المستخلص:
يتبنى أكثر قُرّاء ابن خلدون الفكرة القاضية أن الزمن، عنده، يسير في خطٍّ دائريّ يتعارضُ كلّيّاً مع فكرة التقدم. ليست الفكرة هذه، على وجاهة مبرّراتها، القراءة الوحيدة الممكنة لمفهوم الزمن عند العلّامة. سنسلط الضوء، في هذا المقال، على قراءةٍ أخرى تفيد أن الزمن عنده لا يسير في شكلٍ دائريٍّ، بل في شكلٍ حلزونيٍّ نحو أفقٍ تقدّميٍّ، مع بيان القرائن التي تمنح التأويل هذا مشروعيته.
*******
غنيٌّ عن البيان أن مقدمة ابن خلدون عبٍّرت عن لحظةٍ فكريةٍ ندر أن كان لها نظائر في الثقافة العربية الإسلامية، بمختلف ألوانها وأشكالها؛ قبل ابن خلدون، اهتمّ الفلاسفة بالتوفيق بين الفلسفة والشريعة، وانشغل علماء الكلام بالدفاع عن صحة العقيدة الإسلامية، واختصَّ المؤرخون في جمع الأخبار التي تبيّن عظمة الإسلام ورفعة مرحلته عن غيرها من المراحل التاريخية، وغابَ المتصوّفة في عوالم التأمّلات الروحية. وفي ما يُشبه تأسيس براديغمٍ جديدٍ، أتى ابن خلدون فغيّر مسار الفكر نحو الواقعية، إذ حدّد له موضوعاً جديداً: الإنسان العينيّ، بما هو كائنٌ خاضعٌ للتطور الاجتماعي التاريخي[1].
فكان له، بذلك، أن انتهى إلى فنٍّ ما سبقه إليه أحدٌ من الخليقةِ؛ "مستحدثُ الصنعة، غريبُ النزعة، عزيزُ الفائدة، أعثر عليه البحثُ، وأدّى إليه الغوص..."[2]
أفلا يستحقُّ، بعد ذلك، أن يوضع جنباً إلى جنبٍ مع كبار فلاسفة التاريخ؟ من يقرأ المقدمة يدرك أن صاحبها لم يُردْ، أصلاً، أن يكون فيلسوفاً. وما خصّه نبوغٌ أو عبقريةٌ، بل نجم عزوفه عن الفلسفة من موقفٍ قويٍّ، بيّنَ أسبابه في الفصل المُسمّى: "في إبطال الفلسفة وفساد منتحلها"[3].
مع ذلك، تجد عدداً من قرّائه يجزمون أنه فيلسوفٌ رغماً عنه؛ هذا جوستون بوتول يجزم أن المقدمة، بكل تأكيدٍ، مؤلّفٌ فلسفيٌّ "لا مثيل له منذ عهد أساطين الفلسفة الإغريقيين"[4].
وهذا زكي نجيب محمود يذهب إلى أن أسباب رفض العلّامة للفلسفة، نفسها، تؤكد تفلسفه؛ فالرجل ما ناهض الفلسفة رفضاً للعقل وانتصاراً للشرع، كما فعل غيره، بل رامَ ترسيم حدود العقل مُشدّداً على أنه ميزانٌ سليمٌ إن التزم صاحبه بحدود الإدراك الحسيّ؛ فما لا يُقتدَر على إدراكه حسياً لا يُقتدَر على تجريد ماهياتٍ منه؛ إلى ذلك يضيف زكي محمود متسائلاً؛ أليس قول صاحب المقدمة "النافذ هذا، هو قطب الرّحى من فلسفة كانت، وهو أساس الفلسفة الوضعية كلها"؟[5]
إن كان زكي نجيب محمود يعتبر ابن خلدون فيلسوفاً؛ لأنه رسم حدود العقل قبل كنت، فإن جوستون بوتول يعتبر العلّامة فيلسوفاً؛ لأنه أدركَ "الفكرة التي تعتبر المثل الأعلى للمجتمعات الديمقراطية"[6]،
قبل ظهور الديمقراطية في العصر الحديث؛ وذلك عند مناقشته الفرق بين الأحكام السلطانية والأحكام الشرعية، حيث فضّل الشرعيةَ؛ لأن الوازع فيها ذاتيّ غير أجنبيّ كما هي الحال في الأحكام السلطانية؛ فالوازع الذاتي، يجعل الفرد ينصاع تلقائيا للقانون، إذ يُصيّر القانون جزءًا منه، وليس مجرد أمرٍ ونهيٍ خارجيٍّ، مفروض عليه قسراً[7].
لا نعتقد أننا سنحيد عن الصواب، إن قلنا إن إعجاب بوتول، المُبرّر، بالعلامة جعله يحمّل نصوصه ما لا قدرة لها عليه؛ إذ لا علاقة لفكرة الانصياع للأحكام الشرعية عند ابن خلدون بفكرة الانصياع التلقائي للقانون، كما ظهرت عند فلاسفة الحداثة، ونضجت عند هيغل، خصوصاً في كتابه "أسس فلسفة الحق". نرى، في هذا السياق، أن عبد الإله بلقزيز أصاب حين نبّه قُرّاء ابن خلدون إلى أن "المعرفة الخلدونية، على يقْظتها ونباهتها ورصانتها، مشروطةٌ بزمنها المعرفي: زمن ما قبل الثورة العلمية والحداثة وقيام المجتمع المدني الحديث، وما تولد منه من نظريات ومفاهيم جديدة"[8].





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق