حمزة عليوي
« كارلوس زافون «ظل الريح
(في امتداح كارلس زافون ورثاء الكاتب الذي مات بداخلي)
لا أتذكَّر الآن متى اتَّخذت قراري. أرجح الظن أنه لم يكن قرارا، كان مجرد إحساس مريع بالفشل تسرب تدريجيا وارتقى ليتشكَّل بصيغة قرار غير معلن. في صباح بعيد لم أعدّ أتذكَّر الآن إن كان باردا أم دافئا، مشمسا أم غائما، بل إني لا أتذكَّر بالضبط هل كان الزمن صباحا أم مساءً، في ذلك الزمن المفتوح على أوهامي وخزعبلاتي، وقررت أن مياهاً جديدةً كانت تسير دائما في النهر. كان أحدهم، صوت في داخلي، من مكان بعيد في روحي، قد قرَّر نيابة عني: «إن الله لا يريد لك أن تكون كاتبا. لقد قرَّر أمرا آخر بشأنك.. فلا تعاند، ولا تماحك، ولا تكذب على نفسك وغيرك بالمكابرة!»
كان قرارا نهائيا. قرار تنفَّسته كما لم أفعل من قبل. وقفت هناك، أمام نفسي، تأملتها طويلا، وأخذت نفسا عميقا، وقلت لها: الآن انتهى كلُّ شيء.
هذه الأسئلة، هذه الاحتدامات، هذه الحيرة، كانت معي وأنا أقرأ لأسبوع كامل رواية كارلوس زافون،«ظل الريح.»
جملتي الأولى كانت ببساطة أشبه بشهقة: أحمد الله كثيرا؛ فلم أعدّ كاتبا لأتحسر على أني لم أكتب هذه الرواية العظيمة. ماركيز العظيم نفسه كان قد قالها يوما: تمنيت لو أني كاتب رواية الجميلات النائمات!
نعم، أسبوع كامل كنت أقتصد بكلمات الرواية بصفحاتها الخمسمئة وإحدى وعشرين صفحةً. كنت أقرأ باقتصاد بالغ، خمسون صفحة لليوم الواحد. هي قسمة عادلة بعد مئة صفحة التهمتها في أول يوم. قلت لنفسي: لنكن منصفين مع زافون. لابد من الإنصاف؛ فمن صنع هذا الجمال العظيم بسنوات وتعب وعبقرية يستحق أن نقرأ له عمله بهدوء وتلذذ. وهذا ما لم أفعله من قبل سوى مع «الحبِّ في زمن الكوليرا.» قرأتها في ثلاثة أيام. يومي الأخير معها كان في بغداد، في عمارة طلاب عرب بالبتاويين. طرقت ظهرا شقة الصديق، ولا مجيب. دارت عيني في المكان فوجدت سلما يصعد إلى السطح. على أول سلمة تصعد إلى السَّماء جلست هناك. وضعت سكائري وبدأت أقرأ. بعد ساعة، ثلاث، عشر، لست متذكِّرا، رفعت عيني، وكان ماركيز قد نفض قلمه من الكلمة الأخيرة. كان الشَّباك أمامي يدلق علي ظلاما كثيفا. وكان صديقي يغطُّ بنوم عميق بعد الثالثة فجرا.
* كاتب عراقي.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق