كتبت بديعة زيدان:
كان يجلسُ في المحطة ينتظر موعد القطار ليلتحق بعمله الجديد كمندوب للتسويق في شركة أدوية، قبل أن يستيقظ فجأة على النداء الأخير للقطار.. بالكاد انزلق إلى العربة الأخيرة.. كان قد أسقط محفظته ونسي هاتفه النقال في المحطة، فوجد نفسه في القطار بلا أي وثيقة تدل على شخصيته، تلك الشخصية التي اكتشف لاحقاً، أنها سقطت من ذاكرته، سقطت بكامل تفاصيلها الكبيرة منها أو الصغيرة، حتى أنه لم يعد يتذكر اسمه، ولا من أين جاء، ولا إلى أين هو ذاهب.
في القطار، وبعد بحثٍ مضنٍ في عرباته عن أيّ ركّاب سواه، لم يجد أحداً، باستثناء "قارئة القطار"، وهو عنوان الرواية الأحدث للروائي المصري إبراهيم فرغلي، والصادرة عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة.
كانت تقرأ "كتاب الأحلام"، ليكتشف لاحقاً أنها كفيفة وغير قادرة على المشي، ولا حتى على الأكل أو الشرب.. كانت تقرأ باستمرار، وكأنها تستمد الطاقة لتكمل مسيرتها في الحياة وفي القطار مما تحتضنه صفحات الكتاب من عبارات.
ووجد الراكب، في "قارئة القطار"، ضالته، فهي، وبعد إلحاح، من تقوم بتعبئة خزّان ذاكرته الفارغ، بمعلومات لا يدري كما نحن إن كانت حقيقية أو سرابيّة عنه، وعن سيرته ومسيرته، وحتى اسمه، محمود، وكأن الروائي هنا يحيلنا إلى من يُساقون من الدهماء، دون تفكير، ودون خيارات أيضاً، إلى حيث يريد صاحب السطوة، خاصة إذا ما غابوا عن وعيهم، بالمفهوم العميق لمصطلح "الوعي"، أو غُيّبوا عنه مع سبق الإصرار، يُقادون كمن يسيرون ليلاً نائمين، أو تحت تأثير تنويم مغناطيسي، أو حبوب هلوسة، أو غيرها.. إنها عملية غسل دماغ، إن كان هناك فيه ما يُغسل في الأساس، أو لعلها عملية حشو لعقول فارغة، تنتظر من يملؤُها بما يشاء.
وكان لافتاً أن جميع الشخصيات المحيطة بمحمود، والتي يكتشفها تباعاً في القطار، بعدما خاله فارغاً من قارئه، كانت نسوية، حيث ذكرى شقيقتها، وإلهام العاملة في عربة الحفلات الصاخبة باستمرار، والتي يشاع أن من يدخلها يستعيد ذاكرته، إلا أنه كان يفشل في إقناع ذاته بخوض التجربة كلما همّ في الدخول، وكأنه لا يريد العودة إلى حيث ذاكرته، أو ربما هو فار من هذه الذاكرة بمجهولها، وإن كان دخل الحفل ذات مرة، ولم يسترد ذاكرته، لتوتر كان يعتريه، أو لأسباب أخرى.
"قارئة القطار" أو "زرقاء القطار"، كما يسميها محمود المفترض، تيمناً بزرقاء اليمامة، تجرّه إلى ماضيه، وكأنها تدير قرص آلة الزمن الخاصة به، بحيث يلتقي بشخوص يفترض أنه كان يعرفها، ومن بينها جدته في قرية نائية، أخبرته "الزرقاء" أنها موطنه الأصلي.. جدته، التي كانت تؤمن بأساطير توارثتها، ولكونه كان مريضاً بمرض عضال، كانت قد دفنته حيّاً، لقناعتها بأن نجاته قد تكون من بين الاحتمالات الواردة حال لم يمت، وهو ما كان فعلاً، بحيث خرج ابن السادسة عشرة من المقبرة فارّاً إلى الشمال حيث المدينة، وكانت المفارقة أنه حين عاد بعد ثلاثة عقود، كانت "الكوليرا" قد فتكت بجدته وكل ساكني قريته.
وفي المدينة "مزقه التردد بين غرامه بفاطمة وبين الثأر لشرفها من مغتصبها والثأر لشرفه منها، مثلما مزقته الحيرة بين العودة للعمل في ورش خراطة الخشب، لأنها الصنعة التي شغف بها، والتي شعر بممارستها بأنه من أبناء البلد الذين يتعلمون صنعة لا يتقنها سواهم، مقارنة باحتكار الأجانب لصناعة الدخان.. كان يؤلمه أن أجره أقل من أقرانه، ليس لأنه أقل مهارة، بل لأنه من أبناء البلد،
ومع ذلك فبعد أن تعلم مبادئ القراءة وقرأ إعلاناً يشيد بسجائر جاناكليس لأنها ملفوفة بأيدٍ مصرية، هدأ قليلاً، وشعر بالغبطة. لكن ذلك لم يقتل إحساسه بالظلم.. قرر أن مكانه في النهاية ينبغي أن يكون مع الثوار، فبحث مع الشيخ حسانين عن الوسيلة التي يمكن له بها أن يسلم نفسه لرجال عرابي، بعد أن علم أن المتطوعين من كافة الفئات ينخرطون مع الثورة الوطنية".
والملاحظ أن ثمة تداخلاً في الزمن، يبدو مقصوداً، فلا علاقة منطقية ما بين حقبة عرابي وثورته، وما بين هاتف محمود النقال الذي نسيه في المحطة، كما ليس هناك أي مبرر منطقي لتلك المعرفة المطلقة لـ"قارئة القطار"، وكأن الروائي يزجنا في أتون الشك بالتاريخ وصانعيه، والتاريخ بأحداثه، التي تبدو وكأنها حشو يصنعه الأقوياء، أو يقع ضحيته من لا يملكون خيارات إلا تصديق ما جاء فيه، بصرف النظر عما إذا كان ذلك حقيقياً أم لا، ففاقد الذاكرة ليس أمامه إلا التصديق والاتباع دون نقاش أو تفكير.
ويمكن القول إن رواية "قارئة القطار" هي أشبه بلوحة سريالية يمكن لكل ناظر إليها، تحليل رموزها وفك شيفرتها وفقاً لما تركته من انطباعات داخله، ولزاوية رؤيته لمكوناتها المفتوحة على تأويلات عدّة.
وللقطار رمزيات عدّة لدى الأدباء، فالشاعر الألماني الشهير غوته وجد فيه رمزاً للرداءة، بينما ذهب الشاعر هاينريش هاينه من ألمانيا أيضاً إلى كون القطار "يغتال المكان ولا يبقى غير الزمان"، في حين يبدو لدى الشاعر الكبير محمود درويش مرادفاً للنكبة، خاصة في قصيدته "على محطة قطار سقط عن الخريطة".
والملاحظ أن ثمة تداخلاً في الزمن، يبدو مقصوداً، فلا علاقة منطقية ما بين حقبة عرابي وثورته، وما بين هاتف محمود النقال الذي نسيه في المحطة، كما ليس هناك أي مبرر منطقي لتلك المعرفة المطلقة لـ"قارئة القطار"، وكأن الروائي يزجنا في أتون الشك بالتاريخ وصانعيه، والتاريخ بأحداثه، التي تبدو وكأنها حشو يصنعه الأقوياء، أو يقع ضحيته من لا يملكون خيارات إلا تصديق ما جاء فيه، بصرف النظر عما إذا كان ذلك حقيقياً أم لا، ففاقد الذاكرة ليس أمامه إلا التصديق والاتباع دون نقاش أو تفكير.
ويمكن القول إن رواية "قارئة القطار" هي أشبه بلوحة سريالية يمكن لكل ناظر إليها، تحليل رموزها وفك شيفرتها وفقاً لما تركته من انطباعات داخله، ولزاوية رؤيته لمكوناتها المفتوحة على تأويلات عدّة.
وللقطار رمزيات عدّة لدى الأدباء، فالشاعر الألماني الشهير غوته وجد فيه رمزاً للرداءة، بينما ذهب الشاعر هاينريش هاينه من ألمانيا أيضاً إلى كون القطار "يغتال المكان ولا يبقى غير الزمان"، في حين يبدو لدى الشاعر الكبير محمود درويش مرادفاً للنكبة، خاصة في قصيدته "على محطة قطار سقط عن الخريطة".





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق