.

رسالة أخرى وجّهها الراعي إلى السلطة السياسية مجتمعة، فطالب اللبنانيين بـ”عدم السكوت عن الفساد وعن فوضى التحقيق في جريمة المرفأ”، وكذلك “سجن الأبرياء”، في إشارة إلى التوقيفات التعسفية بحق أبناء المدينة الشمالية طرابلس”، على خلفية التظاهرات التي تسببت بحرق مبنى البلدية قبل أسابيع.

ثم خص بالنقد الرئيس ميشال عون وتياره (التيار الوطني الحر) من دون أن يسمّيه أيضاً، فدعا اللبنانيين إلى “عدم السكوت عن تأخير تأليف حكومة وعدم إجراء الإصلاحات”، التي يُتهم بها وزير الخارجية الأسبق وصهر الرئيس، جبران باسيل بها.

ولم تخلُ كلمة الراعي من رسائل التطمين التي أرسلها إلى المسلمين، فأكد على عدم المسّ بالكيان اللبناني لأنه “غير قابل لإعادة النظر، وحدود لبنان غير قابلة للتعديل”، كما اعتبر أنّ الشراكة الاسلامية – المسيحية “غير قابلة للمس” وديمقراطية لبنان “غير قابلة للنقض”، واضعاً أيّ تطوير للنظام في إطار “التحسين وتوضيح الملتبس وتحصين الثوابت التاريخية”.

وكان البطريرك الراعي قد دعا قبل ذلك بأشهر إلى تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، ثم بعد ذلك بأشهر تطورت الدعوة وتوسعت إلى حدود المناداة بانعقاد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة من أجل حماية لبنان ومساعدته.

ولاقت مواقف الراعي رفضاً من “حزب الله”، الذي خصّص أمينه العام حسن نصرالله جزءاً كبيراً من خطابه الأخير للردّ على هذه المبادرة، من دون أن يسمي البطريرك بالاسم. يومها قال نصرالله: ” إنّما الحديث عن الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة هو دعوة للخراب والحرب، واستدراج الخارج للاعتداء على لبنان”، معتبراً أنه “أمر مرفوض، ولا يجوز القبول به، ولا مجال للمجاملة أو المزاح”، رافضاً “أي شكل من أشكال التدويل”، لأنه نوع من أنواع “الاستقواء” بالخارج.

رفض حزب الله لهذه الطروحات ينطلق من أنها ستؤدي في نهاية المطاف إلى تقييد تحركاته في الهيمة على السياسة اللبنانية، وكذلك العسكرية في المنطقة، وربما تسحب ورقة تفاوض مهمة على مصير المنطقة من يد الجمهورية الإسلامية في إيران.

وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي والصحافي المقرّب من “حزب الله” فيصل عبدالساتر لـ”إيران وير”: إنّ ما طُرح من شعارات في بكركي “أثار الكثير من الانقسامات والالتباسات في الشارع. وربّما أعاد اللبنانيين الى مشهد الانقسام في العام 2005، أو أعاد إحياء حلف 14 آذار جديد. البعض يقول إن مَن ذهبوا إلى بكركي يوم السبت هم أيتام المشروع الأميركي أو المشروع السعودي. أنا لا أريد أن أتبنى بشكل مباشر هذا الكلام، وإنّما هذه الدعوة تأتي لتزيد الانقسامات بين اللبنانيين”.

وعن الدعوة إلى التدويل كشف عبد الساتر “أنّ الدعوة إلى التدويل مثيرة إلى السخرية، فكيف تأتي بتدخل خارجي لتمنع تدخلاً مفترضاً آخر؟ كما أنّ التدويل هو تسليم القرار السيادي اللبناني إلى جهات خارجية سواء كان بإشراف الأمم المتحدة أو بعض الدول، فعندما ننادي بذلك فإن ذلك سيعيدنا حتماً إلى الانقسامات الخطيرة”.

وحول موقف “حزب الله” من طرح البطريرك الراعي اعتبر عبد الساتر أن حزب الله كان أول الرافضين لمثل هذا الأمر، وقد عبّر عن ذلك الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله قبل لقاء بكركي، وأضاف: “إن البطريرك ذهب بعيداً في طرحه إلى حدود ملاقاة من أرادوا تطبيع القرار الدولي رقم 1559 بطريقة مواربة، وذلك من خلال الحديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني، والذي يعني ان سلاح حزب الله غير شرعي… وأحد لن يرضى بهذا الكلام”.

أما المحلل والناشط السياسي القريب من خط ثورة 17 تشرين الدكتور حارث سليمان، فيؤكد في اتصال مع “إيران وير” أنّ حركة بكركي “كانت منسقة مع الفاتيكان، وهي أيضاً نتيجة تواصل مع فرنسا، وتأتي ضمن الظروف التي أنتجتها ثورة 17 تشرين. أما القول إنّ هذا التحرك سيكون بداية لمسار سياسي يمكن أن يشبه ما جرى في العام 2005، ويشكل إطاراً سياسياً جديداً، فهذا قد لا يكون صحيحاً”

يعتبر سليمان أنّ حركة بكركي “لن تقوم بخلق مظلة سياسية جديدة، وإنما سيُكتفى بالمظلة التي وفرتها الثورة، خصوصاً أنّها عابرة للطوائف اللبنانية، ولا تستدعي من بكركي ملاقات أحد من الطرف الآخر. الراعي يستكمل ما بدأت به ثورة 17 تشرين، وهذا بدا واضحاً بما عدّده في مطالبه”

أما حول ما يمكن أن يؤدي إليه هذا التحرّك، فيقول سليمان: “إنّ حركة بكركي بمحتواها المسيحي ستؤدي إلى محاصرة الرئيس ميشال عون، وستؤثر على التغطية المسيحية التي يؤمنها عون لحزب الله، وهي قادرة فعلاً على أن تقوم بهذا الدور، وهنا فعاليتها”. أما عن تجاوب الخارج مع البطريرك الراعي، فيعتبر أنّ “الدول العربية موافقة على تحرك بكركي، هذا كان واضحاً، وخصوصاً إن كان الهدف محاصرة حزب الله، ولكن هل يتحول هذا التحرك إلى مؤتمر دولي يعيد تأسيس الدولة اللبنانية، ويفكك منظومة سلاح الحزب؟ فهذا غير متاح الآن”.

وعن مطلب التدويل قال: “إنّ التقدم بهذا المسار سريعاً ليس أمراً حتمياً، لكن يمكن التأكيد على أنّ مبادرة بكركي شكلت نقلة نوعية في المسار السياسي، وجعلت السلطة بمن تبقى فيها (التيار الوطني الحر وحزب الله وحلفائه) عرجاء. وما بعد استكمال حركة بكركي ستصبح المواجهة مع حزب الله مباشرة”.

أما مدير مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية الدكتور سامي نادر، فيذهب بعيداً أكثر من ذلك، ويرى أنّ خطاب البطريرك الراعي “يأتي في لحظة انسداد سياسية كبيرة في لبنان، يمكن تشبيهها إلى حدّ بعيد بنداء المطارنة الموارنة في العام 2000، الذي أطلق شرارة ثورة الأرز، والتي تبلورت بعد اغتيال الرئيس الحريري”. نادر اعتبر أنّ هذه اللحظة “تاريخية، ويمكن أن تؤسس إلى دينامية سياسية ما في المستقبل، لأنّها تأتي بعد وقت قصير من ثورة 17 تشرين الأول. أما الاعتراضات والانقسامات التي نسمعها اليوم فقد تتحجّم مع الوقت، خصوصاً أنّنا لسنا أمام انقسام سياسي كما في السابق بين قوى 8 آذار في مواجهة و14 آذار، وإنّما أمام أزمة وجودية جدّية تتعلق ببقاء لبنان من عدمه”.

يعتبر نادر أن الدول المحيطة في لبنان مثل سوريا والعراق مهددة بالتفكك، وهذا يجعل مبادرة الراعي بشقيها (الحياد والدولة المدنية) شديدة الأهمية. فالحياد قد يفرج عن المساعدات الدولية، ويسحب الورقة اللبنانية من يد إيران وحلفائها، كما أن طرح “مدنية الدولة” ستحفظ لبنان من أي انقسام داخلي على أسس طائفية، وبالتالي فإن الراعي “وضع شروط هذه الدينامية السياسية، وانطلق فيها من مطالب ثورة 17 تشرين الأول 2019”

ويذكّر نادر بأنّ الناس “لم تذهب إلى لقاء بكركي لأنّها صرح ديني، وإنما فعلت ذلك بعد تكسير خيمها في وسط بيروت واعتقالها في التظاهرات. وساحة بكركي منيعة ومحمية من ارتكابات بحق زوارها”. وفي ختام حديثه مع “إيران وير” أكد نادر أنّ مسألة السيادة والتحييد قد تكون محطّ خلاف بين اللبنانيين، إلاّ أنّ مبادرة الراعي “كسرت محرمات ومن الصعب تخطيها اليوم”.

إذاً، هو مسار سياسي جديد تفتحه بكركي في أزمة الجمود التي يتخبّط فيها اللبنانيون منذ اندلاع ثورة 17 تشرين قبل نحو عام ونصف. مسار قد يتطور في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، وقد يفضي إلى مزيد من الفرز في صفوف الأحزاب والجماعات السياسية والثورية بين مؤيّد ومعارض، كما أنّه قد يزيد من منسوب الرفض لدى “حزب الله” وحلفائه، فما بعد خطاب البطريرك الراعي في بكركي يوم السبت الفائت لن يكون كما قبله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة