صدر مؤشر مدركات الفساد 2020، فحلّتدولة الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الأولى عربياً فيما حل الصومال في المركز الأخير، مع المفارقة أنها أكثر الدول العربية تحسناً في الأداء العام الماضي في حين كانت جزر القمر الأكثر تراجعاً. اما المعدل الاقليمي للمنطقة فبقي على حاله وهو أدنى من المعدل العالمي.
عرض موقع "النهارالعربي" هذه المؤشرات مع كل من المدير الإقليمي لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة في البلدان العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أركان السبلاني ووزير الداخلية اللبناني الأسبق زياد بارود.

قبل عرضه لقراءة معمقة لنتائج هذا المؤشر، أكد السبلاني أنه "برز من خلال 21 دولة عربية مسجلة على هذا المؤشر تقدم لـ10 دول، منها قطر، عٌمان، الأردن، تونس، الكويت، موريتانيا، العراق والصومال، وتراجع كل من لبنان، جيبوتي، جزر القمر، ليبيا، مصر والمغرب، مشيراً الى "أن الإمارات تصدرت قائمة الدول العربية لمكافحة الفساد في التقرير السنوي الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، أي من دون تغيير أسوة بكل من السعودية، البحرين، السودان، واليمن".
ولفت الى أن "مؤشر مدركات الفساد يعتمد على آراء الخبراء ومجتمع الأعمال وبنسب أقل على المواطنين وإيضاحات كل منها، لأن المؤشر هو مركّب يستند الى مجموعة نقاط أساسية ومقاييس محددة، يتم دمجها في معادلة مركبة من هذه المقاييس المختلفة".
وعما إذا كانت البلدان العربية "المضطربة أو المتأرجحة" سجلت تراجعاً قال إنه "لا يمكن قول ذلك لأن العراق وهو بلد "متأرجح" سجل تقدماً بنقطة واحدة في هذا المؤشر. إن العبرة في هذا المؤشر هي مجموعة النقاط، التي تسجلها كل دولة، وليس لترتيب مركزها على قائمة الدول".
أما عن سبب تراجع ترتيب لبنان، فقال: "إن لبنان سجل اليوم في المؤشر علامة 25/100 بعدما كانت علامته مستقرة لكن منخفضة 28/100 في الأعوام الخمسة الماضية وهي صدرت بناء على معطيات وبيانات من العام 2018 - 2019 وتشير إلى إستمرار الفساد بعد وعود بمكافحته من دون تحقيق نتائج وإصلاحات ملموسة، وتالياً يعكس المؤشر صورة الأعوام الماضية أكثر من عام 2020".
مبادرات ضد الفساد
وعدّ هذه المبادرات ومنها أن لبنان "أقر في عام 2017 قانون "حق الوصول الى المعلومات"، لكنه لم يُطبق، وتخلل مسار هذا القانون تباطؤ في مساره حيث تأخرت مراسيمه التطبيقية الى عام 2020 مع صدور خطة وطنية لتطبيقه في السنة ذاتها".
وأسف السبلاني الى أن "لبنان لم يقر بعكس دول أخرى إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد إلا في أيار (مايو) 2020، رغم أن العمل قد بدأ عليها في عام 2016،" مشيراً الى أنه "لو أقرها قبل ذلك وبدأ في تنفيذها لكان تفادى تسجيل علامته الحالية في هذا المؤشر".
واعتبر أن " المطلوب من قانون رفع السرية المصرفية، الذي أصدره مجلس النواب اللبناني في كانون الأول (ديسمبر) 2020 لمدة سنة واحدة فقط، أن يلحظ إصلاحاً معمقاً في هذا المجال من دون أن ينحصر في مدة زمنية محددة".
ولفت الى عدم تطبيق قانون حماية كاشفي الفساد الصادر في عام 2018، والذي بقي مجمداً حتى العام 2020،" مشيراً الى أن "هذا الأمر تزامن أيضاً مع إنشاء مكتب حماية كاشفي الفساد، الذي يجب تفعيل دوره في أقرب وقت ممكن".
وتوقف عند ضرورة تسريع وتيرة العمل على إعداد إقتراح لكل من قانون إستقلالية القضاء وقانون الشراء العام، لأن إقرارهما يساهم في تحسين مؤشر لبنان.
الإمارات
تناول السبلاني بالتحليل تصدر الإمارات لأفضل أداء دولة في مكافحة الفساد في المنطقة العربية، مشيراً الى أن "الدولة استمرت منذ أعوام طويلة في إنشاء إدارة حديثة ترتكز إلى الجدية وتتمتع بمهنية عالية، وهي بعيدة كل البعد من المحاصصة، مع الإشارة الى أنها تعتمد على التكنولوجيا وتخضع مؤسساتها للرقابة المالية والإدارية من قبل جهاز مستقل على مستوى هذه المسؤولية، ما عكس ثقة كبيرة بأداء القطاع العام وساهم في تسجيل هذا الموقع في المؤشر".
لا عجب
بالنسبة إلى بارود، "هذا التقرير هو "مؤشر" لمدركات الفساد في كل دولة، وتصنيف لبنان في مؤشر منظمة الشفافية الدولية السنوي ليس جديداً، ولكن في حين تحسنت درجات 26 دولة في هذا المؤشر منذ 2012، انخفضت درجات 22 دولة ومنها لبنان، كما ملاوي والبوسنة والهرسك".
برأيه، " ترتيب لبنان مخجل ولكن الأخطر هو استمرار انخفاض التصنيف وعدم قدرة لبنان على تسجيل سوى 25 نقطة من 100". وقال: "ربما لا عجب في ذلك، إذ لم نخطُ خطوات فعلية في اتجاه مكافحة الفساد بنيوياً وجذرياً، على الرغم من بعض الخروق المهمة في مبدئها ولكن تم إجهاضها في التطبيق أو عرقلتها، كقانون حق الوصول إلى المعلومات الرقم 28 لعام 2017 والذي بات اليوم غير كافٍ وباتت الحاجة ملحة إلى "فضاء المعلومات المفتوحة" إن صح التعبير، حيث تنتفي الحاجة لطلب المعلومة، بل تُنشر حكماً طالما لا تتعلق بالأحوال الشخصية الخاصة أو بالملف الطبي، مثلاً".
واعتبر أن "قانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (رقم 175/2020) لا يزالان ينتظران استكمال إنشاء هذه الهيئة التي تعتبر من ركائز الخطوات الإصلاحية".
ورأى بارود "أنه من المبكر الحديث عن مفاعيل القانون الرقم 189/2020، التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع في انتظار تطبيقاته في القضاء. أرى أن "مدركات الفساد"، كما يعبر عنها المؤشر، ترتبط عندنا بمشهد 4 آب (أغسطس) الحزين لانفجار المرفأ وبطريقة التعاطي الرسمي معه".
معاناة اللبنانيين
وقال بارود، "لا شك في أن حجب الحقائق عن أهالي الضحايا والجرحى والمنكوبين بأرزاقهم، إنما يترجم على أنه فساد أو هكذا يتم إدراكه ."اللافت في مؤشر 2020، وفقاً له، "أنه يربط في شكل وثيق واقع الفساد في العالم بجائحة كوفيد-19."
وأضاف: "لفتني جداً ما صرحت به رئيسة منظمة الشفافية الدولية ديليا فيريرا روبيو عندما قالت إن كوفيد-19 ليس مجرد أزمة صحية واقتصادية. إنها أزمة فساد". وهذا التصريح يؤكد أمرين على الأقل: الأول، أن مجالات الفساد واسعة وتطاول جوانب عدة من حياتنا العامة والخاصة، والثاني، أن تداعيات الفساد لا تقتصرعلى هدر عام وعلى اختلاسات ورشاوى وإنما تضرب عميقاً في منظومات كثيرة، ليس أقلها المنظومة الصحية."
وختم بارود: "لعل ما يعانيه اللبنانيون واللبنانيات على أبواب المستشفيات والصيدليات اليوم، ناجم عن تواضع شبكة الأمان الصحية بمواجهة وباء أو جائحة، وفي شكل أعم ضعف مؤسسات الدولة وعدم جاهزيتها لمواجهة الطوارئ، أكانت صحية أو ناجمة، مثلاً، لا سمح الله، عن كارثة طبيعية. عدم الاستعداد للاستجابة لأي طارئ (responsiveness) هو فساد وهو يهدر الأرواح وليس فقط الأموال."





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق