فريدة النقاش
” الإشراف على المحتوي الدرامي ” ، لفت نظري هذا النص الغريب الذي تصدر مفردات مقدمة أحد أكثر المسلسلات التليفزيونية مشاهدة ،
وهو مسلسل يتكرر عرضه بسبب شعبيته الكبيرة ، ويذكرنا بند الإشراف على المحتوي الدرامي هذا بإحدى الضوابط التي وضعها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والتي تقول ” عدم تقديم محتوى من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة للمجتمع ومؤسساته ومعتقداته الدينية ” كما يذكرنا بما يدور هذه الأيام من فحص للهواتف النقالة لمن اعتقلتهم السلطات مؤخراً . والقراءة الأمنية لما يكتبونه على وسائل التواصل الإجتماعي ، ومحاسبتهم على هذه الكتابات بزعم أنها تحريض لا فضفضة . أو تعبير عن آراء غير مسموح بإعلانها عبر المنصات الإعلامية المتاحة ، وذلك بعد أن تراجعت إلى الحد الأدنى المساحة المتاحة للخلاف في الرأي الذي من المفترض أنه لا يفسد للوطنية قضية ، بل أكاد أقول أن مثل هذه المساحة قد أغلقت بالضبة والمفتاح .
ومثل هذا الإغلاق للمجال العام ومراقبته بقسوة وغشومية هو ما دفع بالملايين من المصريين لمشاهدة فيديوهات الممثل المغمور التافه وهو أيضا المقاول الذي راكم ثروة هائلة من العمل مع القوات المسلحة في المشروعات التي تتولاها ، ولأنني لم أشاهد هذه الفيديوهات التي حاصرني الحديث عنها في كل مكان ، شعرت بالغربة .
فزعت أيضا حين استمعت إلى لواء في الشرطة يحاضر في أكاديمية ناصر وهو يشرح لمذيعة سبب إلقاء القبض على الدكتور ” حسن نافعة ” أستاذ العلوم السياسية ، وذلك حين قال اللواء إن ” نافعة ” كان يستعد لإجراء مداخلة على قناة الجزيرة ، قد يحرض فيها على التظاهر ، أي أن تفاقم سلطة الأمن وصل إلى حد المحاسبة على النوايا ، ولا أعرف كيف سوف تتصرف النيابة مع هذه الصيغة من التغول الأمني ، وإنتهاك الحريات العامة وحتى الشخصية ، وإشاعة الخوف ، وهو وضع يشعل المزيد من الغضب ، ويضاعف آلام جماهير عريضة يتزايد كل يوم عجزها عن العيش بأمان ، وحرية ، فضلاً عن تلبية احتياجاتها الأساسية الأولية الذي يزداد الوصول لها صعوبة كل يوم أيضا .
أستعير من رئيس وزراء لبنان ” سعد الحريري ” ذلك التعبير البليغ أي ” النأي بالنفس ” واستخدمه على العكس تماماً من استخدامه له إذ كان يريد منه أن يبحر بسفينة ” لبنان ” بعيداً عن عواصف بحر إقليمي غاضب .
وأقول إن لسان حال كثير من المواطنين يقول في مصر الآن : أبعد عن الشر وغني له خوفاً من الاحتكاك بالسلطة أو الاقتراب منها ، ولا يدرك القائمون على الأمر حجم الخسارة التي تصيب الوطن لأن الفعالية الجماهيرية المبدعة تجمد نفسها عمداً وخوفاً في كل المجالات ، وتترك الساحة للمتسلقين والمطبلين المزمرين ليملاؤها صخباً ، وهو طحن بلا عجين كما يقال ، وإن كانت المظاهرات المحدودة التي خرجت في بعض المدن قد أصابتهم بالفزع .
والخوف من الحرية ـ التي تفضح خواءهم ـ هو شيمة هؤلاء المتسلقين الذين يناصبون السينما العداء ، كما يقول الزميل الناقد ” طارق الشناوي ” ويضيف : إن على السينمائي المصري الآن ” أن يثبت في كل لقطة ولاءه للنظام ” بينما يتشدق المطبلون بأن قوة مصر الناعمة هي قوة نافذة ، متجاهلين أن الكثير من مهرجانات السينما ، وآخرها ” الجونة ” لم يتقدم لمسابقاتها فيلم مصري واحد ، وليس هذا إلا جانباً واحداً وجزئياً من تغييب الفعالية المبدعة للمصريين ” .
ولعلنا نذكر تساؤلات مشاهدين كثر إعتادوا أن يشاهدوا المسلسلات التليفزيونية في شهر ” رمضان ” بخاصة : لماذا تشابهت المسلسلات والتي تناقضت أيضاً بشكل ملفت للنظر وهو تشابه يصب كله في ” النأي بالنفس ” عن أي قضية حقيقية من القضايا الكبرى التي تواجه مجتمعنا وتتوجه كل المسلسلات ـ بشكل يكاد يكون مقصوداً ـ صوب اللامعنى .
وهكذا ينزلق ” الإشراف على المحتوى ” صوب مسارات جانبية بعيداً عن المجرى الرئيسي ، ولا يندر أن يغازل بعض الضغائن الدفينة المقموعة في اللاوعي ، والتي تجذر الروح الطائفية والفئوية والعنصرية ، وهي تنخر في بعض العقول والنفوس التي ضربها التطرّف الديني والأفكار العنصرية ، ومعاداة النساء ، والاستخفاف بهن وبقدراتهن ، وهو ما إنحدر إلينا من قديم الزمان ، ولم تكنسه الحضارة ولم تفضحه الحرية .
لم يخسر المواطنون وحدهم جراء تجميد الفعالية ، بل خسر أيضا المشروع الوطني الديموقراطي الذي رفع شعار الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة في موجتين مجيدتين من موجات الثورة في 2011 ، 2013 ، وأصبحت هذه الموجات تسمى الآن بالفوضى على أمل أن تنمحي من ذاكرة المصريين كل إسهامات فعاليتهم حين تحررت وكسرت القيود ، وأبدعت أساليبها ، طرائقها وأهدافها ، وبلورت شعاراتها.
ويخطئ من يظن أن هذه الجماهير التي استكانت ـ مؤقتاً ـ للنأي بالنفس سوف تنسى أهدافها ، أو تنسى قدرتها على العمل ، والإبداع لمجرد أن موجة عاتية من الإرهاب ، والأعتى منه الاكتفاء بالمواجهة الأمنية قد هبت عليها كعاصفة ترابية تحجب الرؤية وتجثم على الصدور كريهة وثقيلة ، فلهذه الجماهير المجهدة فعاليتها أقنية أنشأتها ، بل أقول غزلتها على امتداد الزمن لتفصح عبرها عن مكنوناتها وأهدافها كلما ضاق عليها الخناق ، فهناك بعض أحزاب وجمعيات ونقابات ومجتمع أكبر وأوسع من كل سلطة وحزب .
واليوم يطرح حزب التجمع الوطني التقدمي وهو أحد هذه الأقنية دعوة ثلاثية ليناضل من أجلها : إستعادة حلف 30 يونيه الذي تفكك ، والتحضير الجدي لمؤتمرين أحدهما اقتصادي والآخر سياسي ، نعيد عبرهما ترتيب أولولويات المشروع الوطني ونستعيد روح الثورة المجيدة





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق