لمن يكتب الشعراء ؟؟

. . ليست هناك تعليقات:



حروفية لوائل رمضان (الفيسبوك)


 بقلم : علي فايز
كاتب من العراق


تشكّل سؤال في ذهني ما انفكَّ يطاردني مذ كنت طالبًا في المرحلة الثانوية إلى يومنا هذا، كيف للشاعر الذي يحزن على سحق نملة ولا يجرأ أن يطردها من خوانه ويتغنى فيها بقصائده أنْ يكتب الشعر في ذات الوقت لتمجيد الديكتاتور الذي يشرب دَمَ شعبِه ويوظف وجود الناس وكرامتهم مِنْ أجل حروبه الحمقاء؟! هل خلق الله للشاعر قلبين في جوفه قلب كقلب الحلاج يرثي فيه حياة الفقراء والمعدمين وقلبٌ كقلب الحجاج يمجد فيه الديكتاتور وإن أباد نصف شعبه. كَبُرْتُ وكَبُرَتْ معي الأسئلة في هذا الشأن، ورأيت كيف أنَّ الناس تحرق كتب الشعراء في شوارع الثقافة والنوادي الأدبية وتُمَزِّقَ صورهم.. فأصبح السؤال هذه المرَّة بهذا الشكل، هل ينبغي أنْ نقرأ الشاعر من زاوية دينية أو سياسية؟
share
كيف يجرؤ الشاعر الذي يحزن على سحق نملة أن يمجد الدكتاتور؟
 ليس من المنطق والعقل أنْ نحكم على شاعر وفق ظروف وقيم لم يعشْها بعد ولم تسمح له ظروفه بتصحيح موقفه، ولربما ابتسم الحظ للسياب إذ أصدر كتابه "لستُ شيوعيًا" قبل موته فتخلص من عقدة الأيديولوجيا التي تحصره في زاوية محددة إلى فضاء واسع وهو فضاء الأدب الذي بلا شك هو للجميع وعابر للهوية، وبذلك فقد نجا من أن يُطعن به وبشعره نكاية بموقفه الأيديولوجي والسياسي. فأين منطق القرآن والسنَّة فيما يخص المساواة بين بني البشر، وأنهم سواسية كأسنان المشط ولا فضل لأحدٍ على آخرٍ إلا بالتقوى من منطقِ المتنبي الذي نراهُ يؤصل لنظرية "الرق والعبيد" ويستخدم لغة عنيفة بهذا الشأنِ فنسمعه، وهو يقول: "لا تشتر العبد إلا والعصا معه/ إن العبيد لأنجاس مناكيدُ"؟ وغيرها من الأبيات، فبماذا سنحكم عليه الآن إذا قرأناه من زاوية دينية خالصة أو سياسية وحتى إنسانية وغيره من الشعراء مثل أبي فراس الحمداني وأبي نؤاس، لا شك إن عرض كل تجارب الشعراء في هذا الجانب ربما يتطلب كتابة موسوعةٍ وليس مقالًا، لذا اكتفي بالتعريج على نماذج محددةٍ تصْلُحُ كقاعدةٍ تنطبق على بقية الشعراء إلى يومنا هذا.
إن قراءة الشاعر دون الأخذ بنظر الاعتبار عوامل الزمان والمكان والبيئة التي عاش فيها والقيم التي كانت سائدةً، والظروف التي دفعته إلى اتخاذ موقفٍ ما، إن هي إلا قراءة مُجحفةٌ، فالمفاهيمُ تتغيرُ باختلافِ الأزمنة، والشاعر مرآةٌ عاكسةٌ لما هو سائد في زمانه من لغةٍ وتقاليدٍ وهو ملزم بأن يستخدمها، وإلا أصبحت لغته غريبة فيخرج صفر اليدين بعد إذ لم يجد من يصغي له، كما لا يمكن قراءة الشاعر دون معرفة الظروف السياسية التي عاشها، فالجواهري الذي كتب قصيدة عن الإمام الحسين بوصفه ثائرًا قام بوجه طاغية زمانه، هو نفسه الذي كتب يتغنى بالدكتاتور! ولكن أليس أجدر بنا أنْ نتريَّثَ قليلًا ونحاول أنْ نعرف السبب الذي جعل شاعرًا كبيرًا مثل الجواهري يَمْتَدِحَ صدام حسين وأحمد حسن البكر في قصائدِه، والسؤال الأبرز هنا هل سُمِحَ للجواهري أنْ يقولَ رأيه بعد انقضاء حقبة الدكتاتورية؟ ثم هل إنَّ الشاعرَ طائر حُرٌّ لا تُوْقِفَهُ "سيطرات" السياسة وتحاسبه؟ فدكتاتور مثل صدام لا يَتَوانى بأنْ يُذيبَ جَسَدَ الجواهري بحامِضِ النتريك "التيزاب"، لو هجاه أو رفضَ أنْ يكتبَ قصيدةً في مدحِهِ وحتى لو غادر وطنه وتحمل الغربة مثلما تحملها بالفعل فانه يحكم على عائلته وعشيرته وأصدقاءه بالموت الأحمر حتمًا مثلما حصل مع غيره، فصدام قد ناله المديح والإطراء من أكبر رجالِ الدين، آنذاك على الرغم من نفوذهم، بل وصل الأمر بهم على مساعدته في تصفية خصومه الذين لم يخضعوا لأوامره، فما إنْ سقط النظام إلا وارتدوا الوجوهَ الجديدة وأصبحوا مناضلين وحراس عقيدةٍ تحت ذرائع شتى.
share
الجواهري الذي كتب عن الحسين بن علي بوصفه ثائرًا تغنى بالطاغية أيضًا
 إذًا فمن حقِنا هنا أنْ نتساءَل ما بال التبريرات الدينية يتَستَّر بها رجال الدين على الرغم مِنْ سلطتِهم وعدد أتباعهم في الداخل والخارج، ولا يمكنَ لِشاعرٍ لا يملك إلا جلده وعظمه وقلمه أنْ يَتَجَلْبَبَ بهذه التبريرات؟. نعم لا يُنْكَرُ أنَّ بعضَ الشعراءِ وَظَّفوا وجودَهم وكتاباتِهم مِنْ أجلِ الدكتاتور إيمانًا به وطمعًا بدنانيره التي يَغْدِقُها عليهم.
ثم إنَّ الشاعرَ قد يكتب شعرًا ويُبدي رأيًا بشخصية سياسية أو دينية وفق ما يراه من صلاح ظاهر وصفات مميزة تستحق المديح والإطراء لكنَّ الزمنَ قد عَرّى هذه الشخصيةَ وكشف حقيقتَها، فهنا لا ينبغي إتِّهام الشاعر أيضًا لأنَّهُ ليس نبيًا يُوحى إليه، مثلما حصل مع أحدِ الشعراءِ الكبارِ، إذ أبدى رأيه في أحدِ قادةِ تحريرِ الموصلِ الشاعرِ الذي له مكانةً خاصةً في قلوبِ العراقيين وقد تحول بين عَشيَّةٍ وضُحاها إلى لعنةٍ تَتَجَدَّدُ على أفواههم صباحَ مساءَ مِمّا أدّى إلى حرقِ كتبِهِ في شارع المتنبي، الأمرَ الذي جعله يُصَرِّحُ "ولو كنتُ بينَهم لأحرقوني أيضًا"، وبالتالي هو رأيٌّ ومِنْ حَقِّ أيِّ إنسانٍ أنْ يُبديه، وقد يَعْدِلُ عنه في نهايةِ الأمرِ أو يُصِرَّ عليه، وهذا شأنُهُ فقط.
من المفترض أن الديمقراطية تكفل حريةَ الآراءِ وتنوعَ الثقافات والديانات بعيدًا عن ثقافة النسق التي لا مجال فيها لإختلاف الرأي، وبهذا الصدد ترى الشاعرة والمترجمة مريم العطار في حديثها لـ"ألترا عراق"، أن "الشاعر الحقيقي هو الذي لا ينتمي، وثبات اسمه يعتمد على التجرد التام، كي يقدم رسالته الإنسانية بإخلاص". فالشعر صوت حر، ولا ينبغي على القارئ أنْ يحكمَ على نتاجِ الشاعرِ مِنْ هذه الزوايا. إنَّ السياساتُ تتغيرُ والآراءُ تتبعها كذلك، كما أنَّ الدينَ هو موروثٌ بحاجةٍ إلى التنويرين لكي يقوموا بتجديدِ ما توارث منه باستمرار". ولكل زمانٍ أبطالٌ وثوارٌ وحكامٌ وسياساتٌ، والمهم هو الموقف وصوت الحق الناطق في طَيّات قصيدةٍ أو حتى لوحةٍ فنيةٍ "فالشاعرُ ليس سياسيًا أو مُشَرِّعًا لكي نتخوف من رأيه إلى هذا الحَدِّ.
الشاعر فنان يجب أنْ نحاكمه ونحاسبه وفق اختصاصه بعيدًا عن المؤثرات السياسية والدينية، وهو مثل الرسام فَكّلُّ ما يربطنا به هو جمال لوحته من عدمِه. فنحن لا نريد مصاهرته أو أنْ نجعله حاكمًا علينا لكي نضع نِتاجَهُ في ميزان السياسة والدين، ولو حكمنا على الشعراء من هذا المنطلق لم يبق شاعرًا لِيَسْلَمَ مِنَ اللعنة والتنكيل إلا القليل مِمَّنْ أخذ الحيطة والحذر مِنَ التَطَرُّقِ إلى الموضوعات الدينية والسياسية في شعره سواءٌ كان ذلك بشكلٍّ سلبي أو إيجابي.
share
يجب أن يحاكم الشاعر وفق اختصاصه بعيدًا عن المؤثرات الدينية والسياسية
في سؤالٍ وجه إلى بورخيس حول الكاتب كيبلينغ، إذ قيل له "أنت من المعجبين بـ"كيبلينغ"، ودافعت عنه كثيرًا فأجاب: "أعتقد إنه رجلٌ عظيم جدًا، لكنه لم يقدرْ على نطاقٍ واسعٍ، ولم يقرأ جيدًا وإنه يحاكم لآرائه السياسية. إن الآراء أمورٌ سطحيةٌ، لا أعتقد أنه يجب الحكْم على الكاتب منْ آرائه، بل يجب أنْ يحْكم عليه منْ خلال ما يكتب، فالكاتب لا يكتب آراءه بل يقولها، فالآراء تأتي وتذهب، يحتفظ الناس بآرائهم وهي قابلةٌ للتعديل. ومن هذا المنطلق يجب أنْ نضع الشاعر تحت مجهر الفن وتحت أدواته التي يستخدمها، فنحن عرفناه كصاحب معنىٍ ولغةٍ وموسيقى ولم نعرفه لأنه يروم مصاهرتنا أو يصْبح زعيمنا السياسي، حيث أن توجهاته الدينية والسياسية شأنٌ يعنيه، وإنما يبقى هو شاعرٌ سواءٌ تردد على المواخير أو الجوامع، فهذا العمل يعنيه هو ولا يعنينا مطلقًا وليس ذلك هو إن للشاعر أنْ يجلس على التل ويشاهد منْ بعيدٍ شعبه وهو يحترق، فالشاعر هو أيضًا صانع وعيٍّ، فلطالما أسقطتْ وغيرتْ كلمات الشعراء الوزارات والشخصيات وكانت سببًا في ثوراتٍ عديدةٍ، لكنْ لو أردْنا دراسة الشاعر منْ زاويةٍ أخرى أو أردنا أنْ نفْهم شخصيته وإسقاطات البيئة عليه، فنحن حتمًا نحتاج الى ذلك كمعلومات فقط لا كأدلةٍ لإسقاطه من الذاكرة الأدبية. 
أما آن لنا أنْ نتصالح مع شعرائنا ونضعهم في مكانهم الذي يستحقونه وإنْ كنّا مصِرّين على تخوينِهم وهجائِهم، ألا يجدر بِنا أنْ نغسل تاريخهم وآراءهم المسيسةِ بأشعارِهم الجميلةِ التي لا تنْفد والتي تأبى أنْ تغادِر جِدار الزمنِ فلولاهم "لأصِبْنا بالسكتةِ القلبيةِ" وأبتلعنا فم الخواءِ والعبثِ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة