*شاكر الناصري
النبيذة» إنعام كجه جي»
كتب كثيرة تتمنى ألا تصل إلى خاتمتها وطي صفحتها الأخيرة. وأن تمتد صفحاتها أكثر مما قررته
الكاتبة أو الكات. " النبيذة" رواية إنعام كجه جي، واحدة من الروايات والكتب التي تنتمي إلى هذه العينة من الكتب. رواية فيها الكثير من المتعة والحسرة وتقليب المواجع وبسرد باذخ الجمال يتعقب مصائر الشخصيات التي تمحورت حولها الرواية، تاج الملوك، ومنصور البادي، ووديان هذه الشخصيات التي خلقتها كجه جي بمهارة نحات بارع.
العراق، هو الخيط الرابط في كل روايات كجه جي، بل هو البطل الحقيقي في كل ما كتبت، وفي كلّ مرّة تدفع القاريء، ليكتشف مدى تعلقها وحبها لبلدها، بدجلة والفرات، بالنخيل والغناء الموجع والأرواح التي تهيم ما أن تغادر تلك الأرض، فتتحول إلى كتلة عابسة من الخذلان والكوابيس والاشواق التي تتبخر تباعاً. بالأمثال الدارجة واللهجة الشعبية المحببة.
النبيذة وروايات إنعام كجه جي الأخرى، تصلح لأن تكون وصفة لكل من يعاني من أزمة ارتباط مع بلده ووطنه الأم، فمن يقرأ هذه الرويات سيعيد الإعتبار لنفسه، ويعيد اكتشاف علاقته بالعراق، بكل ما فيها من شجو. وويلات وحروب ومنافي ودموع وحنين وخذلان... الخ، لكن الأكيد، انه سيحب العراق كما لم يحبه من قبل.
"ذات صباح غائم من أوائل تسع وأربعين، ومن راديو كراتشي النّاطق بالعربيّة، أذاعت تاجي عبد المجيد خبَر إعدام الشّيوعيّ العراقيّ سلمان يوسف، المعروف بفهد. ورفيقيه زكي بسيم وحسين الشبيبي، المعروفين باسميهما الحركيّين حازم وصارم. صوتها عميق ومُحايد غريب على أذنها. خلعت حنجرتها رنينها الطبيعي. قرأت الخبر بدون روح. بنبرة خشنة مثل حبل مشنقة. نفرت دمعتها بعد انطفاء الميكرفون. مسحتها قبل أن تخرج من الاستوديو. التأثّر شبهة. وشبهاتها تكفيها. مضت إلى المغسلة وصوبنت كفّيها عدة مرات من دماء لا تُرى بالعين المجردة" (إنعام كجه جي، النبيذة، دار الجديد، ص161- 162)
كاتب عراقي يقيم في الدانمارك.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق