«العنف .. تأمّلات في وجوهه الستّة» لسلافوي جيجيك الى العربية ثوب الطاغية الدامي

. . ليست هناك تعليقات:






الخميس 7 أيلول 2017 -
«العنف تأملات في وجوهه الستة» عنوان اصدار الكاتب سلافوي جيجيك، ترجمة فاضل جتكر، عن «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات».

يطرح الكتاب سلسلة اسئلة حول اسباب العنف المستشري ويلجأ الى توصيفات منها العنف الرمزي المستجد في اللغة والاشياء وما يطلق عليه هابرماس «بيت وجودنا»، والعنف المنهجي والسياسات الاقتصادية والمالية والسياسات العامة.

هل يسبب تطور الرأسمالية والحضارة ارتفاعا في وتيرة العنف، ام يحد منه؟، هل يكون العنف في «فكرة التجاوز»؟، وهل تقتصر ردة الفعل تجاه العنف اليوم على التفكير ؟ اسئلة يعالجها سلافوي في كتابه من طريق سبر اغوار الانظمة التوتاليتارية الدموية التي سادت في القرن الماضي ومقارنة العنف الذي يسمى مقدسا، ورسم اجندة جديدة السبيل الامثل للتفكر في العنف والبحث عن حلول لازمات كثيرة يسببها، من خلال منهجية بحث ثقافية ومن خلال المقاربات التاريخية.

من كونغو الديمقراطية، اكثر حروب العام فتكا، الى احداث الحادي عشر من ايلول، وما قبلهما وما بعدهما من عنف يصير التوصيف مستحيلا بعده من نوع القتل التوحشي والقتل القبلي التاريخي وكوابيس الانظمة الديكتاتورية، وحيث «الموضوعية» المفرطة في الهيمنة المباشرة للشمولية تفرض قانونها ميكانيكيا.يتألف الكتاب من فصول عدة: «سياسة الخوف» و«ما بعد السياسة»، «سوء اللغة»، «النقد الذاتي والموضوعي»، «خاف جارك تخاف نفسك»، «مد دموي متفلت»، «تناقضات العقل المتسامح»، «التسامح مقولة ايديولوجية»، و«العنف السماوي».

سلافوي فيلسوف وناقد ثقافي غزير الافكار ويكتب بمنهجية وهو يمزج ما بين فنون السياسة والفن السينمائي واللغة والتحليل النفسي والسوسيولوجي والعلوم الانسانية في نصوص مفتوحة وله موقف من العولمة في دافوس ومن نجومها ويفكك افكار روادها، وينتقد غياب مجموعة بورتو اليغرو والصمت الغامض، كما يبحث عميقا في الرأسمالية، أو الاصولية، أو اللغة والعبرة تتمثل في العلاقة المعقدة بين العنف الذاتي ونظيره النظامي او المنهجي، والعنف ليس صفة مميزة لافعال معينة، بل هو موزع بيت أفعال وسياقاتها والاكثر ارباكا في فيزياء الكم...

ي. ت

هنا مقدّمة كتابه

ثمة قصة قديمة عن عامل اشتبه فى أنه سارق؛ إذ كانت عربته التي كان يدفعها أمامه تفتش كل مساء عند خروجه من المصنع تفتيشاً دقيقاً. لكن الحراس أخفقوا في العثور على أي شيء. ففي كل مرة كانت العربة فارغة تماماً. وأخيراً كُشف اللغز كانت العربات نفسها هي ما كان يسرقه العامل.

إذا كان ثمة ما هو مشترك بين الأفكار والتأملات الخاصة بالعنف. فإن مفارقة مشابهة تتطابق مع هذا المفهوم؟ إذ تبقى في عقولنا. أولاً وقبل كل شيء، مؤشرات العنف الصريحة الواضحة متمثلة في أفعال الإجرام والإرهاب والاضطراب الإهلي والصراع الدولي. غير أن علينا أن نتعلم فن التراجع؛ فن فك الارتباط بالإغراء المبهر لهذا العنف «الذاتي» المرئي مباشرة، الذي يقترفه شخص ما يمكن التعرف إليه بوضوح. لا بد لنا من إدراك خصائص الخلفية التي تولد مثل هذه التفجيرات. فمن شأن خطوة كهذه أن تمكننا من أن نطيح العنف ما يؤدي إلى إدامة جهدنا الفعلي المكرس لمحاربة العنف وتعزيز التسامح.

تلك هي بداية الطريق. بل لعلها الحقيقة البدهية التي يحاول هذا الكتاب تأكيدها. فالعنف الذاتي ما هو إلا ذلك الجزء المرئي من مثلث يتضمن أيضاً نمطين موضوعيين من العنف: أولاً عنف «رمزي» متجسد في اللغة والأشكال. في ما يطلق عليه هايدغر «بيت وجودنا». وكما سنرى في ما بعد. فإن هذا العنف ليس فاعلاً في العلن فحسب، وليس مدروساً على نطاق واسع على صعيد حالات التحريض وعلاقات الهيمنة الاجتماعية التي يعاد إنتاجها في صيغ كلامنا المألوف، بل ثمة شكل من العنف أكثر تجذراً لا يزال ملتصقاً باللغة بوصفها لغة، وملتصقاً بإصرارها على فرض عالم محدد للمعاني. ثانياً، هناك ما أميل إلى تسميته بالعنف «المنهجي»، أو جملة تلك العواقب الكارثية الناجمة عن مضي أنظمتنا الاقتصادية والسياسية بسلاسة ويُسر.

يكمن اللغز في حقيقة تعذر رؤية العنف الذاتي ونظيره الموضوعي من وجهة النظر نفسها. فالعنف الذاتي يمارس ذاتياً ضد خلفية مستوى صفري من اللاعنف الذي ينظر إليه على أنه إزعاج واضطراب الوضع الطبيعي السلمي للأمور. أما العنف الموضوعي فهو بالتحديد ذلك العنف الكامن في صلب هذا الوضع «الطبيعي» للأشياء، وهو غير مرئي لأنه يديم معيار المستوى الصّفري بالذات. الذي ندرك في ضوئه أن شيئاً ما عنيف ذاتياً. هكذا، فإن العنف المنهجي يشبه تلك «المادة المظلمة» المعروفة فى الفيزياء، ذلك النظير المقابل لعنف ذاتي شديد الوضوح الذي ربما يكون خفياً، لكن من الضروري أخذه في الحسبان إذا ما أردنا إضفاء معنى ما على ما يبدو أنه تفجرات «العقلانية» للعنف الذاتي.

الإعلام

حين يغرقنا الإعلام بوابل من هذه «الأزمات الإنسانية» التي تظهر باطراد في طول العالم وعرضه يتعيّن على المرء أن يتذكّر دائماً أن أي أزمة معينة لا تنفجر في وسائل الإعلام على نحو مرئي إلا بعد نضال معقد. فالاعتبارات الإنسانية الفعلية تضطلع بدور أقل أهمية مما تضطلع به جملة اعتبارات ثقافية وأيديولوجية، سياسية واقتصادية. كان موضوع غلاف مجلة «تايم» بتاريخ 5 حزيران/يونيو 2006، على سبيل المثال، «أكثر حروب العالم فتكاً». وتضمن التحقيق وثائق مفصّلة في شأن هلاك نحو أربعة ملايين نسمة في جمهورية الكونغو الديموقراطية نتيجة العنف السياسي في العقد الماضي. ولم يتبع ذلك أي أثر للصخب الإنساني المعتاد؛ بل اقتصر الأمر على رسالتين من رسائل القراء كما لو أن نوعاً ما من آليات التصفية والغربلة عرقلت وصول هذا النبأ إلى مستوى ممارسة تأثيره الكامل في فضائنا الرمزي. وبقدر من السخرية (Cynical) يمكن القول إن مجلة تايم اختارت الضحية الخطأ للصراع من أجل إبراز المعاناة؛ إذ كان يتعين على المجلة أن تبقى متمسكة بقائمة المشبوهين المألوفين: بالمسلمات ‎أو بأُسر ضحايا الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ومكابدتها الحزن على أحبابها الذين فقدتهم. عادت الكونغو اليوم إلى البروز مجدداً بالفعل مثل «قلب الظالم» الذي تحدث عنه جوزف كونراد؛ ما من أحد يستطيع التصدي لها وجها لوجه. فموت طفل فلسطيني في الضفة الغربية، بل موت إسرائيلي أو أميركي، يساوي إعلامياً موت مئات مضاعفة من الكونغوليين غير المعروفين.

هل نحن بحاجة إلى مزيد من البراهين على أن معنى التعاطف الإنساني في حالات الطوارئ مفبرك. ومبالغ فيه بالفعل جراء اعتبارات سياسية واضحة؟ وما هي هذه الاعتبارات؟ للإجابة يتعيّن علينا العودة إلى الوراء كي نلقي نظرة من موقع مختلف.. فحين لامت وسائل الإعلام الأميركية الجمهور في بلدان أجنبية لعزوفه عن التعبير بما يكفي من التعاطف مع ضحايا هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمر، كان المرء يتعرض لإغراء الرد عليها بكلمات روبسبيير التي وجّهها إلى أولئك الذين كانوا يتذمرون في شأن الضحايا الأبرياء لإرهاب الثورة: «كفّوا عن نفض رداء الطاغية الدامي في وجهي، وإلا سأقتنع أنكم تريدون تكبيل روما بالقيود».

جوانب العنف

بدلاً من مواجهة العنف مباشرة، يتعرّض هذا الكتاب للعنف من ستة جوانب. فهناك أسباب تدعو إلى معاينة مشكلة العنف من زوايا مختلفة. ومُنطلقَي الأساس هو أن هناك ما يضفي في العمق شيئاً من الحيرة على أي مواجهة مباشرة لهذا العنف. فالرعب الهائل الناجم عن أعمال العنف والتعاطف العميق مع ضحاياه يشكلان حتماً نوعاً من الإبهار الذي يمنعنا من التفكير. كما أن أي تطور مفهومي محايد عاطفياً لنمطية العنف لا بد له، بالضرورة، من تجاهل تأثيره المؤلم. ومع ذلك، فهناك معنى ما يمكّن أيَّ تحليل هادئ للعنف من الإفضاء، بطريقة أو بأخرى. إلى إعادة إنتاج إرهابه أو المشاركة فيه. كما لا بد من التمييز بين الحقيقة (الفعلية) والصدق. فما يجعل رواية مغتصَبَة (أو أي رواية أخرى لقصة اعتداء وإحداث جرح) صادقة، هو التعذر الفعلي للوثوق بها، المتمثل في اضطرابها وعدم تماسكها. فلو كان ثمة ضحية قادرة على رواية قصة تجربتها المؤلمة والمهينة بوضوح، مع البيانات والدلائل المنظمة كلها على نحو متسق، لدفعتنا هذه النوعية بالذات إلى الشك في صدق الرواية. لكن تبقى المشكلة هنا جزءاً من الحل. فالعيوب الفعلية في رواية الذات المجروحة لقصة تجربتها تشهد بصدق كلامها، لأنها تشير إلى أن المضمون المكشوف «أفسد» أسلوب كشفه ولوَّثه. ويصح الأمر نفسه. بالطبع على انعدام الصدقية وعدم الوثوق بالتقارير الشفهية لناجين من المحرقة (الهولوكوست). فمن شأن الشاهد المؤهل لتقديم رواية واضحة لقصة تجربته في معسكر الاعتقال أن ينسف شهادته جراء ذلك الوضوح. هكذا فإن مقاربة موضوعي السليمة والوحيدة، تبدو مقاربة تفسح المجال لتنويعات من العنف. وهي مقاربة تضع مسافة فاصلة احتراماً لضحاياه.

يبدو أن عبارة أدورنو المعروفة (ليس الشعر هو ما بات مستحيلاً بعد أوشفيتز؛ بل لعله النثر)، بحاجة إلى تصويب. فالنثر الواقعي يخفق. حيث ينجح الاستحضار الشعري لمعسكرٍ لا تُطاق أوضاعه. بمعنى أن هذه الاستحالة إن هي استحالة ممكِّنة،‏ وأن الشعر يكون دائماً «عن» شيء يتعذر التطرق إليه مباشرة، فيُكتفى بالتلميح إليه. حينها يعلن أدورنو أن الشعر مستحيل (أو بالأحرى بربري) بعد أوشفيتز. فلا يجوز للمرء أن يخشى السير في هذا الأمر خطوة إضافية والإشارة الى حكمة قديمة تقول إن الموسيقى تتكلم حين تُخفق الكلمات. فربما يكون ثمة حقيقة ما في الحكمة السائدة التي تُنبئ بأن موسيقى شوينبرغ نجحت، بنوع من التوجس والقلق القَبْلي التاريخي، في تسليط الضوء على هواجس أوشفيتز وكوابيسها قبل وقوع الحادث.

تقدم آنا أخمتوفا في مذكراتها، وصفاً لما حدث لها في أوج عمليات التطهير الستالينية، حين كانت تنتظر في الرتل الطويل أمام سجن لينينغراد للسؤال عن ابنها المعتقل ليف، فتقول:

في يوم من الأيام عرفني أحد أفراد الجمهور. فقد كانت تقف خلفي امرأة شابة ازرقّت شفتاها من البرد. لم تكن، بالطبع، قد سمعت أحداً يناديني بالاسم من قبل. أفاقت المرأة من سباتها، ذلك السبات الذي كان يلفّنا جميعاً، وسألتني همساً (الجميع كانوا يهمسون هناك)، «هل تستطيعين وصف هذا؟» وأجبتها «نعم، أستطيع». عندئد شاب وجهها ما يشبه الابتسامة.

الوصف الواقعي

لعل من الطبيعي أن يكون السؤال المفتاح هو: أي نوع من الوصف هو المطلوب هنا؟ من المؤكد أن المطلوب ليس الوصف الواقعي للحالة، بل ما أطلق عليه والاس ستيفنز (W. Stevens) اسم «وصف بلا مكان»، ذلك الوصف الذي يليق بالفن. وهذا ليس وصفاً يحصر مضمونه في سياق تاريخي للمكان وللزمان، بل وصف يبتكر خلفية للظاهرة التي يصفها، ومكاناً غير موجود (افتراضياً)، فيخصه بما يجعل ما يظهر فيه لا مظهراً. مدعوماً بعمق الواقع الكامن خلفه، بل مظهراً تجرد من اطاره وخرج من سياقه، فبات كلي التطابق مع الكينونة الفعلية. نعود الى وصف ستيفنز (ما يبدو أنه كائن وجميع الأشياء كائنة في مثل هذا التجلي) من جديد. فمثل هذا الوصف الفني «ليس رمزاً لشيء موجود خارج شكله»، بل هو «بالأحرى» مسحوب من الواقع المشوش لشكله الداخلي الخاص بالطريقة نفسها التي «استل» بها شوينبرغ الشكل الداخلي للإرهاب الشمولي (التوتاليتاري). فقد عمد الفنان الى استحضار الأسلوب الذي يعتمده الإرهاب في التأثير في الذاتية.

هل ينطوي هذا اللجوء الى الوصف الفني على خطر العودة الى موقف تأملي يُفضي بطريقة أو بأخرى الى خيانة الضرورة الملحّة «للقيام بشيء ما» في التعامل مع الأهوال الموصوفة؟

تعالوا نفكر بالمعنى الزائف للإلحاح الذي يعم الخطاب الإنساني عند اليسا الليبرالي في شأن العنف؛ ففي هذا الخطاب يتعايش التجريد مع المحسوس الشكلي الزائف عند إبراز مشهد العنف (العنف ضد النساء، وضد الزنوج، وضد المشردين، وضد المثليين... إلخ) على خشبة المشرح، فثمة «امرأة تتعرض للاغتصاب كل ست ثوان في هذا البلد»، و«في الوقت الذي تستغرقه منك قراءة هذه الفقرة، سيكون عشرة أطفال قد ماتوا جوعاً». وهذان مجرّد مثالين. وفي عمق هذا الوضع يكمن نوع من الشعور المنافق بالفضيحة الأخلاقية. هذا النوع من الإلحاح الزائف والمصطنع بالذات وظّفته مقاهي «ستاربكس» قبل عامين حين أشارت لافتات مرحّبة بالزبائن على مداخلها الى أن نحو نصف أرباح المؤسسة من البن الذي تستخدمه يذهب الى الرعاية الصحية لأطفال غواتيمالا، موحية بأنك تنقذ حياة طفل كلما ارتشفت فنجان قهوة.

الحاجة الملحّة

ثمة ما يناقض نظرية الحاجة الملحة تلك. ليس هناك أي وقت للتفكير، بل علينا أن نتحرك الآن. وعبر هذا الإحساس الزائف بحالة الطوارئ يتمكن أثرياء ما بعد الصناعة، وهم يعيشون في عالمهم الافتراضي المعزول، من المبادرة، لا لإنكار الواقع المرير أوت جاهله خارج دائرتهم فحسب، فهم لا يكفون عن الإشارة إليها دونما كلل، بل للإعلان عن مواقف مفرطة الانسانية وعن رقة قلب كما فعل بيل غيتس حين قال: «ما جدوى الحواسيب حين لا يزال الملايين يموتون بسبب الزحار (الديزانتاريا)؟».

في مواجهة مثل هذا الإلحاح الزائف، ربما نميل الى سَوق رسالة ماركس الرائعة الى إنغلز في عام 1870، حين بدا، للحظة وجيزة، أن ثمة ثورة أوروبية على الابواب. وأوحت رسالة ماركس بذعره الصريح والواضح. ألا يستطيع الثوار أن ينتظروا عامين آخرين؟ فهو لم يتمكن بعدُ من إنجاز كتابه رأس المال.

من المألوف أن يقابل باللوم والانتقاد أي تحليل نقدي لهذه المنظومة الشمولية الحالية. وهي منظومة معقدة لا تقدم حلاً واضحاً، ونصيحة «عملية» في شأن ما يمكن عمله. ولا تلقي الضوء بحيث نتمكن من رؤية نهاية النفق، لأن المرء مدرك حقيقة أن من شأن هذا الضوء أن يكون ضوء قطار يوشك على التحطم فوق رؤوسنا، باللوم والتأنيب؛ إذ يقال: «وهل تريدنا ألا نفعل شيئاً، وأن نبقى منتظرين مكتوفي الأيدي»؟. لا بد لنا من استجماع الجرأة والرد: «نعم» ذلك هو «المطلوب بالتحديد الدقيق!». ثمة أوضاع يكون فيها الشيء «العملي» حقاً والوحيد الذي يمكن القيام به، هو التصدي لإغراء الانخراط المباشرة وانتظار اللحظة الملائمة، عن طريق العودة الى تحليل نقدي قائم على الصبر. يبدو أن الانخراط يمارس ضغطه علينا من جميع الجهات. ففي فقرة معروفة من كتاب «الوجودية والإنسانية» تحدث سارتر عن معضلة أحد شبان فرنسا في عام 1942. كان الشاب ممزقاً بين واجب مساعدة أمه المريضة والوحيدة من جهة، وواجب الالتحاق بالمقاومة لمحاربة الألمان. وكان رأس سارتر، بالطبع، أن ليس ثمة حل قَبْلي لهذه المعضلة، ولا أي جواب يمكن سوقه سلفاً. يريد الشاب أن يتخذ قراراً يستند فيه الى حريته التي لا حدود لها، فيتحمل مسؤولية هذا القرار كاملة. وكان لهذه المعضلة مخرج ثالث يتمثل في نُصح الشاب وتوجيهه الى أن يقول لأمه إنه سيلتحق بالمقاومة، ويقول لأصدقائه في المقاومة إنه سيتولى رعاية أمه، مع المبادرة، في الواقع، الى الانسحاب الى مكان معزول والانشغال بالدراسة.

في هذه النصيحة ما هو أكثر من مجرد نزعة رخيصة تذكرنا بنكتة سوفياتية معروفة عن لينين. ففي ظل النظام الاشتراكي، كانت نصيحة لينين للشبان الذين سألوه عما يجب عليهم فعله: «تعلموا تعلّموا وتعلّموا أيضاً». وكانت هذه النصيحة تستحضر في المناسبات كلها، وتُبرز على جدران المدارس والمؤسسات التعليمية. تقول النكتة: سُئل ماركس وإنغلز ولينين، عما إذا كان أحدهم يفضل الحصول على زوجة أو عشيقة. وكما هو متوقع يجيب ماركس، وهو الأميل الى المحافظة في الأمور الشخصية، «زوجة!»، في حين يختار إنغلز العشيقة لولعه بالحياة المترفة والملذات. أما لينين، فيفاجئ الجميع بقوله: «أجدني راغباً في الاثنتين كلتيهما!». لكن لماذا أجاب كذلك؟ هل توجد قُطبة شهوانية خفيفة منحطة خلف صورته الثورية الصارمة المتزمتة؟ فيرد لينين: «لا»، ويشرح: «ذلك لأتمكن من القول لزوجتي إنني ذاهب الى عشيقتي، وأقول لعشيقتي إنني ذاهب الى زوجتي..». وحين يسأل: ماذا تفعل بعد ذلك؟ يأتي الجواب: «أذهب الى مكان معزول لأتعلّم، وأتعلّم، وأتعلّم!».

أليس هذا بالضبط ما فعله لينين بعد كارثة عام 1914؟ انسحب الى مكان معزول في سويسرا، حيث تعلّم، وتعلّم، وتعلّم، وعكف على قراءة منطق هيغل. وهذا هو ما علينا فعله اليوم عندما يقصفنا الإعلام بوابل من صور العنف. نحن بحاجة الى أن «نتعلم»، نعم نتعلّم، ونتعلّم أيضاً، للوقوف على الأسباب الكامنة وراء العنف.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة