«خطة للاقتصاد العالمي» لكينز: العولمة قيد التطبيق

. . ليست هناك تعليقات:

ابراهيم العريس

في بعض الأحيان يكون الصدق كل الصدق ماثلاً في المثل الشعبي الذي يقول: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت. ونود هنا أن نحرف هذا المثل لنجعله: قل لي من يمتدحك، أو من يشتمك، لأقول لك من أنت. ومناسبة هذا الحديث هي أن قراءة معمّقة ومتأنية لتحفة المؤرخ البريطاني الراحل قبل سنوات إريك هوبسباون «عصر التطرفات» (بالترجمة البديعة إلى العربية التي قام بها فايز الصيّاغ)، تدهشنا بعدد الصفحات التي يكرسها للحديث عن الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز. 

فمن المعروف أن هوبسباون كان ماركسياً في تفكيره ومتشدداً في ماركسيته، بخاصة في مجال تحليلاته الاقتصادية، لا سيما منها ما يتناول في «عصر التطرفات» أواسط القرن العشرين. ومن المعروف عن العلماء الماركسيين، لا سيما مناهضي الستالينية منهم، أنهم قد يتهاونون مع المفكرين والمبدعين الآخرين من غير الماركسيين إلا في مجال الدراسات الاقتصادية - وحسبنا مثلاً أن نقرأ «نقد الاقتصاد السياسي» لروزا لوكسنبورغ لنكتشف كم أن تحليلات لينين نفسه الاقتصادية تعرضت لسياطها. وكينز لم يكن في أي حال ماركسياً، ومع هذا خصّه هوبسباون بتبجيل لا يضاهى. من هنا، يمكننا وضع كينز في مكانة سامية بين كبار المفكرين الاقتصاديين في العالم. ولكن هنا من دون أن يسهى عن بالنا أنه كان، وكما سنرى بعد سطور، في خلفية فكرتين «رأسماليتين» كبيرتين ما انفكتا تتعرضان لسهام الماركسيين و «أعداء الإمبريالية» في كل مكان وزمان. فهل ثمة في الأمر تناقض؟ وهل لم يكن هوبسباون وغيره من متنوري الماركسية الحقيقية يجهلون أن الحكومة البريطانية كانت هي التي تبنت وفي عهد المحافظين تحديداً، فكرتي كينز؟

طبعاً، لا يتسع المجال هنا للتوقف بالتحليل المعمق عند هذه الظاهرة. لكن في إمكاننا أن نقول أن أهمية كينز التي أدركها الماركسيون قبل غيرهم، كانت تكمن في أن أفكاره تظهر عبر عمل علمي دائب، في لحظات يبدو العالم في حاجة ماسة إليها، بعيداً من التوزعات الأيديولوجية والحسابات السياسية الضيقة. كانت سياسته الاقتصادية على الدوام سياسة الواقعية الظرفية بامتياز. ولئن انطبعت نظرياته الاقتصادية بفكرة «تدخّلية الدولة» التي بدت دائماً عزيزة على قلوب المفكرين التقدميين في العالم كله، من الواضح أنها لم تنشأ عن رغبة في تعزيز القطاعات العامة، بل عن إلحاحية ظرفية كان هو يملك التنظير لها في اللحظات المناسبة تماماً. بهذا، سيبدو لنا الرجل أن تفرسنا في الأمر بتعمق، كنوع من الاستكمال الأفكار لريكاردو وآدم سميث سلفي الفكر الماركسي الاقتصادي الكبير. بالتالي، سيبدو كينز يستكمل ماركس «رأس المال» بغض النظر تماماً عن ماركس «البيان الشيوعي» وغيره من الأدبيات الغارقة في الأيديولوجية.


وينقلنا هذا إلى الحديث عن العولمة الاقتصادية - والعولمة المالية على وجه الخصوص - والذي يكثر في أيامنا، ويرى الكثيرون فيه جديداً، بعضهم يتحمس له وبعضهم يخشاه، بيد أن قراءتنا لتاريخ بعض أكثر فترات القرن العشرين تعقيداً، ستقول لنا أن العولمة - في مستواها النظري في الأقل - ليست جديدة. بل إن في الإمكان إرجاع أبوتها النظرية الشرعية إلى كينز نفسه. صحيح أن كينز عُرف بالكثير من البحوث النظرية القائمة على مفهوم «تدخلية الدولة»، إلا أن ثمة في أعماله، ما يلفت إلى نوع من العولمة المبكرة التي كان الرئيس الأميركي روزفلت من أشد المتحمسين لها في ذلك الحين.


ومن اللافت أن يكون كينز اختار مرحلة من مراحل الحرب العالمية الثانية، كانت الأمور بدأت تنقلب فيها لمصلحة الحلفاء، وضد النازيين وحلفائهم، لكي يضع تلك الخطة الاقتصادية المتعلقة بـ «الاقتصاد العالمي». وعلى الرغم من أن قرقعة السلاح كانت لا تزال سيدة الموقف، وعلى الرغم من أن القتل والدمار كانا لا يزالان سائدين، فإن كينز، مثل غيره من الباحثين والأكاديميين الجادين، كان يعرف أن الحرب، مثل كل حرب، سوف تنتهي عما قريب. وكان يعرف أكثر من هذا، أن عالم ما بعد الحرب سيكون مختلفاً عن عالم ما قبلها. فكما أن تلك الحرب كانت عالمية في ميادينها وفي أهدافها، كان العالم الاقتصادي الإنكليزي الكبير يعلم أن عالم ما بعد الحرب سيكون، أيضاً، عالمياً، إن آجلاً أو عاجلاً. وكان كينز يعرف أن على العلماء أن يعدوا الساحة لاستقبال تلك العالمية التي ربما كانت أولى ذرائعها ذلك الدمار الشامل الذي أصاب الكثير من الأمم، ما سينتج منه كوارث اقتصادية، بالتالي اجتماعية. لذلك نراه وقد اشتغل على خطة طوارئ كان مطلوباً منها أن تسد الفراغ. وكان كينز يعرف أن تلك الخطة ما كان أبداً في إمكانها أن تكون محلية. بمعنى أن ما من دولة، في أوروبا والعالم القديم في الأقل، سيكون في إمكانها أن تخرج من الحرب إلى عزلة، مزدهرة أو بائسة. فالعالم أضحى من الترابط الاقتصادي والمالي، إلى درجة يتعين معها على كل خطة مستقبلية أن تأخذ هذا الأمر في حسبانها.

هكذا، كانت حال خطة كينز التي تولت إعلانها الحكومة البريطانية بنفسها في نيسان (أبريل) 1943. وكانت الخطة، كما نفهم اليوم، تتعلق بالعالم المالي لما بعد الحرب وبقيام منظومة مصرفية عالمية، وبإيجاد سبل للتعاون الاقتصادي بين الأمم.

كانت خطة كينز، حسب الصحافة البريطانية لتلك الأيام، معقدة ومليئة بالجداول والحسابات والمعادلات التقنية، ومع هذا فإن نقاشاً - إيجابياً في أغلبه - كبيراً قام حولها، لا سيما في الأوساط الأكاديمية والعلمية في الولايات المتحدة التي كان خبراؤها رحبوا بالخطة ترحيباً كبيراً. أما النقطة المركز في خطة كينز - الذي كان في ذلك الحين يعتبر من أكبر خبراء الاقتصاد في العالم وكانت لا تتردد الحكومات البريطانية المتعاقبة دون استشارته - النقطة المركز كانت تقوم على أساس اتحاد نقدي مؤسس على منظومة نقدية/ مصرفية عالمية. بمعنى أن الأمر يتطلب أن يكون ثمة صندوق دولي للنقد، قادر على أن يساعد أي أمة تعيش صعوبات موقتة، لا سيما حين يحدث لعملتها أن تتدهور بفعل ضغوط داخلية أو خارجية. وفي المقابل، يتعين على تلك الأمة أن تتعهد باتباع سياسات اقتصادية ونقدية هدفها إيجاد التوازن المطلوب.

وكان كينز، ومعه الحكومة البريطانية بالطبع، يريان في هذه الخطة - التي لم نفعل أكثر من اختصارها في سطرين هنا، مع أن تفاصيلها تشغل مئات الصفحات! وسيلة لتفادي إفلاس الكثير من الأمم بفعل خسائر الحرب، بالتالي وسيلة لتفادي الوقوع في فوضى اجتماعية قاتلة، أو وقوع الدول في «فخ الشيوعية».

من ناحية أخرى، سارع الرئيس الأميركي روزفلت يومذاك بالترحيب بالخطة الكينزية، هو الذي كان يتطلع، وفق ما قال، إلى قيام نظام نقدي عالمي جديد، ينقذ الأمم من الإفلاس، شرط ألا يكون وراء قيام ذلك النظام، فعل خير تنفرد الولايات المتحدة بالقيام به. ولسنا في حاجة هنا إلى التذكير، بالطبع، بأن مرحلة ما بعد الحرب شهدت الأمرين: تنفيذ خطة كينز من طريق قيام صندوق النقد الدولي، ثم ما تلاه من مؤسسات نقدية عالمية حولت النظرية إلى برنامج عمل ومن ثمّ إلى ممارسة فعلية لها ما لها وعليها ما عليها، من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، «فعل الخير» الأميركي من طريق خطة مارشال، لكن هذه حكاية مختلفة من غير المنطقي القول أن كينز كان مسؤولاً عنها، بخيرها أو بشرّها.

ولد جون ماينارد كينز في بلدة كامبردج بالمملكة المتحدة عام 1883، ليرحل عام 1946 في وقت كانت أفكاره التي استعرضناها أعلاه قد بدأت ترى النور. وهو اتجه إلى دراسة الاقتصاد باكراً ما جعله يشغل لاحقاً مناصب اقتصادية متنوعة في الإدارة البريطاني كما عمت شهرته أوروبا والعالم منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى حين راحت تظهر كتاباته المتحلقة حول ما سوف يسمى لاحقاً «الماكروإيكونوميا الكينزية» التي سوف تتفرع منها تسميات عدة يشكل اسم كينز دائماً جزءاً منها. وذلك أنه سرعان ما أضحى في حد ذاته مؤسسة علمية اقتصادية مستقلة عن الأحزاب حتى وإن كان سياسيون كبار من اليمين كما من اليسار قد استشاروه وعملوا بنصائحه، لا سيما في الساعات الأكثر صعوبة من تاريخ بلادهم أو تاريخ سياساتهم. أما هو، ورغم ارتباط اسمه ببريتون وودز وبخطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية، فإنه ظل دائماً معادياً لليبرالية المفرطة في الاقتصاد، ميالاً إلى دولة الرفاه التدخلية.

* نقلا عن "الحياة"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة