الكتابة في زمن التحولات... برؤية حبيب عبدالرب سروري

. . ليست هناك تعليقات:



منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، عرف التاريخ المعاصر انعطافاتٍ سياسية واقتصادية وثقافية كبرى. ولا شكّ أن هذه التغيّرات المحورية تركت أثرها الجليّ على ميادين الحياة المختلفة من العلوم الى الفنون والآداب. فكيف أثّر التاريخ المعاصر على الوعي الجمعي؟ أيّ إشكاليات طرأت على عالم الأدب؟ لماذا تعددت أشكال الرواية؟ وما هي تحدياتها في عصر الرقمنة؟.

أسئلة كثيرة- كانت ومازالت- مثار جدلٍ عميق، وهي تحتاج فعلاً الى مزيد من البحث والتأمّل، لا سيما في عالمنا العربي حيث بقيت معظم دولنا خارج ملعب هذه المتغيرات، وهي إن تأثرت فبوصفها "متأثّرة"، غير "مؤثّرة".

وفي هذا السياق، استضاف معهد اللغة والأدب العربي اليوم، في المركز الجامعي عبدالله مرسلي في تبازة (الجزائر) الروائي والمفكّر وأستاذ الرياضيات التطبيقية في جامعة روان الفرنسية ضمن ندوة علمية دولية بعنوان "الكتابة في زمن التحولات الكبرى" (أدارها د. مصطفى سداس ود. الياس بلّيح ود. السعيد العموري).

امتدّت الندوة على محاور عدّة، هي: "الكتابة: ضرورة أم ترف؟"، "الكتابة في عصر (الكيتش)، "الأدب (الرواية) وتحديات الرقمنة"، "جماليات الرواية وأسئلة التحوّل"، "المدينة في الرواية"، "الشخصيات النموذجية وصناعة الوعي الجمعي"، "الكتابة وأسئلة المصير"، "رواية معاصرة... تقنيات معاصرة"، "إشكالية الحضور الفعلي للمتلقي"، "الكتابة والاستشراف (الحديث عن عصر ما بعد الإنسان).





الكتابة وضرورتها

وفي معرض جوابه عن إشكالية المحور الأول، "الكتابة ضرورة أم ترف؟"، قال البروفيسور سروري إن "كلّ شيء يبدأ بالكتابة والإبداع. الكتابة أوّلاً حربٌ ضدّ هدفِ السلطات القمعية الأوّل: النسيان. يقول كونديرا: "نضال الإنسان ضد السلطة، هو نضال الذاكرة ضد النسيان". والثورة، كما نعرف، تبدأ من إعادة كتابة التاريخ بمفعول رجعي.

باختصار، كما يقول نيتشه: دور اللغة في تطوير الحضارة يَكمن في اتكاء الإنسان عليها لبناء فضاء متماسك صلب يهزّ به العالَم ويسيطر عليه.

إنّه إفضاءُ وأرشفةُ تاريخ منسي (لبلد، مدينة، إنسان...)، حقيقي أو تخييلي، سينقرض لولا بصمات قلم الكاتب: "وما الدهر إلا من رواة قصائدي/ إذا قلتُ شيئا أصبح الدهر منشداً".

ويقول أمين معلوف: "لا يبقى من تاريخ مدينة إلا ما كتبه ذات يوم شاعر نصف سكران!".

أي: كتابة الرواية هنا مشروع هندسي فني تخييلي خاص، ينضاف باسم الكاتب إلى مساهمات الأدب الإنساني.

الرواية... والتكنولوجيا

وعن سؤال الأدب والرقمنة، جاء جواب سروري شافياً وافياً، باعتباره هو المتخصّص في الأدب وفي الرقمنة. وممّا قاله في هذا الإطار: "ترتبط حياة الإنسان المعاصر عضويا بالعالَم الرقمي، إن لم تكن قد أضحت تابعة له، أو جزءا منه. (صرنا كبشر أقزام في لعبة الشطرنج بيننا وبين الكمبيوتر، نعيش كتوابع له في أمورٍ كثيرة، بسبب مقدرات جديدة له ك "البيانات العملاقة" BIG DATA. هل سنصل كذلك، على صعيد الإبداع الأدبي أيضا، بعد 50، 100، أو ألف عام؟.

يلزم ملاحظة أن العالم الرقمي يقع اليوم في منبع ومصب هموم الأدب ومحتواه

أ) المنبع:

وعاء النص الأدبي صار اليوم إلكترونيا، في الأساس... صار الموضع الرئيس للنص الأدبي الجهاز الإلكتروني، وعلاقته عضوية، عند الكتابة، بالبناء التحتي الرقمي للغة: موتورات الأبحاث، مدونة، موسوعات... وبضرورات الرقمنة والاسترقام.

ب) المصب:

العالم الرقمي يدخل بطرق عدّة في صميم تكوين النص الأدبي:

"التخييل التكنولوجي" مصطلح جديد له أنماط متنوِّعة: تعبير النص عن كل أشكال التفاعل مع العالَم الرقمي، دخول واقع الحياة الرقمية والذكاء الاصطناعي والروبوتات في النص الأدبي، النص الأدبي الفائق HyperText، مشاريع الإنتاج الآلي للنصوص: إملاء الفراغات أثناء كتابة الأديب؛ تحسين النص انطلاقا من تحليل البيانات العملاقة؛ تحوّلُ الكاتب إلى "ما وراء المؤلف" والكمبيوتر إلى كاتبٍ خادمٍ له؛ واستخدام "العصبونات الاصطناعية" وتقنية "التعلّم العميق" لالتقاط طريقتنا في تطوير وتحسين النص ثم استخدامها آليا، بدلا عنّا، بعد أول صيغة نكتبها؛ الانتاج الآلي للنصوص.

جماليات الرواية ودورها في التحوّل

وعن دور الرواية وجماليتها قال حبيب سروري: "ترسم الرواية شخوصا محورية مختلفة ومتنوعة، لا تغادر ذاكرة الإنسان، منذ انتيغون (مسرحية سوفوكل) الرافضة للقرار الظالم، وكوزيت وجان فالجان لهوغو الرافض للبؤس، ابن القارح لأبي العلاء، الجبلاوي لنجيب محفوط، ذات ووردة لصنع الله إبراهيم... وهي تحاول خلخلة المسلّمات الثابتة الرجعية أو الظلامية في دماغ الإنسان، وترك شرخٍ مباركٍ فيه (يمكن تسميته مجازا: "تجلٍّ إلهي").

وأضاف قائلا: "ينتمي ذلك لِدور الكتابة التنويري الذي يسبق التحوّلات التاريخية الكبرى المناهضة للديكتاتورية، للعنصرية، للاستعمار... (دور القرن 18: قرن الأنوار في الثورة الفرنسية)؛ ودورها العظيم الذي يضمن انتصار الثورة: إعادة كتابة التاريخ بمفعول رجعي...

الرواية مفهوم دنيوي، يسير في اتجاه مخالفٍ للاتجاه اليقيني المقدس في الكتب الدينية: له أدوات كاسحة: التخييل، السخرية، التساؤل، الشك...

وسائله كثيرة، منها: تعدد الرؤيات بعدسات مختلفة، تبئير الصورة حول إنسان (مثال: "الشيخ والبحر" لهمنغواي)؛ التمثّل بالآخر المختلف في أي مكان في العالم والتوحد الوجداني وأيّاه؛ أخذ الوقت اللازم لسرد التفاصيل الصغيرة (هي مربط الفرس، غالبا)؛ البحث المثابر والصعب عن الكلمات الأنسب، لإخراج الخفي في اللغز الإنساني، الذي لا نستطيع التعبير عنه... الرواية فنارٌ يكشف البعد الانساني العام من خلال الانكباب على حيوات خاصة، ويضيء فضاء الحياة الإنسانية ويكشف أبعادها المجهولة.

هي أداة تسمح برؤية العام والمطلق في الخاص والعابر. هي صورةٌ راديوغرافيّة لمراحل تاريخية في حياة هذا الشعب أو ذاك (مثال: رواية "طريق التبغ" لإرسكين كلادويل)؛ لسرد مغامرة الحياة الانسانية عموما؛ للغوص في أسرار الطبيعة الانسانية؛ لاستشرافات سيناريو لحظة تاريخية ما (مثال: رواية "الطاعون" لكامو)...

الأسلوب الأدبي غزوٌ ساحر للإنسان، شكل من أشكال "إرادة القوة"، بحسب نيتشه. "تصغي فيه لاصطدامات عظام التفكير"، كما يقول أيضا في كتابهِ "بلاغة" الذي يحتوي على دروسه عندما بدأ حياته بروفيسورا في علوم اللغة، في جامعة بال... فنّ الرواية، مثل بقية الفنون، له قوانينه الخاصة:

البحث المضني عن الكلمة الأنسب، عن تلافي التعابير الملتَبسة وطوفان الصيغ المكررة، عن بثّ القسط اللازم من الشاعرية والإيقاع في النصّ، لأن الرواية سيمفونية أيضا.

الكتابة الروائية عراكٌ دائم من أجل أسلوبٍ خاص وجميل، يلزمها ابتكار بنية خاصة، لذيذة، شفافة رقراقة؛ وعدم الوقوع في مطب اللغة الصحفية، التقنية، الخشبية (مثال: تلافي كثرة اسماء الموصول: الذي، التي... في النص الروائي)...

لا توجد معادلة للجَمال عموما. لعله ينبثق من تفاعل عناصر أولية كثيرة تقود إلى تركيبةٍ لها طعم خاص، لذيذ جدا. نطلق عليه اسماء مختلفة: سحر، وحي، تجلي"...

المدينة في الرواية

وفي محور "المدينة في الرواية"، قال سروري: "المدينة (الحقيقية: باريس، عدَن... أو التخيلية: واق الواق، اطلانطيس، دملان...) هي الهيكل الأثير غالبا للعمل الروائي. يحتضن بامتياز كل الأنواع الروائية.

هي كتابٌ لا نهائيّ التجدّد، متاهات، ملتقى طرق وبشر (تزداد تعقيدا منذ العولمة). تتداخل فيها الأسرار. تعيش فيها أشباح الماضي، وذكرياته. هي شخصية الرواية الأكثر تعقيدا ربما.

والمدينة الحديثة منذ العولمة صارت بلا حدود، بلا مركز، في تطورٍ وتغير واضطرابات مستمرة؛ تعصف بها اليوم التطورات التقنية، إشكالية الهويات والأديان، الخراب البيئي، والجوائح (كما نراه اليوم، في زمن الكوفيد)...

لذلك ظهرت اليوم كلمة جديدة: سولاستالجيا: "ألم الاغتراب الداخلي"، بعد تَغيُّرِ المدن (بسبب تغير المكان السلبي في العقود الأخيرة، لأسباب عسكرية أو دينية أو سياسية). وظهرت مفارقة عبارة "الحنين إلى الزمن الجميل"، بكلِّ ما فيها من وهمٍ ومجافاة للحقيقة.

في الرواية الحديثة، يختفي المركز. تذوب المدن، يزداد التنقل بينها. لم تعد فيها مدينة واحدة غالبا، بل عدة مدن. ومدننا العربية اليوم: فضاءات تقوقع مستديم، سجون تحت سماء مفتوحة. يسكنها الخوف من الحاضر والمستقبل. لا حرية فيها عموما. بل انغلاق كليّ على العصر. هي قطعا امبراطورية الكيتش، بامتياز... يهيمن عليها طيف الفقر والجوع والحروب الداخلية واللاجئين والمشردين والنائمين على قارعة الطرق؛ الصراعات الطائفية والعنصرية والقهر...

أما عن الكتابة وأسئلة المصير، فقال الروائي والبروفيسور سروري إنّ "هموم الرواية بلا عد، بعضها لا علاقة مباشرة له بأسئلة المصير: رواية سيكولوجية، تاريخية، غرامية... وثمّة همومٌ لغوية خالصة أحيانا، أو تأملية، فلسفية... لكنّ بعضها يجد مادته في الأسئلة المصيرية الكبرى: حرية الإنسان وكرامته، رفض الديكتاتورية والفساد والظلمات، رفض الإعدام، مقاومة البؤس والاضطهاد والبيروقراطية، كشف حياة السجون والتعذيب... يما يتعلق بي، تتنوّع أعمالي بين هذين الاتجاهين:

-طائر الخراب (رواية ضد الطغيان).

-وثلاث روايات تنتمي الى ثيمات مترابطة، جوهرية بالنسبة اليّ: الحرية، التنوير، الحرب الروحية ضد الظلمات: "عرَق الآلهة"، "تقرير الهدهد"، "وحي"...

عدا ذلك، هناك ثيمات أخرى (غير مرتبطة بأسئلة المصير مباشرة):

-أروى (ثيمتها عبارة محورية قاربها الكثيرون، كلٌّ بطريقته، منذ بدء السرد تقريبا: "الحياة ملك للمرأة، أي ملك للموت")،

-حفيد سندباد (تنتمي الى أدب الرحلات واستشرافات المستقبل والتجوّل في الماضي القريب)...

-ابنة سوسلوف: همومها الحرية، الربيع العربي، الثورات...

-دملان، والملكة المغدورة، همُّهما اليمن بالتأكيد، وتاريخها الحديث. لكنهما تذهبان أبعد من اليمن بكثير، وفي دملان خاصّة كتلةٌ هائلة من التخييل لاحظه روائيون بارزون"...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة