بروكسل- أمل الراغب
يكفي أن تمسك بكتاب وتنسى نفسك وأنت تقرأه لتعلم أن هذا الكتاب مميز ويستحق الوقت الذي تسرفه عليه. هذا ما عشته مع رواية عبء رجل قنوع للروائي مرتضى محمد الأمين، الصادرة عن دار الحرف العربي، 2017.
حينما يأخذك الكاتب معه في رحلة خاصة يضعك إلى جانبه ويحدّثك، أنت وحدك ليخبرك أسراره ومغامراته، تشعر أنك كنت معه فعلا بكل خطوة وتعيش الحدث بكل ما فيه من مشاعر وأحاسيس. هذا ما فعله الدكتور مرتضى، عندما قرر أن يسرد روايته بلسان الراوي الذي كان موفقا جدا فيها، حيث اتخذ منها شبه سيرة ذاتيّة، يحكي فيها عن ذكريات عايشها أثناء دراسته للطب. وربما لم تكن ذكرياته هو تحديدا فلا يستطيع القارئ معرفة هويّة البطل الحقيقية، إذ أن الكاتب يستطيع أن يتقمص أيّ شخصيّة يعرفها أو يتخيّلها، ويستطيع أن ينقل أحداثا جرت أمامه على إنه كان هو بطلها. لكن هنا كان تأكيدا من الراوي على أنه بطل الرواية وإنها حدثت فعلا، حينما نوّه ضمن السرد أنه سيكتب عن البطلتين كما كانتا في الحقيقة، وأنه سيتلاعب في التواريخ وترتيب الأحداث لما تتطلبه كتابة الرواية.
أحداث الرواية وتقنيتها
تدور الأحداث في أوكرانيا، في زمانين مختلفين. حيث عاد البطل بعد سنوات، إلى المدينة التي ودّعها منذ أن أنهى دراسته فيها، ليبحث عن فتاتين كانتا صديقتيه أثناء تلك المدة. وهنا تبدأ رحلة بحث كانت ترافقه فيها زوجته، التي كانت على علم مسبق بهدفه، ولكنه يجهل أنها تعلم بخطته. لتتركه لاحقا يمضي في بحثه منفردا وتعود هي إلى لبنان، مطمئنة أنه سيفشل في مسعاه، بعدما أثارت حاله شفقتها لما وصل إليه.
لقد اعتمد الكاتب في هذه الرواية على تقنيتين مميزتين في سرده، الأولى هي الفلاش باك وهي تقنية كثيرة الاستخدام في الروايات، لكن ما يميزها من كتاب إلى آخر، هو كيفية استخدامها وطريقة انتقال الأحداث من الحاضر إلى الماضي والعكس صحيح، وهنا تم استخدامها بحرفيّة تامة بشكل المتكرر على طول السرد، حيث يعود إلى ماضيه ليسترجع أحداثا مضت عليها سنون، ليفتح أمام القارئ صفحة جديدة يحكي له فيها عن سبب رد فعل ما يجري في الزمن الحاضر. لذلك كان التشويق هو سيد السرد، ترافقه جرأة واضحة في رسم بعض المشاهد الجريئة التي التزم بآدابها رغم جرأتها. فتخلى عن أيةّ تسميّة تخدش الحياء، أو تعبير يصل حد الوقاحة لكنه أوصل الصورة بشكل واضح يكاد القارئ يشاهدها لا يقرأها. هو فقط أعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
التقنية الثانية كانت انتقال لسان الراوي منه، إلى الشخصيات الأخرى في القصة، والتي كانت: زوجته، أولغا، وإيرا. لذلك صار لسان الراوي هنا رباعيّ الأبعاد، حيث تعرض كل واحدة منهن رأيها بالحدث الذي سرده من وجهة نظرها، فنجده ينتقل بعدما يقص حدثا مع إحداهن، إلى لسانها لتحكي لنا بدورها عن شعورها ورؤيتها لما جرى.
المشاعر الإنسانية المتناقضة
ومن جديد هنا أبدع بوصف المشاعر الإنسانية المتناقضة، التي تختلف بين الرجل والمرأة، وأجاد تقمص مشاعر المرأة في هذه المرحلة ليبدي اختلاف تصرفات الرجل عن تصرفات المرأة في الحدث ذاته والموقف عينه، وجهل كل منهما بتفكير الآخر. لقد غاص في النفس البشريّة وأخرج مكنوناتها بسلاسة وعرضها بشكل مبسط لتصل إلى القارئ مباشرة من دون عناء. خصوصا حينما كان يتطرق لبعض الأمور الثانوية مثل نظرة العربي للفتيات الأوكرانيات كتسلية وتمضية للوقت والهدف منهن هو اجسادهن فقط، وأنه حينما يقرر الزواج يعود ليتزوج من بلده. لكنه أظهر صورتين مختلفتين عنهن، صورة الفتاة اللامبالية التي يطلبها أي رجل وتلبي الدعوة، وصورة الفتاة البريئة الوفيّة التي تتحمل المسؤولية وتحب بإخلاص، أراد أن يقول أن أيّ بلد يحوي مختلف الصفات حتى لو اختلفت ثقافة أهله وتربيتهم، وأبدى اعجابه بهذا البلد وشعبه من غير أن يشعر. يعود ليكمل ما الذي ينتجه تحفظ العرب عن العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة، والجهل فيها وبجسد الجنس الآخر، ونظرة الغرب لنا على هذه الثقافة الغريبة بالنسبة إليهم. كل هذه الأمور التي مرّ عليها بشكل مقتضب والتي ربما لم ينتبه إليها القارئ بشكل مباشر كونها تمر بسرعة، هي مجتمعة كوّنت هذه الحالة الروائيّة. وقدمت للكاتب دعوة خاصة ليضع قلمه على صفحات هذه الرواية.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق