بقلم : د. سيف المحروقي
الثقافة فعل مكتسب ينشأ عن طريق التعلم الإنساني، وليس فعلاً وراثياً ينتقل عبر الجينات. فالإنسان لا يولد مثقفاً ولا متعلماً، وإنما يعبّ من مشارب الحياة المختلفة، فيضاف إلى مخزونه الثقافي وينعكس على سلوكه ونمط حياته.
كما أن الثقافة ذات طبيعة تراكمية ومستمرة، وتنتقل من جيل إلى جيل، وكل جيل يضيف إليها معارف وعلوما متنوعة، وهي قابلة للتغير والتحول ولها خاصية الاندماج والتفاعل مع الوسط المحيط بها، مؤثرة فيه ومتأثرة به، مستمدة من الحياة مادة لها.
ولئن كانت كلمة الثقافة تعود بأصولها في اللغة اللاتينية إلى معنى الزراعة، فقد أصبحت تستخدم للدلالة على زراعة القيم والأفكار والمبادئ، كما أنها وبمنظور مساير، تعكس طريقة المجتمع في الحياة.
والشعوب المثقفة هي تلك القادرة على خلق منظومة متجانسة من العلاقات الاجتماعية والتاريخية والسياسية والاقتصادية والدينية، فالثقافة هي ذلك الكل المعقد، الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والعلوم والفنون والقانون والقيم والعادات التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضوا في المجتمع، كما يشمل الجانب المادي وغير المادي.
والثقافة، وإن اختلفت مشاربها، إلا أنها تصب في وعاء أيديولوجي واحد هو الفكر الإنساني. وبالنظر إلى مشارب الثقافة المختلفة، فإننا ندرك أهمية تضافر روافد متنوعة تساهم في تشكيل الوعي الإنساني وإدراكه لطريق الخير من طريق الشر.
ومن هذه الروافد، قوانين المرور التي ما وضعت وشرّعت إلا لحفظ النفس البشرية وصونها، وحماية الممتلكات الخاصة والعامة، ولم تأل وزارة الداخلية جهدا في سن القوانين والأنظمة المرورية وبثها عبر قنوات الإعلام المختلفة، وإقامة المحاضرات والندوات لنشر الثقافة المرورية، بغية توفير الأمن والسلامة لكل من يستخدم الطريق. وعلى الرغم من كل هذه الحملات، إلا أن هناك فئة من سائقي المركبات يضربون بهذه القوانين عرض الحائط، فهم يأبون أن تكون هذه الثقافة ضمن أيديولوجياتهم.
على الرغم من أنهم يعرفونها تمام المعرفة ويدركون مخاطر وعواقب تجاهلها، فيحكّمون أهواءهم على حساب عقولهم، لتتحول طرقاتنا إلى مقبرة كبيرة تبتلع الطفل، والشاب، والرجل، والمرأة، والعجوز والمريض.. وهذا كله بما اقترفته أيادي هذه الفئة من السائقين.
لم تكن الغاية يوما من الطرقات أن تكون أداة لاستنزاف الأرواح وإتلاف الممتلكات، والمبصر إلى إحصائيات حوادث المرور في دولتنا، يجد أن أرقاما كُتبت بالدم تدق ناقوس الخطر، وتوجه أنظارنا وطاقاتنا إلى الحد من نزيف الدماء على طرقاتنا.
ولا شك أن غياب ثقافة الطريق لدى فئة من السائقين، هي من أهم الأسباب وراء هذه الحوادث، إلا أنه من الواجب علينا أن نفرق بين غياب ثقافة الطريق والتغييب المتعمد لها.
فسائق السيارة ليس في حاجة لأن يُعلم بأن السرعة الزائدة والقيادة المتهورة، سبب في تعريضه والآخرين للخطر، كما أنه لا يجهل أن عدم الالتزام بقوانين المرور قد يورده المهالك. فهذه من الأمور الجلية الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وكما يقول المتنبي: وليس يصح في الإفهام شيء/ إذا احتاج النهار إلى دليل.
ولكننا نذكّر هذه الفئة من السائقين بمغبة تجاهلهم للقوانين وهتك ثقافة الطريق علانية، فعليهم أن يتقوا الله في أنفسهم وفي الآخرين، وليتذكروا أنهم بانتهاكهم لحق الطريق يرتكبون محظورا شرعيا.
فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والجلوس في الطرقات) فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: (فإذا أبيتم إلا المجلس فاعطوا الطريق حقه) قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
إن الطرقات في دولتنا تعد من أفضل الطرقات وأكثرها تحقيقا لشروط السلامة، كما أن قوانين المرور المتبعة وضعت بشكل مدروس يتناسب وطبيعة البلد، ويجري تطويرها وإدخال الإضافات عليها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، فلنسعَ جميعا إلى حفظ الأنفس والممتلكات، فما منا أحد يرغب في أن يفقد عزيزا كما أن آذاننا لا تطرب لسيمفونية الألم والحرمان.. فلنتصالح مع الطرقات ولنعط الطريق حقه.
جامعة الإمارات
Saifmahrouqi@yahoo.com





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق