يقدم كل من برهان غليون ومحمد سليم العوَّا في كتابهما السجالي « النظام السياسي في الإسلام » مناقشة واسعة ومعمقة لعلاقة الإسلام بالسياسة، وفيما إذا كان هناك بالفعل نظام حكم سياسي في الإسلام. ليتشعب النقاش عبر تلك الإشكالية ويمتد إلى قضايا تتعلق ب: تأويل المذاهب الدينية للعمل السياسي، العمل السياسي للمرأة، الإسلام والتعددية السياسية، الإسلام السياسي المعاصر،... ألخ.
فيما يتعلق بسؤال نظام الحكم في الإسلام، يذهب غليون إلى أن المسلمين انقسموا إلى فريقين: الأول يسميه بـ «المذهب الإسلاموي »الذي يؤكد على الارتباط بين الدين والدولة، وأن الإسلام نظام ومنهج شامل للحياة. أما الثاني فهو «المذهب العقلاني» الذي ينص على أن الإسلام دين وحسب، أما النظم السياسية فهي دخيلة على الإسلام وليس من أصله، ولذلك فإن المسلمين لا يخطئون ولا يذنبون ولا ينقص إيمانهم إذا هم اختاروا لتنظيم حياتهم الاجتماعية نظماً سياسية حديثة ليس لها أصل في التقاليد الإسلامية.
وغليون ينتصر للفريق الثاني لأن الإسلام في «مستواه الأول» (القرآن، الحديث،..) لا يمكن أن يكون مصدراً لنظريات سياسية أو تصورات لنظام الحكم، لأنه لايرى في أنظمة الحكم التي ظهرت في البلاد الإسلامية أي بصمات أسلامية، بقدر ما سخّرت هذه الأنظمة الدين لخدمة بقائها في الحكم.
وهذه هي معضلة الدول العربية، أي استيلاء الحاكم على الدين وتوظيفه لتدعيم سلطته السياسية، وهذا ما يبرر كيف أن بعض الدول العربية العلمانية تسمح بالتعددية الدينية ولا تسمح بالتعددية السياسية، بل أنها تحاول أن تكرس الانقسامات الطائفية لتضمن تبعية السلطة الدينية لها.
وفي تفسيره لصعود الإسلام السياسي في الفترة المعاصرة، فإن غليون يبين لنا كيف أن الأنظمة العربية، في مرحلة ما بعد الاستقلال وخروج الاستعمار، عمدت إلى احتكار السلطة من خلال تأكيد ذاتها بوصفها دول حديثة وعلمانية وتنتمي للعصر، وفي مواجهة هذه الأنظمة التي احتكرت السلطة لم تجد المعارضة سوى الدين لتهاجمها من خلاله، وفي هذا السياق ظهرت الفكرة الإسلامية التي تذهب إلى أن حل مشاكلها لا يتم إلا بإقامة نظام سياسي إسلامي.
وفي المقابل يذهب محمد سليم العوَّا إلى أنه، وبالرغم من أن إسلام الوحي لم يقدم لنا نظام حكم معين المعالم ومحدد التفاصيل، إلا أن الإسلام في النهاية دين ودولة وأن أي نظام حكم يجب أن يكون مرجعيته إسلامية.
وبالرغم من تقدير غليون لديمقراطية العوَّا وعقلانيته الإسلامية، فإن ذلك لم يمنعه من تعداد نقاط الضعف الموجودة في خطاب العوَّا. فهذا الخطاب يرتبط بأحلام بناء الدولة الإسلامية الحديثة، هذه الدولة التي يكون فيها للحكومة الإسلامية المكانة الكبرى، أما الفرد والمجتمع والناس فليس لهم من مكانة سوى القيام بواجبات الخلافة في الأرض.
أما محمد سليم العوَّا فإنه يركز في رده على قضيتين أغفلهما غليون. الأولى تتعلق بوضع غير المسلمين في الدولة الإسلامية، والثانية مسألة العلاقة بين الدولة الإسلامية والدولة غير الإسلامية. بالنسبة للقضية الأولى فإن العوَّا يطالب بإعادة «عقد الذمة» والعمل به ضمن الديار الإسلامية. وأما بالنسبة للقضية الثانية فإنه يذهب إلى فساد تقسيم العالم إلى دار للسلام ودار للحرب وأن على الفقه الإسلامي أن يستفيد من واقع العلاقات الدولية المعاصرة بما يحقق مصلحة المسلمين.
والكتاب بمجمله نموذج للتفكير المعمق والهادئ لوجهتي نظر مختلفتين كل الاختلاف، تحاول كل وجهة نظر تأكيد ذاتها وتبيان عيوب وجهة النظر الأخرى.
د. رشيد الحاج صالح





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق