اجرت الحوار: فاديا سلوم
ولد الشاعر والاديب محمد الاسعد في قرية أم الزينات التي تقع على السفح الجنوبي لجبل الكرمل الفلسطيني المطل على ساحل حيفا في 6 أغسطس 1944. وعندما هاجمت قريته العصابات الصهوينية نزح مع عائلته إلى العراء في البساتين إلى أن عرض الجيش العراقي المنسحب من جنين على اللاجئين من قرى الكرمل أخذهم إلى العراق.
ولد الشاعر والاديب محمد الاسعد في قرية أم الزينات التي تقع على السفح الجنوبي لجبل الكرمل الفلسطيني المطل على ساحل حيفا في 6 أغسطس 1944. وعندما هاجمت قريته العصابات الصهوينية نزح مع عائلته إلى العراء في البساتين إلى أن عرض الجيش العراقي المنسحب من جنين على اللاجئين من قرى الكرمل أخذهم إلى العراق.
ثم استقر مع أسرته في البصرة وتلقى تعليمه فيها وبعد ذلك انتقل إلى الكويت واستقر وعمل في الصحف والمجلات حتى لمع اسمه في الأوساط الادبية كشاعر وباحث وروائي ورسام.
صدرت أعماله الشعرية الكاملة (17 مجموعة شعرية) في المحلة الكبرى، مصر، في مجلدين خلال العامين 2009 و2011 .
كما صدرت مجموعة أعماله الروائية الست في الجزائر عن جمعية البيت للثقافة والفنون (2009) وهي:
1- أطفال الندى 2-حدائق العاشق 3- شجرة المسرات 4- نص اللاجئ 5- أصوات الصمت 6- أم الزينات .
تحت ظلال الخروب
وللأسعد كتب نقدية ، هي:
1-"مقالة في اللغة الشعرية" (1980) صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات، بيروت.
2- "بحثا عن الحداثة"(1986) عن مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت.
3- "في الفن التشكيلي الفلسطيني" (1985) عن دار الحوار، سوريا.
4- "مديح البياض: في الخطاب الفلسطيني الممنوع"،( 2015) عن دار الفارابي، بيروت.
وفي مجال الترجمة نشرت له عدة ترجمات منها:
1-مسرحية "بعد السقوط" لآرثر ملر، 1998، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت
2- واحدة بعد أخرى تتفتح أزهار البرقوق: دراسة في جماليات قصيدة الهايكو اليابانية، 1999، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت
3- ست وصايا للألفية القادمة، إيتالو كالفينو، 1999،المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت.
وقد صدرت سيرته الذاتية في كتاب بالفرنسية من إعداد فرانسواز جيرمين، عنوانه "أبعد من الجدران: لاجيء فلسطيني وإسرائيلي يعودان إلى زيارة ماضيهما، دار آكت سود و سندباد، باريس، 2005.
كان من أهم المهتمين بشعر الهايكو وقد كتب قصائد هايكو عربية، أصبحت مثالا يحتذى وحظيت آراؤه باهتمام عدد كبير من المثقفين العرب، وبخاصة كتابه "بحثاً عن الحداثة" الذي عرض فيه لأول مرة في اللغة العربية مفهوم ((النقد الثقافي ))ضمن نظرية نقدية متماسكة بدأ بتطويرها منذ العام 1981، كما ساهم باطروحته حول الاستشراق في علم الآثار بفتح مجال جديد لم يتطرق إليه أحد في اللغة العربية واللغات الغربية.
الأديب الكبير المناضل الفلسطيني الاستاذ محمد الأسعد شرف كبير لي أن تخصني بهذا الحوار
لا أعرف كيف أعبر عن شكري وامتناني
أهلا بك قامة كبيرة تزين نادي الهايكو العربي بحضورك الكريم وارشاداتك القيمة :
بداية :
1- كيف ترى ما أنجزه الشعراء العرب في فن الهايكو من حيث الأسلوب واللغة وبنية وحداثة النص والرؤى والمقاربة للواقع؟
جواب : رأيت الكثير مما كتبه الشعراء، ومما كتبه من يمثلون أدوار الشعراء، وأقول رأيتُ لا قرأُتُ عامداً متعمداً، لأن قصيدة الهايكو لوحة تشكيلية تراها الأبصار بالدرجة الأولى، تُرسم بأقل ما يمكن من كلمات، يترك الشاعر فيها فراغاً، أي فضاءً موحياً، ِشأنها في هذا شأن الرسوم التي يوجز فيها الرسام الياباني المشهد بضربة فرشاة أو ضربتين، أو خط أو خطين. أقول هذا بداية لألفت النظر إلى القيمة البصرية التي هي قوام الهايكو، وإلى الإيحاء الذي هو نسغها إن كان لنا أن نتصورها شجرة.
سأترك جانبا ما كتبه من يمثلون أدوار الشعراء، أو أشباه الشعراء، فليس لهم نصيب في مانحن بصدده، وأنصرف إلى الشعراء الحقيقيين، فألاحظ تنوع تجاربهم، بين من أخذها مأخذ نبضة يسلكها في قصيدة من قصائده، غير مقتنع كما يبدو أنها قصيدة كاملة، ومن أخذها مأخذ سطور ثلاثة مستقلة مكتملة.
وفي كلا النمطين أجد أن الكثيرين لم يصلوا بعد إلى أعتاب الفلسفة الكامنة وراء التصوير البصري للشيء/للحدث بذاته من دون تدخل ذات الشاعر، ولماذا يستغني شاعر الهايكو عن الأنسنة والتشبيه والصفات والمجاز وما إلى ذلك من مألوف الشعر العربي. أعني لماذا نقل كثير من هؤلاء الشعراء إلى الهايكو وسائل نسج وتذييل وتوشية ليست من طبيعتها، بل هي من طبيعة الشعر الذي نشأوا على طرقاته واستظلوا بأعاريضه وأغراضه، ولم ينتقلوا بطاقاتهم الشعرية إلى أفياء ووديان وغابات عالم لم يألفوه، ولم يستدخلوا قيمه في ثقافتهم، فكانت غالبيتهم أشبه بمن استخدموا أدوات حضارة متقدمة لخدمة عالم بدائي، فاستخدموا تيجان أعمدة أثرية أوعية لتربية الصيصان، وأقواس نصر مداخل لمزارع الماشية، وأوراق كتب لتغذية مواقد الشواء.
سأقول الآن أهم ما افتقروا إليه بالتحديد؛ إدراك أن منطلق شاعر الهايكو ليس أن يدلّ هو بمشاعره ورغباته على أشياء العالم وأحداثه حين يتلقاها، بل يعمل، كما يشرح الناقد الفرنسي رولان بارت، وهو أفضل من فهم جوهر الهايكو في رأيي، على تقليص تدخل الذات المانحة للدلالة، وصولا إلى حالة الصمت اللغوي الدلالي، أي الوصول إلى حالة ذهنية شعورية تتوقف فيها اللغة وعملياتها الدلالية، وكأن العلامة اللغوية تلغي نفسها قبل أن تبدأ الدلالة بالإلتصاق بالحدث أو الشيء. لا يسعى المتلقي/الرائي وهو يلاحظ وجود الأشياء والأحداث إلى إعطائها معنى لأن غاية العلامة اللغوية هي الإشارة إلى الوجود المحض، وليس الدلالة على شيء ما.
يعني هذا أن هذه المفاهيم تتضمن تصوراً خاصاً لقضية الوجود تقوم على قلب العلاقة بين الإنسان والعالم الخارجي، لأن الوجود، حين تُقصى الذات المجردة والتي مع ذلك تمنح المعنى والدلالة، سيقف على قدميه بدل أن يظل مقلوباً، ومن زاوية النظر هذه ليست الذات هي التي تحيّن العالم وعلاماته بوساطة الكلام، بل العكس هو الصحيح، أي أن العالم وعلاماته هو ما يوجد ويحيّن الذات. أي أن الذات ليست هي التي تنظر إلى العالم وتقرأ علاماته، بل العالم وعلاماته هو الذي ينظر إلى ذات الإنسان ويوجدها عن طريق ما يحدثه في داخله من فراغ لغوي أو امتلاء.
وربما يسأل أحد: لماذا الإصرار على بقاء الصمت قدر الإمكان؟ لماذا قول الكثير بأقل الكلمات؟ لماذا تجاوز النحو أحياناً في سبيل الحفاظ على قلة الكلمات؟ الجواب هو أن الهايكو ليس ضد الكلمات بالضرورة، بل لأن شاعر الهايكو يعي وعياً تاماً حقيقة أن الكلمات معرضة إلى أن تفصل نفسها عن الوقائع وتتحول إلى مفاهيم مجردة، وهو ما تقف الهايكو ضده، حتى لتكاد تبدو وكأنها قصيدة بلا كلمات.
2- هل نجح شاعر الهايكو في أن يترك بصمة في الشعر العربي ولماذا نحافظ على استخدام تسمية (الهايكو),رغم المعارضة الكبيرة لوجود هذه اللفظة ضمن الأدب العربي ؟
جواب : توجد قصائد هايكو حاول أصحابها وضع بصمتهم الشعرية في الشعر العربي، إلا أنها نادرة جداً للسبب الذي تقدم، لأن بصمتهم ظلت تحمل طريقة الرؤيا وتقاناتها المألوفة في تراث الشعر العربي. مع أن جدة تجربة الهايكو، وجدة أي تجربة جديدة، تكمن في استدخال طريقة رؤيا جديدة مختلفة مع ما تقتضيه من تقانات مختلفة أيضاً.
على سبيل المثال، ماذا يضيف شاعر عربي يكتب هايكو بطريقة الرؤيا التي زودته به ثقافته التي نشأ عليها، أو ببعض ما حاول محاكاته من طرائق غربية غريبة غربة تامة عن طرائق الرؤيا الشرقية، واليابانية بخاصة؟ في ما قرأت من قصائد وجدت بعضهم لايأخذ من هذا الشكل الشعري الغني بطرائق رؤيته وتقاناته إلا مظاهر سطحية مثل سطور الهايكو الثلاثة، أو التصوير الفوتوغرافي البحت، أو التقاط مفارقة عن طريق إحداث قران بين فكرتين أو صورتين.. وما إلى ذلك.
ما لفت نظري أكثر أنني لم أصادف إدراكاً سليماً للسبب الذي لانجد في الهايكو حلى الصفات والاستعارة أو التشبيه أو أنسنة الأشياء، وبدلا من ذلك وجدت من يدعي أنه مادام يريد كتابة هايكو "عربية" فلا بد أن يبقي على أمثال هذه التقانات.
مثلما ترفض الهايكو الغرق بطوفان الكلام، حتى تظل وثيقة الصلة بالواقع، ترفض أيضاً إلصاق الصفات بالأسماء والتشبيه والمجاز لأسباب مهمة، على رأسها أن الصفة تصف الاسم، وبهذا تحد من معناه، وتميل إلى تعقيد معنى القصيدة الشامل، وحسب رأي الياباني كينيث ياسودا، الصفة تجعل تأثير الصورة ضبابياً.
والأمر نفسه ينطبق على الابتعاد عن التشبيه والمجاز، لأن غاية شاعر الهايكو جعل الصورة البصرية واضحة، ليس لأن الهايكو، كما قال أحدهم، معنية بتصوير الشيء بذاته ومن أجل ذاته، بل لأنها تكتب كتعبير عن تجربة بأقل كلمات ممكنة، ووعي بالوجود حدسي ومباشر، ومثل هذا الوعي تشوه الطريق إلى حدسه الحسي خلط الكلمات بالوقائع، وإلحاق الصفات بالأسماء، واللجوء إلى المجاز أوكافات التشبيه الثقيلة.
أما بالنسبة للحفاظ على كلمة "هايكو"، فما الضير في هذا؟ حين يطلق هذا الاسم على قصيدة يثير في الذهن جملة من القيم الجمالية الوافدة مع هذه القصيدة؛ قيمة الفراغ الذي يستخدمه شاعرها مثلا، ذلك الفراغ الذي يترك للمتلقي فضاءً صامتاً تصبح فيه العلاقة بين الشاعر والمتلقي أشبه بالعلاقة بين مضيف وضيف يتبادلان فيها الأدوار، وخاصة وأن الهايكو في الأصل هي مطلع قصيدة، أي ليست إلا بداية على القاريء أن يكملها.
وهذه القيمة الأخيرة مجهولة لدى الكثيرين، حتى لدى بعض المترجمين، الذين يدخلون على الهايكو حين يترجمون كلمات تملأ ما يحسبونه مجرد فراغ بلا معنى، من دون وعي بأن الشاعر ترك الفراغ متعمداً، فيحولون الهايكو إلى قصيدة برؤيا بلا هوية، ولاتعود تحمل من الهايكو إلا الاسم، لأن أهم خصائصها، مساحة الصمت، تختفي في هكذا ترجمة.
وأعتقد أن أهم خاصتين يثيرهما ذكر الاسم الياباني ارتباط هذه القصيدة من حيث الجوهر بالفن التشكيلي، وبجماليات الإيحاء، أي اللامباشرة التي يطلق عليها انفتاح المعنى. وهناك قيم أخرى لا تقل عن هذا أهمية، هي لحظية الهايكو وكونها مفاجئة وبالغة القصر، على الضد من تقانة التعاقب والتوالي المنطقي فكرياً وشعورياً التي يحافظ عليها الشعر العربي. لكل هذا أعتقد أن معارضة استخدام الاسم لامعنى لها، فاللغات تستعير ألفاظاً وتعابير، وقد تترجمها أحيانا. هناك من يستعير اسم "الومضة" أو "التوقيعة" ..ولكل ما يشاء من أسماء، إنما الجوهر هو استدخال جماليات غائبة عن تراثنا الشعري، أجد فيها إخصاباً للحساسية الشعرية العربية.
3- ذكرت في أحد مقالاتك بأن الهايكو ليس شعر المهرجانات (لا علاقة لقصيدة الهايكو بالمهرجانات الخطابية، فهي لحظة جمالية لا تخدم غرضا خارج اكتشاف الجمال في الطبيعة والإنسان) نعلم في وطننا العربي لا يعجب الجمهور إلا من يكثر التصفيق له كيف سيصل إلى الناس هذا الفن الراقي ؟
جواب : لايمكن الحكم على الجمهور العربي بهذا الإطلاق، حتى مع تحكم ذائقته هذه بردود أفعاله التي نشاهدها في مهرجان أوتلفاز على الشعر، أو ما يقدم باسم الشعر. لأن ذائقة الجمهور تتغير وتختلف من عصر إلى آخر. وعلينا أن نسأل بدل إطلاق هكذا حكم، عن الأساسيات الثقافية التي ترسخها في الجمهور العربي أربعة أطراف هي على التوالي، التراث الشعري والشاعر ومن يتلقون شعره والمؤسسة الوسيطة، والنظر في ما يتضمنه التراث الشعري من أساسيات، وشخصية الشاعر ومطامحه ومستواه، وما يطلبه الجمهور ودور المؤسسة الوسيطة، يجعلنا نفهم كيف تصنع هذه الذائقة، ومدى قربها أو بعدها عن المعايير الأكبر من معايير الزواريب الضيقة في هذا البلد أو ذاك.
وحسب ما شاهدتُ وسمعت وجربت، الجمهور يصفق ويتحمس في غالب الأحيان ليس لأنه يفهم أو يدرك أو يتذوق بل لأنه يخضع لعملية استهواء مثلما يخضع لها من يصفق لأنه يخشى أن يتهمه جمهور الحاضرين بأنه لايفهم ما هو الشعر، أو ذلك الذي أقسم أن ثياب الإمبراطور رائعة، مع أن هذا الإمبراطور كان عارياً، فقط لأنه أشيع أن من لايشاهد هذه الثياب "الرائعة" لايستحق وظيفته التي يشغلها.
كانت لي تجربتان في أحد المهرجانات الشعرية التي شاركتُ فيها قبل سنوات في عاصمة عربية تستحق الذكر. في ذلك المهرجان، وأنا في وسط الجمهور جربت التصفيق لشاعر ما أن دعي للصعود إلى المنبر، فقلدني الجمهور وصفق من دون أن يعرف لماذا صفقت، وفي مرة أخرى صفقت لشاعر يلقي قصيدة باللغة الانكليزية فصفق الجمهور الذي لامعرفة لغالبيته بالانكليزية أيضاً.
أما عن الهايكو، فحين كنت مدعواً إلى المهرجان الشعري السنوي الذي تقيمه مدينة "سيت" الفرنسية في العام 2011، قرأت بعض قصائد الهايكو التي كتبتها (مع ترجمة إلى الفرنسية بالطبع) في فترات متفرقة، بعضها تحت ظلال مدن غربية، وبعضها في مدن على أطراف الصحراء العربية، وأدهشني رد فعل جمهور هذه المدينة الصغيرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، كان تجاوبه مع قصائدي يفوق التصور، وعبر عدد منه عن تأثره لأن شعر "طبيعة" مثل هذا، كما قال، أثار فيه مشاعر ابتهاج وفرح وهو يستمع إلى تجربة شعرية جديدة عليه، وفوجئت في اليوم التالي أن فرقة موسيقية فرنسية مشاركة في المهرجان أعلنت أنها "ألفت مقطوعات هايكو موسيقية بعد أن استمعت إلى قصائد الهايكو التي قرأتها".
أعتقد أن ما يحتاجه الجمهور العربي هو أن يكون حراً، لآنه يرزح تحت وطأة تراث شعري ثقيل ومفاهيم عن الشعر والشاعر وعن دور المتلقي أقل ما يقال فيها أنها مجردات لاتعلق لها بأي واقع من أي نوع.
4- كيف يمكن أن يندمج شعر الهايكو في الثقافة العربية وهو شعر فلسفة الزن هل سيكون أقرب إلى المتصوفة الشرقيين؟؟
جواب : ليس المطلوب أن يندمج شعر الهايكو في الثقافة العربية، بل أن تتعرف عن طريقه على قيم جمالية من هذا الشرق الذي هو شرقنا، بدل أن تظل أسيرة خيارات فرضها عليها غرب لم يستعمر الأرض فقط، بل واستعمر المخيلة والوعي. ما نريده من الانفتاح على الهايكو، وعلى موروثات الشرق الأخرى، اليابانية والصينية والهندية.. إلخ، هو إطراح معايير الثقاقة الغربية ومركزيتها التي جعلت من معاييرها معايير ومقاييس كونية، وفرضتها على الشعوب التي استعمرتها.
فلسفة "الزن" اليابانية، أو التأمل، هي إحدى الفلسفات الراقية التي تسربت شأنها في ذلك شأن شعر الهايكو إلى العالم الغربي مبكراً، كما تسربت فلسفات شرقية أخرى دينية مثل البوذية والطاوية، وأحدثت في الغرب يقظة فكرية وفنية هائلة من المؤسف أننا في الوطن العربي افتتنا بآثارها وبصماتها في فلسفة وفنون الغرب، من دون أن نرجع إلى الأصل.
لدينا من ركض وراء "سيريالية" أو "وجودية" أو "مدرسة الشعر التصويري" من دون أن يرجع إلى أصولها، وأخذها على علاتها كما فهمها الغربيون بكل قصورهم المعرفي. فهم ترجموا كتاب "الطاو" وطار السيرياليون بعبارة "أفعل وكأنك لاتفعل" وقلبوها إلى "الكتابة الآلية"، وأخذ الفيلسوفان الألمانيان "نيتشة" و "هايدجر" دوافع ثورتيهما، الأول علو معلم الطاو فوق الخير والشر معاً، والثاني تصنيف الوجود إلى مستويين، وجود وطيد، ووجود زائف، من التمييز ذاته لدى معلمي فلسفة التأمل اليابانية.
التصوف شرقي في الأصل، ولايحتاج الإنسان إلا إلى القليل من الانتباه ليدرك أنه في حضرة متصوف حقيقي حين يصاحب شاعري هايكو يابانيين مثل باشو، أو إيسا، ويرتاد مع الأول أقاصي الشمال االبعيد، أو يجلس ليراقب مع الثاني عصفوراً يتيماً يدعوه ليلعب معه.
الشرق بالنسبة لنا مجهول، مع أنه منبع قيمنا وتقاليدنا وإن كان اكثرنا لايشعرون.
5- عادة ما يكون المترجم كاتباً، وصاحب إنتاج وأسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
جواب :للترجمة تأثير الحوار بيني وبين من أترجم كتابه، ليس الأمر أمر نقل أثر من الآثار فقط، هو بالإضافة إلى ذلك، والأكثر أهمية، إصغاء إلى إيقاع كاتب، إلى إيقاع ثقافته، واغتناء بما يتكشف لي من آفاق. ما ترجمته من كتب كان لها تأثير فكري عليّ، وشرحت هذا في مقالة لي قبل سنوات. من ذلك ترجمة كتاب عن "فيزياء الكوانتم" أخذني إلى اكتشاف معنى التجربة الخلاقة، والحوار، والهوية، والعلاقات الإنسانية، وسلط عليها اضواء جديدة كانت مفاجئة لي وكأن هذا الكتاب أعاد صياغتي مجدداً.
وحدث الأمر نفسه مع ترجمتي لكتاب "واحدة بعد أخرى تتفتح أزهار البرقوق"، دراسة كينيث ياسودا الرائعة لقصيدة الهايكو، إذ فتح لي آفاق الفن والشعر والتاريخ الفكري لما أطلقت عليه في مقالة لي تعبير "الشرق شرقنا". وكان لكتاب "الإغتراب" للألماني رتشارد شاخت أثر مهم في إيضاح مفاهيم فلسفية لم تحسن الترجمات العربية نقلها بدقة مثل مفهوم "الإغتراب" و "الوجودية" و ما إلى ذلك من مفاهيم نشأنا على صور غير دقيقة لها ولأصحابها، هذا إن لم تكن صوراً مشوهة. بكلمة مختصرة علاقتي بالترجمة هي علاقة قراءة مجددة لنفسي وللعالم من حولي.
6- هل هناك اعتبارات ما لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
جواب : الاعتبار الأول في اختياري هو اقتناعي بأن العمل الذي أترجمه يمكن أن يفتح أفقاً معرفياً للقاريء العربي. هذا هو الهاجس الأول، أما الهاجس الثاني فهو إعادة ترجمة عدد من الأعمال التي وجدت أنها تمت ترجمتها إلى العربية باستهانة، وخاصة الشعرية والفكرية منها. في السنتين الأخيرتين ترجمت لحسن الحظ بتكليف من دار نشر روايتين للكاتب الانكليزي "جورج أورويل"، الأولى هي "1984" والثانية هي "مزرعة الحيوان"،
وكانت ترجمة هاتين الروايتين مناسبة لاكتشاف إساءة الفهم التي تعرض لها نتاج هذا الكاتب، الذي أخذت الدعاية الغربية كتبه إلى غير ما قصده منها، فاعتبروها رفضاً للإشتراكية، ونقدا قاسياً للاتحاد السوفياتي، بينما تبين مع إعادة نشر أعماله، وخاصة رواية "1984"، في الولايات المتحدة والإقبال عليها، أنه كشف الظلام الذي تلقي فيه الدكتاتوريات أي بلد، سواء كانت دكتاتورية حزب أو نظام رأسمالي، وكان سبب إقبال الغربيين عليها، وخاصة الأمريكيين منهم، اكتشافهم في العام 2017 التطابق التام بين شخصية "الأخ الأكبر" في هذه الرواية وشخصية الرئيس الأمريكي "ترامب". وساعدتني العودة إلى مقالات كتبها "أورويل" عن عمله الروائي على فهم أنه لم يكن ضد الاشتراكية بالمطلق، بل ضد نمط من أنماطها كان يراه منحرفا عن إنسانية الاشتراكية.
ترجمت بعد ذلك ونشرت في العام الماضي كتاب "الطاو" تحت عنوان "الطريق الحق"، وكتاب "فن الحرب" لسون تزو، وتطبع الآن ترجمتي لرواية ديستويفسكي "الشياطين".
7- هناك من يرى أنّ "حركة النقد في وطننا العربي لا تواكب حركة الحداثة العالمية . برأيك ما هو المطلوب من النقد وما هي ضرورته أصلاً لكاتب الهايكو خصوصا ولشعر الهايكو بشكل عام ؟
جواب : مر النقد الأدبي والفكري بربيع رائع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم انزوى في العتمة بسبب الانحدار السياسي وهيمنة من أسميهم كلاب صيد الولايات المتحدة في غالبية أقطار الوطن العربي على وسائل النشر والطباعة والصحافة ، أي على النوافذ التي يطل منها القراء على كتابهم وأعمالهم. فبدأت تُشن حرب "ثقافية" و "فكرية" (تجهل الغالبية وجودها حتى) على أبرز الوجوه الثقافية وأعمالها، وتشويه أفكارها، وطمسها بأي طريقة من الطرق. وازداد عدد ضحايا هجمة كلاب الصيد على الفكر النقدي، بالطرد من الجامعات أو الاغتيال، إلى جانب تمويل طباعة أعداد هائلة من الكتب الظلامية وزجها في معارض الكتب وجواسق المطارات وأينما تيسر.
وبالعودة إلى التراث النقدي الذي مازالت علاماته البارزة متوفرة في عدد من المكتبات والخاصة والذاكرات الشخصية، نكتشف كم كانت الحركة النقدية واعدة، ولكن السبب الرئيسي لانزوائها، وجهل القاريء العربي بنتاجات مهمة لكتابها، هو ما ذكرت. أما مسألة الحداثة والتحديث ومواكبة "حركة الحداثة العالمية" فمسألة فيها نظر لأن مفاهيم الحداثة ما تزال ملتبسىة على صعيد العالم، ويمكن أن يدهش دعاة الحداثة الفكرية والفنية عندنا إذا علموا أن في أمريكا اللاتينية منذ أوائل القرن الحالي نشأت حركة تحرر وكشف، تحرر من إلزامات ما تسمى الحداثة، والمقصود بها الحداثة الغربية، التي عممت معاييرها، وكشف عن تلازم هكذا حداثة مع حركة استعمار وإبادة ثقافات شعوب آسيا وإفريقيا.
الحداثة ليست احتذاءً لتيارات فكرية وثقافية وفنية تسري هنا وهناك، بل هي اكتشافنا لمكاننا في التاريخ، أو العودة إليه سياسيا وثقافيا وعلميا، أي أنها جهد شخصي يبدأ من ترابنا وزمننا كما عبر ذات يوم المفكر الجزائري مالك بن نبي في حديثه عن شروط النهضة.
النقد الأدبي، نقد الشعر، بما في ذلك شعر الهايكو، ضروري بالطبع، ومن المنتظر أن ينتبه النقاد إلى أن موجة قصيدة الهايكو التي يكتبها شعراء عرب تنتظر مساهمتهم. وفي الآونة الأخيرة لاحظت اتجاه عدد من أصحاب الدراسات العليا في الجامعات العربية، وغالبيتهم من النساء، إلى تقديم أطروحات موضوعها شعر الهايكو بالتحديد، وقرأت عدداً من الدراسات الجادة نشرت على صفحات الانترنت، وأبرزها دراسة أ. د. بشرى البستاني من العراق، وهناك كتب مختارات من شعر الهايكو تصدر في هذه العاصمة العربية أو تلك، ولدي كتاب لافت للنظر من الجزائر للأستاذة آمنة بلعلي عنوانه "خطاب الأنساق: الشعر العربي في مطلع الألفية الثالثة"، تضمن فصلا درست فيه شعر ثلاثة من شعراء الهايكو العرب. ولدي علم من الجزائر أيضاً، أن الباحثة أمل بولحمام تعد في هذه الأيام أطروحتها الجامعية عن شعر الهايكو.
إذاً، ثمة إحساس جاد بأهمية تجربة الهايكو رغم تجاهل الكثير من نقاد الشعر لما يكتبه شعراء عرب. المسافة مازالت طويلة بيننا وبين اليقظة على العالم المحيط بنا فنيا وثقافياً، ولكن هناك تقدم قياسا بما كان عليه الحال قبل 25 سنة مثلا حين قدمتُ كتاب الهايكو الذي ترجمته (كتاب كينث ياسودا) للنشر في إحدى المؤسسات الثقافية فأرسلته إلى أستاذ جامعي يعمل لديها مستشاراً، فرفضه فوراً بحجة أن القاريء العربي لايهمه الإطلاع على الشعر الياباني، والهايكو بخاصة، ولكن الكتاب وجد لحسن الحظ من يتبنى نشره، وهو الكتاب الذي قدم لأول دراسة معمقة لقصيدة الهايكو في اللغة العربية في العام 1999.
8- إذا كان للشعر الياباني أربعة كبار وقد تجاوزا الأسس التي كتب بها باشو , ما رأيك بظهور العشرات من الكبار في الهايكو العربي
أتمنى توضيح مفهوم الهايكو التقليدي والهايكوالحديث ؟؟
جواب : قصيدة الهايكو ذاتها في اللغة اليابانية تنوعت أسس كتابتها، ولم تبق كما كانت حين ولدت على يد "ماتسو باشو" في القرن السابع عشر وكان أسمها "هوكو" أي قصيدة المطلع، قبل أن يمنحها شاعر آخر هو ماساوا شيكي اسم "هايكو" في القرن التاسع عشر. ولم يعد التمسك بما يسمى الموضوعة الموسمية ضرورياً، ولا تركيز بؤرة القصيدة على مشهد واحد، بل أصبح من الممكن كتابة هايكو تتضمن بؤرتين.. بل وتنوعت استجابة لأيديولوجيات الشعراء، فظهر من أخذها إلى حلبة الصراع الطبقي، ومن أخذها إلى عوالم الجنس مبتعداً بها عن عوالم النساك.. وهكذا.
حتى الآن لاأستطيع القول بظهور عشرات من الكبار في الهايكو العربي، أما توزيع الألقاب فلا أستسيغه.
وغريب أن يظهر "شعراء هايكو" عرب يتنفجون ويفاخر بعضهم بعضا، لأن شاعر الهايكو هو أشد الناس تواضعاً، لايعرف أخلاقا من هذا النوع. ولكن ما يحدث هو أن كثيرين ممن اتجهوا إلى الهايكو حملوا معهم عقلية الحطيئة الهجّاء و نفسية التعاظم التي تميز بها المتنبي، فأساؤا إلى القصيدة وإلى أنفسهم قبل كل شيء.
أما مفهوم الهايكو التقليدي فهو التزامها بالقواعد التي وضعها مؤسسها باشو، ويمكن تلخيصها بواجب تضمين الموضوعة الموسمية، ووجود خلفية دينية، والنزاهة أي إخلاص الشاعر لما تكشف له، والأكثر أهمية روح النسك التي جعلت من شاعر الهايكو زاهداً همه الوحيد البحث عن معنى في هذا الوجود، وأخيراً التزام إيقاع قائم على سبعة عشر مقطعاً.
وحدث خروج على هذه القواعد جزئي في ما سمي بالهايكو الحديثة، أو التي لاتتبع النسق المعتاد، لعدة أسباب، أولها رفض شعراء هايكو نسقها الموروث بسبب الشعور بأن استبصارهم يبلغ من العمق والوضوح حد أنه يتطلب نسقاً آخر، وانعكس هذا في اتخاذ كل شاعر طريقة في التعبير خاصة به، وطالب بعضهم بأن تترك لهم حرية كيفية تقطيع سطوره. وأهم تحديث أدخلته ما سميت بمدرسة "الاتجاه الجديد" هو واجب أن تعبر الهايكو عن إيقاعات الإنطباعات الحركية.
ومعنى هذا تحطيم الشكل القديم ، ورفض أن يكون هناك شكل أساسه عدد المقاطع. ويلخص بعض المجددين هذا بالقول أنه يريد التعامل "مع مفهوم مركب" يتعامل مع حساسية جديدة. وقال آخر أنه يمكن تحقيق إحساس أكثر جدة بالجو والحالة النفسية بالاستغناء عن الاهتمام الشكلي بالموضوعة الموسمية. وإزاء شكل الهايكو التقليدية القائم على ثلاثة جوانب بتعبير كوريباشي ظهر شكل الهايكو القائم على ما يسمى المستطيل، أي بالجمع بين مثلثين. ففي حين اعتمدت الهايكو التقليدية على تناغم ثلاثة أفكار في مشهد واحد، ومن هنا جاءت صفة المثلث، اعتمدت الجديدة على مشهدين، خلفي وأمامي.
9- كلمة أخيرة للمتصارعين حول الريادة على الهايكو
ولمن يود فعلا أن يكتب في شعر الهايكو !!
جواب : يخيل لي أن التصارع، سواء كان على الريادة أو على من الأفضل والأقرب إلى روح الهايكو، لامعنى له وتجاهل لأهم أسس كتابة قصيدة الهايكو، أو الشعر بشكل عام: أعني النزاهة والتجرد والتواضع. أما المتوارث من تقاليد بائسة استهلكت طاقات الشعراء مثل شعر الهجاء والذبح والقتل، وتأليف الجيوب على الأخص، والتعبير الأخير لعالم اللسانيات الجزائري رشيد بن عيسى، فليست غريبة عن عالم الشعر بكل فنونه فقط، بل وغير أخلاقية لاتليق بالإنسان، فما بالك بالشاعر.
منبع قصيدة الهايكو روحي بالدرجة الأولى، أي أنها استجابة لحاجة الإنسان إلى اكتشاف معنى وجوده، فإن لم يكن هذا هو الدافع إليها فلن تحمل شفاءً لالروح شاعرها ولا للناس من حوله. وأعجب من كل هذا أن تجدي أناساً لاأرواح لهم أساساً، يواصلون الإعلان عن أنفسهم على أنهم شعراء هايكو!
في الختام كل الشكر لك أديبنا الكبير دمت بخير .







ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق