أبواب - وليد سليمان
احمد نعواش.. فنان الفطرة والدهشة

الفنان التشكيلي الاردني المولود في العام 1934, والراحل في عام 2017 هو أحد مشاهير الفن التشكيلي العربي .

فقد كان من أوائل من درسوا الفنون التشكيلية في الجامعات الأوروبية وعادوا في خمسينيات وستينيات القرن الماضي إلى عمّان, ليعمل مشرفاً فنياً في وزارة التربية والتعليم الاردنية وليمارس أعماله وتجاربه و دراساته التي لم تتوقف سواء بالسفر للدراسة او لإقامة معارضه العربية والعالمية .

زرناه في مرسمه الضخم - ضمن بيته الواسع - قبل عدة سنوات في منطقة على طريق مأدبا .. وكان سعيداً بعمله في الفنون الجرافيكية التي يقوم بإبداعها في قلعته الفنية, حيث الآلات التي يتم بها إنتاج لوحاته الفنية المدهشة بتميزها من ناحية التقنية والأسلوب والمواضيع الانسانية .

عندما كنا نشاهد أعماله من خلال معارضه في عمان أو في مرسمه المنزلي , كنا نشعر بعلو قامة هذا الفنان المحلي والتي تشبه لوحاته اعمال عباقرة الفن العالمي مثل بيكاسو, جورج براك, خوان ميرو, من أصحاب الإبداع والفطرة العالمية .

ولوحات احمد نعواش بشخوصها شبه الكاريكاتيرية والسوريالية تدخل الى النفس بسرعة الاعجاب والتأمل, من هذا السحر الخاص والخيال الباحث عن الحرية البشرية .

في خمسينيات القرن الماضي، بدأ نعواش يرسم متأثّراً بالشخصيات التاريخية, فكانت أول لوحة يرسمها لصلاح الدين الأيوبي.

وقادته موهبته إلى التعرّف على فنان إيطالي مقيم في عمان اسمه آرماندو، اتخذ منزله استوديو لتعلّم الرسم، ومن هناك قرّر السفر لدراسة الفن في روما حيث تخرّج من أكاديميتها عام 1964بدرجة امتياز.

ودرس الحفر على الحجر (الليتوغرافي) في كلية الفنون الجميلة في بوردو- فرنسا.

أقام ثلاثة معارض في روما ومعرضاً في بغداد عام 1966 وفي دمشق عام 1967، وأقام أكثر من عشرة معارض شخصية في عمان.

تتلمذ على يد الفنان الشهير جورج راييز في باريس, الذي شهد في تلك الفترة بان الفنان أحمد نعواش أظهر ابتكارا اصيلا ونضوجا في مواهبه الفنية منذ انضمامه إلى مشغله في مدرسة الفنون الجميلة عام 1975, حيث مكنته الطباعة الحجرية من اكتشاف مضمار جديد يتناسب وعالمه الفني.

وقد اكسبه استعمال ماء الفضة - أي حامض النتريك - لوناً وكثافة مختلفة تستحق الانتباه للتقنيات التي يتحكم في إنجازها, وفي مضامينه التي تثير الدهشة والعجب والغرابة لإبتكاراتها وهي صفات المبدع الأصيل.

وبعد ان رجع إلى عمّان قدّم عدّة أعمال مستوحاة من الواقع الفلسطيني، ثم انتقل إلى باريس لتعلّم فن الغرافيك وحصل في عام 1970 على دبلوم عال بدرجة امتياز في "الطباعة الحجرية والحفر على الزنك.

كما تتلّمذ على يد الفنانين: فرانكو جنتليني وجورج راييز ومارينو ماتساكوراتي، والأخير هو الذي ربط منهجيته بالفنان السويسري بول كلي، الذي تأثّر به في تلك المرحلة.

حتى العام 1985 كان الفنان نعواش قد اقام ما يزيد على ثلاثين معرضا ترسم قضايا الإنسان ببساطة وقوة وتميز في كل من القدس وعمان وباريس وبغداد وبعض مدن الأردن, وشارك بمعارض جماعية في عمان وقبرص والكويت وألمانيا, ومعرض الحضارة العربية المتنقل آنذاك في أوروبا.

محمود طه.. شيخ الخزَّافين العرب

في أوائل شهر شباط من العام الماضي 2017 وهو في منتصف السبعينيات من عمره غاب عنَّا فنان تشكيلي شهيرعاش كل حياته للفن وتراب الوطن .. فقد كان الخزَّاف والخطاط (محمود طه) يمثل علامة فارقة في حركة الفن التشكيلي الأردني والعربي .

الشاعر والرسام "حسين نشوان" في كتابه الجديد (محمود طه.. ذاكرة الخزف) الصادر مؤخراً في عمان , بعد رحيل الفنان طه, أشار في مقدمة كتابه :

" الطين كان مصدر إلهامه وإبداعه طفلاً .. فقد كان يقطن جوار( سيل عمان ) التي أحبها .. وكان الطمي الذي يشكله السيل مصدر سعادة هذا الفتى الصغير محمود طه , الذي كان يحول الطين الى كائنات وحكايات وإبداع .

وفي تلك المحاولة التي كان يصوغ فيها الطين.. فإنما كان يعبر عن حلمه باستعادة الدار المفقودة والوطن السليب " .

و حينما اختار محمود طه هذا المتصوف في الفن, فن الخزف الذي يتكون من الطين, كان ذلك لأنه التراب الذي يحمل صفات البلاد التي عشقها .. وظل طوال حياته يحلم بالعودة إليها .. ولأن للتراب رائحة المكان ورائحة أول المطر ورائحة السلالة التي ينتمي إليها الإنسان.

ولأن الطين يتيح للخزاف أن يلامس جسد ما يتشكل من النخيل والبيوت والأبواب والنوافذ فلا بد أنها تسكن ذاكرته, عدا أنّ التراب/الطين/الوطن ارتبط بذاكرته حينما هاجر طفلاً عام 1948, وحينما عاش في وحل المنفى/المخيم, وحينما كان يدرس الخزف في العراق وقعت حرب حزيران 1967, وأدت إلى احتلال كامل الأرض الفلسطينية.

الطين والصلصال والفخار والخزف والسيراميك تاريخياً, رافق حياة الانسان منذ وجوده على وجه الأرض, واستخدمه في صنع الأواني والأطباق وبناء الجدران وإقامة التماثيل .

وقد عُرف هذا الفن في غالبية الحضارات القديمة, ومنها في بلاد الرافدين, والفنيقيين, والكنعانيين, والرومان, وحتى الحضارة العربية الاسلامية .. إذ حمل سطحه تاريخ الحضارات, ودوّن فنونها وأساليب حياة ناسها.

ولم يكن الفخار والخزف في الأزمان البعيدة يقتصر على الوظيفة الأداتية للتزيين وحفظ الأطعمة وطهيها فقط، بل كان الطين يُستخدم كمدونات للمعتقدات والمعارف الانسانية وقتذاك, حيث كان يرتبط بالعمارة الدينية, مثلما يحمل الفخار الكثير من الرموز التي تُنقش على الأواني لطرح البركة, وطرد الأرواح, والتوسل للتقرب من الآلهة, كما تمثل صحائف لتدوين القوانين على الآجر !! من خلال النصوص الكتابية أو النصوص البصرية, ومنها النقوش التي تبين حياة الناس وتاريخهم .

وبالنسبة للخزاف محمود طه, فقد كان الخزف يمثل شهادة لا تقتصر على تحولات التجربة عند الفنان, بل مدونة لحياة الشعب, وقد انطوت أعماله على وعي تأصيلي مزج بين التاريخ والواقع والفن, مستفيداً من خصائص الطين التقنية والتشكيلية والجمالية, ورمزيات الطين في ارتباطه بحياة الفنان, وتحولات المادة التاريخية التي انعكست على تجربته الفنية التي بدأت مطلع الستينيات من القرن الماضي .

وكان قد اكتشف الطفل محمود طه خلال جلوسه على مقاعد الدراسة في المرحلة الابتدائية في مدارس المخيم بعمان جماليات الخط العربي, الذي يعني بالنسبة للطفل نوعاً من التفرد والتميز, ويمثل اكتشافاً لينبوع التراث الذي يمنح الانسان الثقة بالصمود .

وكان هذا الاكتشاف لطاقة التراث دافعاً لدراسته الفنون, وخلال دراسته في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد سيطرت عليه جماليات المعمار الإسلامي للمساجد في العراق وإيران, بقبابها وزخارفها وألوانها التي تدرّجت بين التركواز- الأزرق والأصفر والأبيض .

وبقيت المفردات التراثية تشكل معماره الخزفي الذي عبَّر فيه عن ذاكرة المكان من خلال الخط واللون والنوافذ والأبواب والزخرفة والرموز المختلفة .

ولكنه مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى بدأ الفنان يبحث عن فضاء تعبيري للكائن من خلال عناصر جديدة تمزج بين المكان الذي يتسع للكرة الأرضية باستخدام رمزي جديد للدائرة , التي تتجاوز القبة التي تكررت في أعماله السابقة .

وحضر خلال ذلك الإنسان الذي يقف وسط هذا الكون, بتعبير صامت ينّم عن القلق والفاجعة, معبراً عن ذلك بوعي استعادي يمتزج فيه الماضي والحاضر والمستقبل, والتاريخ والجغرافيا, والمكان والكائن, والوجود والفراغ, منتقلاً من المعمار الهندسي الساكن إلى الأفق المفتوح والمتحرك.