ارتبط سباق التسلح تقليدياً بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي السابق، وكانت تستهدف أمرين؛ من ناحية ألا يسمح أحد الأطراف للطرف الثاني بالسيطرة على النظام الدولي، ومن ناحية أخرى، استقطاب أكبر عدد من الدول النامية إلى جانبه في معركة قادمة لا أحد يعرف موعدها، من ثم؛ كشفت الدولتان قدراتهما العسكرية، ثم تحولتا من السلاح التقليدي إلى السلاح النووي، وانتقل معهما النظام الدولي من توازن القوى، إلى توازن الرعب النووي.
لما كان من الصعب، وربما من المستحيل، دخول الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، في حرب نووية مباشرة؛ فقد اتخذا عدة سياسات استراتيجية مهمة، فمن ناحية، أنشأت الولايات المتحدة حلف شمال الأطلسي/ الناتو، ليس لحماية أوروبا فقط، وإنما أيضاً لمنع توسع الاتحاد السوفييتي فيها، ما دفعه لإنشاء حلف وارسو. ومن جانب آخر، سخر كل منهما حلفاءه للدخول في حروب بالوكالة، حدث ذلك في شبه الجزيرة الكورية، وفيتنام، والشرق الأوسط، ونظراً للخوف من التمادي في امتلاك الأسلحة النووية وانتشارها بين فاعلين دوليين آخرين، قررا الدخول في مفاوضات للحد من الأسلحة النووية لديهما؛ فتم التوقيع على «سولت 1»، و»سولت 2»، و»ستارت 1»، و»ستارت 2»، ثم التوقيع على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية، التي لم تمنع دخول دول أخرى إلى النادي النووي، منها؛ الصين، والهند، وباكستان، و»إسرائيل»، وإيران.
بيد أن سقوط الاتحاد السوفييتي، 1991، وقيادة الولايات المتحدة للنظام الدولي، دفع إلى تفاؤل دولي بالتحول من توازن الرعب النووي إلى التعايش السلمي، ونبذ استخدام الأسلحة أيّاً كان نوعها، إلا أن تفجيرات 2001 في الولايات المتحدة دفعتها إلى اتخاذ قرارات استراتيجية كان لها أثر كبير في العودة مرة أخرى إلى أجواء الحرب الباردة، وما بين احتلال أفغانستان والعراق، ومحاولة تفتيت سوريا من جانب، واحتلال روسيا لشبه جزيرة القرم وتهديدها لأوكرانيا، من جانب آخر، فضلاً عن قيام الولايات المتحدة بنشر أسلحة ونظم دفاعية متطورة على حدود روسيا، كل ذلك دفع بروسيا إلى محاولة تحديث وتطوير قدراتها النووية.
ومثَّل انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة الطامة الكبرى على النظام الدولي، إذ صرح أثناء حملته الانتخابية بأنه سيطور القدرات النووية الأمريكية بصورة تعجز روسيا والصين عن ملاحقتها، وقد فعل؛ فمن ناحية، وافق الكونجرس على زيادة الميزانية العسكرية بنحو 54 مليار دولار عام 2017، كما وافق على تخصيص 1.7 تريليون دولار لتجديد الترسانة النووية خلال الثلاثين عاماً المقبلة، ويتم التركيز على أنواع فائقة التطور من الرؤوس النووية، مثل؛ سوبر فيوز، وصواريخ هايبر سونيك، التي تصل سرعتها خمسة أمثال سرعة الصوت، وفوق ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من اتفاقية الحد من الأسلحة النووية مع روسيا.
وفي الوقت ذاته، ردت روسيا على ذلك بإنتاج جيل جديد من صواريخ كروز، وصاروخ تورنادو/ يوم القيامة الذي يتمكن من اختراق أنظمة الدفاع الأمريكية، وصاروخ «سارمات 28» العابر للقارات، الذي يصل مداه إلى 10 آلاف كم، وصاروخ «ساتان 2 «، و»كينيشال أفانجارد» الذي تصل سرعته عشرة أمثال سرعة الصوت، هكذا؛ دخل العالم في حرب باردة جديدة تختلف عن الحرب الباردة الأولى من زوايا عدة؛
أولاً- لم يعد التنافس بين دولتين فقط، بل امتد إلى دول أخرى، كالصين وألمانيا، فضلاً عن فرنسا.
المهم هنا أن الصين، وهي العملاق الاقتصادي، دخلت في هذا السباق النووي إلى الحد الذي دفع بالرئيس ترامب لإخلاء بحر الصين لمصلحة الصين استراتيجياً وعسكرياً، ثم ألمانيا تعود إلى السباق النووي بعد أن حققت معجزة اقتصادية، من ثم؛ تصير الدولة الأوروبية الرئيسية في السنوات المقبلة، وفوق ذلك؛ فقد أفصحت استراتيجية الدفاع الوطني الصادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية في يناير/ كانون الثاني 2018 على أن التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة ليس الإرهاب، وإنما القدرات النووية الروسية والصينية، كما صرح وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس، في فبراير/ شباط 2018 بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الدخول في الحد من السلاح النووي، بينما روسيا والصين تطوران ترسانتيهما النوويتين.
ثانياً- لم تعد الدول الكبرى المتنافسة نووياً تلجأ إلى الحروب بالوكالة، بل صارت تدخل إلى الحرب مباشرة، وبكل قدراتها؛ فقد استخدم ترامب أُم القنابل في أفغانستان؛ فقام بوتين بالإعلان عن «أبو القنابل»، التي تفوق في قدراتها التدميرية القنبلة الأمريكية؛ فقامت الولايات المتحدة بإطلاق 59 صاروخ توماهوك ضد سوريا؛ فما كان من بوتين إلا واستخدم الروبوتات للخلاص من «داعش» والمنظمات الإرهابية التي تقاوم النظام السوري، وصارت السيطرة على الأرض، وهي استراتيجية تقليدية، أولوية لروسيا خصوصاً في سوريا.
ثالثاً- ارتبطت الحرب الباردة الجديدة ليس بإنتاج السلاح فقط، ولكن أيضاً بتجارته الدولية، إذ تسيطر الولايات المتحدة على نحو 57.9% من صناعة السلاح في العالم، وتستحوذ على ذلك أربع شركات أمريكية كبرى هي لوكهيد، بوينج، ريثيون، ونورثروب. صحيح أن الولايات المتحدة لم تعد تحتكر التجارة الدولية للسلاح بعد أن دخلت روسيا والصين وفرنسا بقوة إلى السوق الدولي للسلاح، كما زاد دور ألمانيا أيضاً، وإذا كان حجم التجارة الدولية للسلاح سنوياً يقرب من 100 مليار دولار؛ فإن نصيب الولايات المتحدة يناهز 33%، والأهم من ذلك، أنه يتركز في الخليج والوطن العربي.
وفي هذا الإطار، ونظراً للحساسية المرتبطة بتكنولوجيا السلاح الجديد، ورغبة كل طرف في اختراق تكنولوجيا الآخر؛ فإن الولايات المتحدة تشعر بالغضب تجاه أقرب حلفائها، حينما يتعلق الأمر بعقد صفقات أسلحة مع الدول الكبرى المتنافسة، خاصة روسيا والصين؛ فحينما عقد أردوغان صفقة صواريخ إس 400 الروسية المتقدمة، وكان على وشك منح الخبراء الروس عقد صيانة الطائرات الأمريكية المتطورة لديه، غضب ترامب، وفرض عقوبات تجارية كادت تودي بالاقتصاد التركي، وقد وصلت هذه الرسالة إلى حلفاء الولايات المتحدة الآخرين.
فما هي الآثار التي يمكن أن تنجم عن سباق التسلح الجديد بين القوى الكبرى في النظام الدولي؟ لا يستطيع ترامب تحقيق العزلة الأمريكية كما كان يريد، وإلا قفزت روسيا والصين وألمانيا وغيرها، إلى قيادة النظام الدولي، من ثم؛ ستظل الولايات المتحدة متورطة في الصراعات الإقليمية، وربما تؤججها تحقيقاً لمصالحها القومية، ومصالح حلفائها، خاصة «إسرائيل»، ومن جانب آخر؛ فإن حيازة الأسلحة النووية المتطورة والمدمرة لا شك تعطي الدول المالكة لها مكانة متميزة في النظام الدولي، وفي الوقت الذي يؤدي فيه ذلك إلى التعددية القطبية؛ فإنه سيدفع بالقطع إلى تغيير نمط التحالفات الدولية، كأن يتم التعاون أكثر بين روسيا وألمانيا، والصين وكوريا الشمالية، ويمكن أن يتطور دور الصين من قوة اقتصادية وتجارية إلى قوة عسكرية، ليس في بحر الصين فقط، ولكن أيضاً في إفريقيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية.
إن سباق التسلح الراهن الذي يضر بالاستقرار الدولي، لن ينتهي سلمياً، ولن يدخل أطرافه في اتفاقات للحد منه، بل سيزيد بتطور التكنولوجيا وإتاحتها لأطراف أخرى في النظام الدولي.
24a6-4ca3-8b47-3e7c28ae07af#sthash.TcvSvqYy.dpuf





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق