عرض فيلم "وحوش البرية الجنوبية"

. . ليست هناك تعليقات:



"وحوش البرية الجنوبية": سندانس والفنون الليبرالية وأشياء أخرى!

 هند هيثم

مهرجان سندانس للسينما المُستقلة أكبر مهرجان سينمائي في أمريكا الشمالية، وفي كُل مدينة وحاضرة وبلدة وقرية ودسكرة أمريكية، ثمة صدى يتردد: "سندانس، سندانس، سندانس!" سندانس (أو صندانص كما يكتبها بعض المترجمين العرب).

سندانس قِبلةُ كُل صُناع الأفلام الشباب والعجائز، فإليه يحضر نُقاد هوليوود الكِبار ومنتجوها الأثرياء - وهم الأهم - ومنها يخرج صُناع الأفلام الجُدد الذين تتلقاهم هوليوود بعقود التوزيع والتمويل. بل إن هناك من الممثلين الهوليوديين أصلاً من يستخدم سندانس ليُميز نفسه عن "القطيع" التجاري لهوليوود، أو ليصوغ لنفسه شخصية جديدة.




 وفي مهرجان سندانس هذا العام، تقدم جوزِف غوردون لفت - الممثل الهوليوودي الشاب - بفيلم من كتابته وإخراجه وبطولته "إدمان دون جون"، كما قررت داكوتا فاننغ أن تُري هوليوود أنّها قد بلغت سِن الرشد، فاختارت فيلم "فتيات صغيرات مُهذبات" الذي عُرِض في سندانس هذا العام لتظهر في مشهدٍ عارٍ.

ولعل هذا يوضح واحدةً من إشكاليات سندانس، فالمهرجان الذي يُفترض أنّه موجه لدعم صُناع الأفلام المُستقلين لتقديم سينما تختلف عن سينما الإستوديوهات الكُبرى في هوليوود صار امتداداً لهوليوود، تحكمه الميزانيات الكبيرة، والأسماء الكبيرة، والاتجاهات الفنية التي يميل إليها المخرجون ذوو النفوذ في هوليوود، بحيث صار سندانس مكاناً لتزويد هوليوود بمستنسخاتٍ جديدة لمُخرجيها الحاليين - والموتى - من دون تقديم أي فكرٍ جديد.

وفي كُل دورة من مهرجان سندانس فيلم "ذهبي" يخرج عن المهرجان ويحصل على عقود توزيع مع شركاتٍ هوليوودية، ويطوف مهرجاناتٍ أجنبية. وقد كان فيلم سندانس الذهبي العام الفائت "وحوش البرية الجنوبية"، الذي خرج أخيراً إلى العرض العام في دور سينما محدودة، ووزعته شركة فوكس سيرتشلايت، الذراع "الفني" لشركة فوكس القرن العشرين، وقد رُشِح لأوسكار أفضل فيلم وأفضل مُخرج وأفضل ممثلة لبطلته الصغيرة كوينجنافي والِس.


لمن تُقرع الأجراس؟
لكُل فيلم جمهور، وجمهور "وحوش البرية الجنوبية" ليس عامة من يرتادون السينما، وإنما الفيلم فيلم "أفندية". لكن، حتى مع كون الفيلم موجهاً للأفندية، فإنّه يُهِم قطاعاً ضيقاً جداً منهم. بالتالي، يعتمد الفيلم - والأفلام التي على شاكلته - على ترويج النُقاد له، حتى يُشاهده جمهور "الأفندية"، ولم ينقص "وحوش البرية الجنوبية" المقالات التي تُشيد به، ولو أن هناك نُقاداً قد وصفوه بالرداءة، بل وحذر بعضهم النقاد الذين مدحوا الفيلم من أنهم يتسببون في تخفيض قيمة النقد لدى المُتلقى، فكيل المديح لفيلم فارغ مثل "وحوش البرية الجنوبية" يجعل قُراء المقالات النقدية أكثر ريبة إزاءها مما هُم عليه في الأصل.

ولم أكن قد قرأت هذه المقالات الناقدة قبل الذهاب لمُشاهدة الفيلم، فشاهدته وفي ذهني المديح الذي كِيل للفيلم، وشعرتُ بما يُحذِر منه النُقاد المُعارضون للفيلم: الريبة في ذوق من مدحوه، بل وفي مفهوم السينما عند نُقادها.

"وحوش البرية الجنوبية"يدور الفيلم في منطقة في جنوب ولاية لويزيانا الأمريكية تُسمىbathtub أو حوض الحمام، عبارة عن تجمع سكنٍ عشوائي على أراضٍ منخفضة تُغرقها المياه، وتقع في الناحية الأخرى من السد الذي بنته ولاية لويزيانا لحماية الولاية من الأعاصير، بعد كارثة إعصار كاتارينا الذي كاد يُحيل نيو أورليانز أثراً بعد عين - نيو أورليانز تقع في لويزيانا - مما يُصنِف الفيلم ضمن أفلام كاتارينا.

وفي الفيلم عناصر واقعية سحرية، من دون أن ينتمي إلى النوع. ويدور حول فتاة سوداء في الخامسة أو السادسة من عمرها تُسمى هش.بابي (كوينجنافي والِس)، تعيش في بيت مقطورة لوحدها في الباث تب، ويعيش والدها في البيت المُقابل. تروي هَش.بابي الفيلم الذي يُفترض أن يحكي عن مُجتمع بريء ومُعادٍ للاستهلاكية وسحري، وآيل للزوال. وتُستخدم طُعماً لجلب المُشاهدين إلى الفيلم، وتخديرهم بحيث لا ينتبهون إلى كم العورات التي يمتلئ بها الفيلم.

الفيلم ليس فيلم "قصة" بالمعنى المُتعارف عليه لأفلام "القصة"، لكن العامل الرئيسي فيه موت الأب، ومحاولة المُخرج (بِن زايتلِن) ربط موت الأب بزوال عالم حوض الحمام


أسلوب الفيلم
الفيلم يتبع هش.بابي طوال الوقت، فلا تغيب لحظةً واحدة عنه، ويفترض أن الفيلم يدور حولها وحول وعيها بالعالم، لكن هذا يحدث عن طريق شريط الصوت، وحديث هش.بابي من دون أن تدعمه الكاميرا، فلا يوجد مشهدٌ واحد يُصور فيه المخرج ما يحدث من وجهة هش.بابي بصرياً، فلا  يُخفض الكاميرا لتكون على نفس خط بصر بطلته أبداً، ولا يُتيح للمشاهد أن يرى بعينيها، وإن كان يسمع صوتها طوال الوقت. والمشهد الوحيد الذي كانت الكاميرا فيه مُنخفضة، كان يدور من وجهة نظرِ الأب، الذي يتحدث عن أم هش.بابي المغوية، ولم تظهر فيه الأم غير من نصفها الأسفل، وهي تقف، وهي تسير فتشتعل النيران وتفور المياه من تلقاء ذاتها.

الكاميرا مُهتزة طوال الفيلم، وقد حيرني هذا في المشهدين الأولين للفيلم، فهل يعود الأمر إلى انخفاض ميزانية الفيلم، الأمرُ الذي لم يسمح للمخرج بشراء - أو استئجار - حامل للكاميرا؟ أم يعود الأمر إلى خيارٍ فني؟ ثم اتضح لي أن ميزانية الفيلم تسمح بشراء حاملٍ للكاميرا، لكن المُخرج اختار أن تبقى الكاميرا مُهتزة طوال الوقت، ليُضيف قيمة تسجيلية على فيلمه، وليوحي بأن العالم كُله يهتز حول هش.بابي.

ثمة ولعٌ كذلك باللقطات القريبة والمتوسطة، من دون أن يكون لها تأثير درامي.

الكاميرا أداء لبناء الفيلم، لكن الكاميرا لا تقول شيئاً في فيلم بِن زايتلن عن الفيلم نفسه، بل عن صانعه، ومن الثلث الأول للفيلم - حتى قبل أن أعرف اسم المُخرج أو أي شيء عنه - فإنني قد خمنت بأن مُخرج الفيلم يهودي نيويوركي شاب لديه خلفية في ما يُعرف بـLibera l Arts  أو الفنون الليبرالية. فالفيلم ينطق بكليشيهيات الفنون اللبرالية، وأكاد أسمع صوت المُدرس - أو المُدرسة - وهو يشرح للطلاب القيمة "التوثيقية" للكاميرا المهتزة، وكيف أنها "تهز إدراكنا للحقيقة، وتخلق مكاناً وسيطاًliminal space  بين الواقعي والمُتخيل، وبين الثابت والمتحول". كيف يُناسِب هذا الفيلم؟ هذا لا يُهِم الفنون اللبرالية.

وبخصوص اللقطات القريبة، فإنني أسمع صوت الشخص نفسه - الذي يُدرس، أياً كان اسمه أو لونه أو جنسه أو عمره، فهم يصنعونهم بالجملة، بمختلف المقاسات والألوان - وهو يتحدث عن "حميمية اللقطات القريبة، وربط المشاهدين بوجه الشخصية الرئيسية". 

وبالتأكيد، فإن البطلة السوداء الطفلة، واختيار المكان، هي كُلها من كليشيهات التعليم الليبرالي الذي لديه تعريفات في الكُتب لما يصنع فيلماً مُختلفاً، ويتبعها المخرجون بالمللي: بطلة من المهمشين، مجتمع عشوائي، في منطقة ما بعد الكارثة. وقد قيل بأن لويزيانا ابتُليَت بما هو أمرُ وأنكى من كاترينا، فبعده اجتاحها طوفان من صُناع الأفلام الليبراليين من نيويورك وما حولها، ليبحثوا عن "القيمة السردية الحقيقية" للكارثة، وعن "قصص الناس الحقيقيين العاديين غير المصقولين الذين يختلفون عمّا تُقدمه هوليوود القبيحة"، وعن "الأبطال الملونين الحقيقيين لأمريكا، وجوهر أمريكا السوداء".


كليشيهات
يُقال إن الأفلام التي تُنتج بعد حدثٍ مُعين تكون ركيكة ومليئة بالكليشيهات، وإنّه يُفترض أن ينتظر المرء حتى تنضج التجربة أكثر. لكن هذه ليست قاعدة أبداً، وفيلم "وحوش البرية الجنوبية" لم يستفد من السنين التي تفصلنا عن كاترينا ليصنع تجربة ناضجة تخلو من الكليشيهات، بل إنّه كان تلميذاً نجيباً للفنون الليبرالية، فأخرج كُل الكليشيهات البلهاء التي تُعيدها هوليوود الآن إلى الواجهة، بعد أن ظن المرء أن فهم الناس للفنون قد تطور. كذلك، فإن الفيلم يستفيد من الهجرة الجنوبية في هوليوود حالياً ("جانغو طليقاً" و"مخلوقات جميلة" مثلاً).

وإذن، فالفيلم يجتر العديد من المقولات العُنصرية، ويُعيد الكثير من الكليشيهات البصرية والسردية. وأكبرها، كليشيه المتوحش النبيلNoble Savage   فهش بابي وأبوها وقومها متوحشون نُبلاء تزحف عليهم الحضارة من الناحية الأخرى للسد، فتدمرهم، مع أنحياتهم الأصلية سعيدة، ومُكتفية ذاتياً، فهم يقضون النهار في صيد السلطعون والجمبري بوفرة، والليل في الاحتفال وعمل المهرجانات. (مع أن صيد السلطعون والجمبري يحتاج إلى مُعدات صيد ومراكب صيد أكثر قوة ومتانة مما يُظهره الفيلم، ويحتاج إلى الخروج إلى عرض البحر، لا الصيد قريباً من حوض الحمام.

ويصور الفيلم مسؤولي لويزيانا على أنهم الأشرار من الناحية الأخرى للسد الذين يُريدون تدمير مُجتمع حوض الحمام، مع أنّه لا يوضح كيف هُم أشرار؟ فهم يُقدمون العلاج لأبي هش.بابي، ويلبسون هش بابي ورفاقها ثياباً معقولة. ويبدو أن الفيلم يعترض على أن مسؤولي لويزيانا "الأشرار" لا يريدون لمُجتمع حوض الحمام أن يبقى حيث تموت الحيوانات وتتعفن، وينطلق الأطفال في الطبيعة من دون أن يعتني بهم أحد، ومن دون أن يكون لهم مُستقبل في عالمٍ ستُزيله أي عاصفة مُزمجرة.

والفيلم يُصور عاصفة بالفعل، تتسبب في تدمير المُجتمع أكثر، لكنها ليست عاصفة استوائية من العواصف الكُبرى التي تضرب لويزيانا، وكانت لتمحق حوض الحمام وما وراء السد. ويُصور رجال حوض الحمام يُدمرون السد برفقة هش.بابي، لأنّه يُغرِق مساكنهم بالمياه - من دون أن يكون واضحاً كيف يفعل ذلك، فالسد يحجز الرياح.
كما أنّه يصور مشهداً عجيباً، يُمسِك فيه أبو هش.بابي بسمكةcatfish -  نوع من سمك القرموط - بيدٍ واحدة، بمجرد أن يغطس ساعده في الماء - وليس ذراعه بأكملها - ويصور هش.بابي تمزق السلطعون النيء بيديها وتأكله، من ضمن مشاهِد عديدة تصرخ: "أنا نيويوركي مُرفه مُغامرة حياتي الكُبرى شراء طعامٍ صيني من تشايناتاون، ولا أستطيع أن أتوقف عن الانبهار بهؤلاء السافج الذين يأكلون الزلط!".

مشاهد الوحوش - وحوش البرية الجنوبية - تُذكِر بفيلم "حيث تعيش الأشياء البرية" Where the Wild Things Are   من دون أي تجديد أو ابتكار، وتعمل وفق نموذج المعادل الموضوعي: عاصفة ضربت المكان وحوض الحمام يتداعى؟ صور مجموعة من الخنازير البرية العملاقة تُدمر المنطقة. الأب سيموت وهش.بابي تشعر بالذنب لأنها ضربت صدره؟ صور خنازير برية تأكل آباءها.

هش.بابي تارة تضرب أباها وتُسقطه أرضاً فيوشك على الموت - وحينئذٍ يُصوِر المُخرج انهياراً جليدياً، وهذا تصوير معقول لتأثير سقوط الأب على الفتاة. إن العالم ينهار، لكن موقف هش.بابي من الموت موقفٌ "تقدمي" نسبياً، فإذا مات أبوها، فإنّه سيصير جزءاً من الطبيعة، من دورة الكون، وهي أيضاً ستموت وستصير جزءاً من طبيعة الكون. ثُم تُحذِر الخنازير البرية بحمائية من أن البشر ليسوا كالخنازير البرية التي تأكل أباءها.

مع ذلك، يبقى ميتافور الفيلم مهزوزاً، فهو يحاول أن يخلق تأثيراً مشوشاً شبيهاً بالحُلم عندما يختفي الأب ويعود، باستمرار، لكنّ الإيقاع يختل، فهل مات الأب وتحول إلى جزء من البرية؟ لا، لم يمت، مع أن مشاهد ركض هش.بابي لتأتي بالعلاج وتعود إليه كانت توحي بذلك. والفيلم يلعب هذه اللعبة طوال الوقت: هل مات الأب؟ "خلاويص؟ لسه. خلاويص؟ لسه." 

وهو يحاول أن يربط موت الأب بانهيار حوض الحمام، لكنّه لا يُفلح في ذلك لا عن طريق الإيقاع، ولا عن طريق التصوير، ويبقى مهزوزاً ما بين أن يُقدم مشاهد تبدو "شاعرية" بمفردها، وما بين أن يعيد ربطها بسياق الفيلم، فيخرج بشيء شبيه بمبدأ سُلطان السكري في مسرحية "العيال كِبرت": "هي سليمة، بس كل حاجة لوحدها". ويبقى استخلاص العلاقة بين موت الأب وبين ما يحدث خاضعاً لمدى معرفة المشاهد بالعقلية التي يعمل عن طريقها خريجو الفنون الليبرالية، أو لممعرفته بالربط الكليشيهاتي بين موت الأب وانهيار العالم عموماً.

المشهد الذي يحكي فيه الأب لهَش.بابي - وكل مواطني حوض الحمام تقريباً - عن كيف حملت أمها بها، يُنبئ بأن هوليوود قد وجدت مُخرجها البرفرت الجديد pervert، وهو برفرت كليشيهاتي، فهل هناك ما هو أكثر كليشهاتية من السروال التحتي الأبيض وقطرات الدم - من التمساح المقتول - عليه وعلى فخذي المرأة؟ وهل هناك ما هو أكثر كليشهاتية من دماء وسبطانة بُندقية للإغواء؟ إذا كان لا بُد لهوليوود من مُخرج برفِرت، فإن عليها أن توسع خيالها أكثر، ومداركها أكثر، وتكف عن الكليشيهات.

وغير أن الفيلم يُقدم عقلية برفرت، ويبعث كليشيهاتٍ قد علاها التراب، وبعضها عُنصري مثل ميتافور المتوحش النبيل، فإنّه يخلط مفاهيمه بشكلٍ لا يخلو من عنصرية ومن ميزوجينية معاً:

اسم الفتاةHushpuppy   إسمٌ لوجبةٍ أمريكية شائعة في الجنوب تُصنع من خُبز الذرة، وتسمية الفتاة على اسم الأكلة لا يعني شيئاً في الفيلم، ولا علاقة له إطلاقاً بالحكاية التي يحكيها الأب عن الحمل بهش.بابي وميلادها. غير أن المخرج - بسبب الميتافور المهزوز لديه - يحاول أن يربط كُل شيء في النهاية، فيجعل هش.بابي تذهب إلى ماخور بحري اسمهCatfish -   إشارة للسمكة التي أمسكها الأب، لكن كلمة "كاتفِش" في أمريكا لديها معانٍ كثيرة مُتناقضة، والمشهد كُله إشارة ميزوجينية وكليشهاتية في الوقت نفسه - وتجد هناك طاهية سوداء تطهو لها لحم تمساح - قصة الأم - مع هش.بابي، وحين تعود إلى حوض الحمام، فإنها تُطعِم أباها المُحتضِر الهَش.بابي.

ما معنى هذا؟ خصوصاً، مع مونولوغ "نحن لا نأكل آباءنا مثلما تفعلون". هل يعني هذا أن فصيلة البشر تأكل أبناءها؟ ولا هذا أيضاً. ميتافور الفيلم مهزوز، مثل التعليم الليبرالي الذي ينطلق منه، فهو يأخذ ظواهر الأشياء من دون تفكير حقيقي.


أشياء جيدة
بالرغم من أن الفيلم رديء في بنائه، وفارغ من الدلالة، فإنّه لا يخلو من نقاطٍ جيدة. تمثيل الممثلين في الفيلم جيد. وثمة مشهد جميل في الفيلم، حين تسير هش.بابي وخلفها وحوش البرية الجنوبية وقد دانت لها. ولمحبي المشاعر الفياضة، فإن الفيلم - آخر الأمر - عن موت الأب، مما يضيف حمل مشاعر إلى الفيلم، وهواة البكاء في السينما سيجدون فرصة جيدة فيه.

القيمة الإنتاجية للفيلم عالية، لكن الفيلم تكلف مليوناً وثمانمائة ألف دولار، لذلك فإن هذه ليست مفاجأة حقاً. ثمة أفلامٌ كثيرة تُنتج بـ"ملاليم"، ولديها قيمة إنتاج مُشابهة.

وعلى الرغم من أن هش.بابي ليس لديها أفكارٌ خاصة بها، وطوال الفيلم فإنها تُردد ما يُعلمها إياه أبوها ومجتمع حوض الحمام، إلا أن استماعها لدقات قلب الحيوانات، ومن ثم دقات قلب أبيها كان مناسباً للشخصية


لمن تُقرع الأجراس؟
مليون وثمانمائة دولار "ملاليم" بمقاييس هوليوود، التي تدفع مئات الملايين ليُحقق مُخرجٌ شيخ فانتازيا عن صانع أفلامٍ يصنع رجلاً آلياً لا يفعل غير إعادة رسم رسوماته إلى ما لا نهاية، أو ليُحقق مُخرج شائخ آخر فيلماً عن طفل وكلب زومبي يعود به إلى بداياته هو.

لكن مليون وثمانمائة دولار مبلغٌ طائل بمقاييس العالم الحقيقي - المُصطلح الذي سيعترض عليه خريجو الفنون الليبرالية - وبمقاييس السينما المُستقلة التي يُفترض أنّه يأتي منها، وسينمائيو نيويورك المستقلون عادة يضطرون لخوض مفاوضات طويلة للحصول على ألف دولار، أو معونة تأجير معدات، أو.... هذا، وهم أثرى - نسبياً - من صُناع الأفلام في المُدن الأخرى. الأمرُ الذي يبعث على التساؤل حول تمويل الفيلم وتسويقه والمقصود به.

وسيلة معقولة لقياس صورة الفيلم في هوليوود معرفة أكثر الكلمات تكراراً في وصف الفيلم في المُراجعات التي تمدحه، بعيداً عن المُصطلحات العامة مثل: "عظيم"، و"مذهل"، و"مؤلم". ثمة مُصطلح يظهر في كُل مقالةٍ مدحت الفيلم وصلتُ إليها.

 poetic ومعناها  "شعري"، وهذا من أسوأ الأوصاف التي خرج بها النُقاد والسينمائيون الأمريكان، إن لم يكُن الأسوأ، وأكثر المُصطلحات التي تُستخدم لوصف الأفلام عبثية. ما معنى أن يكون الفيلم "شِعري"؟ بِل نيكولز واحدٌ من أشهر من حاولوا إيجاد تعريف للأفلام الشعرية، لكنّه يعجز عن إيصال معنى منطقي لما هو شعري في الفيلم. وما يخلص إليه إلى أن الفيلم الشعري يتشارك مع الفيلم الطليعي"avant-garde"   في أنّه لا يهتم بالوحدات المنطقية للدراما. كما أنّه يُشير بوضوح إلى أن الفيلم الشعري لا يكترث بالمُجتمع وما يجري فيه بل بتصوير المكان بالدرجة الأولى. 

وتُستخدم هذه الكلمة بكثرة بوصفها كلمة هروبية عندما يعجز الناقد - أو صانع الفيلم نفسه - عن إيجاد كلمة يصف بها الفيلم. مثلاً، فيلم "شجرة الحياة" لتيرانس ماليك مليء بالتكوينات البصرية التي تحاول الإيحاء بفكرة الخلق، ولا يعرف الناقد ماذا يستنتج منها بالضبط؟ ليسمها "تكوينات شعرية". فيلم مايكل هانكه الأخير، "الحُب"، فيلم ثقيل الوطأة وإيقاعه ساكن وفيه بطلان مُسنان ويتحدث عن حبٍ قديم لكنّك لا تعرف كيف تصف إيقاعه؟ سمه "الشِعر الخشن" - وهذه ليست من عندي، بل قرأتها فعلاً. ومن باب الاحتياط، صِف أفلام هانكه وماليك جميعاً  بأنها "شعرية".

لكن "شعري" لها معنى آخر لا يرتاح إليه المرء، ولعل أصوله تعود إلى فيلم روبرت فلاهرتي، "رجل آران" (1934)، الذي وُصِف بأنّه "شِعري"، بسبب طبيعته التي لم يُقصَد أن تكون وثائقية، وفي الوقت نفسه ليست خيالية. مُنذ ذلك الحين، صارت كلمة "شعري" شيفرة في الكتابات الأمريكية تعني: الفيلم الذي يدور حول شخصياتٍ تعيش في فقرٍ مُدقع، تحت رحمة الطبيعة، ولا تكاد تملك شيئاً، لكن الفيلم يُراقبها بشكلٍ مُحايد، ويحاول أن يُظهِر أن حياتها البائسة تجسيد للصمود البشري في مواجهة الطبيعة، مُتجنباً تقديم أي شكلٍ من النقد للنظام القائم الذي تسبب في وجود هذا النوع من الفقر، ومُخففاً عن ضمير مُشاهديه الذين يعيشونفي منازل مليئة بأسباب الراحة والترفيه، وفي مُدن مليئة بالمُنشآت الصحية والتعليمية والترفيهية، بأن هؤلاء المحرومين يعيشون حياة مُدهشة وغنية روحياً، وإن لم يكونوا يملكون شيئاً

وفيلم "وحوش البرية الجنوبية" فيلم شعري بهذه المقاييس، فهو مُصمم لمُنتجي هوليوود الذين يبحثون عن أصواتٍ جديدة للدراما الاجتماعية تُناسِب الليبراليين مِن حيث حديثها عن المهمشين، وجلبها أبطالاً ملونين إلى بؤرة الفيلم، وذمها للحياة التي فيها أسبابٌ للراحة. وفي الوقت نفسه، فإن هذه الأصوات لا تُقلق المُحافظين بالحديث عن الإفقار المنهجي، والانفصال بين طبقات المُجتمع. بل إنها تدعم أفكار المحافظين الذين يرون إنّه ليس على الحكومة أن تتدخل لمحاولة تحسين حياة الأفراد، وإن كُل امرئ لنفسه.

وجمهور "وحوش البرية الجنوبية" هم طبقة المثقفين المدنيين - سُكان المدينة - ذوي الميول المنفتحة اجتماعياً - من البيض تحديداً - الخارجين حديثاً إلى سلك العمل أو في مُنتصف حياتهم المهنية. هذه شريحة جمهور الفيلم التي يُخاطِبها مُستخدماً كُل كليشيهات الفنون اللبرالية، وهذه نفسها الشريحة التي تُهلل له.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة