أسامة شحادة*
كعادته دوماً، أهداني الصديق العزيز د. عيسى القدومي كتابه الأخير “أكاذيب أشاعها اليهود”، وهو في الأصل جزء من رسالته للدكتوراه، وصدر عن مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية مطلع العام الحالي، ويقع في 420 صفحة.
ويقوم الكتاب على حصر الشبهات والأكاذيب التي يروجها اليهود حول أحقيّتهم في القدس وفلسطين، وشبهاتهم حول تدني مكانة القدس في الإسلام، ومزاعمهم أن المسجد الأقصى ليس في القدس.
لكن قبل سرد الشبهات وتفنيدها، قدم د. القدومي بمقدمات مهمة، أُلخّصها في قضيتين:
أولاً، كشف منهج التزييف الذي يمارسه اليهود، والذي كان من نتائجه هذه المزاعم والأكاذيب التي فندها الكتاب.
ومنهج اليهود في التزييف يقوم على طريقتين: قلب الحقائق باختراع الأكاذيب وترويجها؛ والسكوت وإهمال الحقائق المتعارضة مع مصالحهم.
وقد بين الله عز وجل لنا في القرآن الكريم جريمة اليهود بتحريف التوراة، فقال تعالى: “وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ” (آل عمران، الآية 78). ومن تجرأ على كلام الله تعالى بالتحريف والتزوير، فجرأته على تزوير التاريخ والواقع ستكون أكثر وأكبر.
وبخلاف الشبهات والأكاذيب التي زوروا بها التاريخ، فإنهم عمدوا للواقع فزوّروه، من خلال هدم مئات القرى الفلسطينية وتسويتها بالتراب، والبناء على أنقاضها مستعمرات ومستوطنات بأسماء عبرية. ومبالغة في التزوير، يقومون ببنائها بأحجار بيوت الفلسطينيين من دون استخدام الإسمنت، لخلق وهم وانطباع بقِدم هذه المستوطنات لدى العابرين من أمم الأرض لزيارة فلسطين!
ثانياً، استعرض د. القدومي كتابات وجهود المشككين بمكانة المسجد الأقصى عند المسلمين، وهم أربعة أصناف:
1 – المستشرقون اليهود. وهذا جانب يغفل عنه كثير من الناس. فاليهود كانت لهم، منذ نشأة الإسلام، جهود خبيثة لضرب الإسلام وتشويهه، سواء بشكل مباشر، كما يتضح ذلك حين سأل كفار قريش كعب بن الأشرف اليهودي: من أفضل نحن أم محمد؟ فأجابهم: إنكم يا كفار قريش أفضل من محمد وأصحابه، فأنزل الله تعالى قوله: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً” (النساء، الآية 51)؛ أو بشكل غير مباشر كما قال تعالى: “وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (آل عمران، الآية 72). ثم رأينا دور عبدالله بن سبأ اليهودي وأمثاله في الاندساس بين صفوف المسلمين وتأليب الناس في مصر والعراق على الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، حتى قتلوه. ثم بدأ ابن سبأ بنشر بعض العقائد اليهودية بين المسلمين لكنه كساها حلة إسلامية.
وما يزال اليهود لليوم يمارسون هذا الدور المعادي للإسلام، عبر جحافل المستشرقين اليهود الذين يتخصصون في التراث والتاريخ الإسلاميين، ويمارسون دورهم الخبيث عبر جامعات إسرائيل العبرية أو الجامعات الغربية، ولهم تحقيقات لبعض كتب التراث الإسلامي، ودراسات ومقالات ومواقع إنترنت.
ومن أمثلة هؤلاء اليهود المستشرقين:
– د. بوهل المتخصص في النحو العربي وتاريخ اللغة. وهو يهودي يحمل الجنسية الدنماركية، وله كتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وترجمة معاني بعض أجزاء من القرآن الكريم للغة الدنماركية.
– د. إسحاق حسون. وهو محقق كتاب “فضائل بيت المقدس” لأبي بكر الواسطي العام 1969. وقد حصل على درجة الدكتوراه بهذا التحقيق من الجامعة العبرية.
– الباحثة حوا لاتسروس يافه. تعمل في الجامعة العبرية، وهي متخصصة في الدراسات الإسلامية. وقد اهتمت بدراسة الخليفة الفاروق رضي الله عنه منذ الثمانينيات، ولها أبحاث وكتب عدة حول الإسلام وتاريخ القدس.
وقد أورد د. القدومي أسماء أخرى للمستشرقين اليهود لا يسع المقام لاستعراضهم.
وأغلب أبحاث هؤلاء اليهود وغيرهم تدور حول القدس؛ فلهم اهتمام كبير بدراسة التراث الإسلامي حولها. لكنهم يتقصدون إخراج منتج يزعم أن المسجد الأقصى لا قيمة له في الإسلام، وأن الأمويين هم من جعل للقدس هذه المكانة لتكون بديلاً عن مكة!
وهؤلاء الباحثون لا يقتصر عملهم على الجانب الأكاديمي، بل كثير منهم ينخرط في مؤسسات الدولة السياسية والأمنية. فالمستشرق يتسحاق أورون، والباحث تسفي لنير، ترأس كل منهما مركز البحوث السياسية بوزارة الخارجية. أما المستشرق تسفي البيلغ فأصبح حاكماً عسكرياً خمس مرات. وشغل كل من يهوشفاط هو كابي وشلومو غازيت منصب رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وهكذا.
وقد وضعت الدولة الإسرائيلية تحت تصرفهم إمكانات غير محدودة، مما جعلهم ينتجون دراسات وأبحاثا كثيرة، هي على نوعين: نوع لاستخدام إسرائيل، وتحتوي على حقائق وتوصيات لكيفية التعامل مع الفلسطينيين والعرب والمسلمين بمختلف شرائحهم. والنوع الثاني للدعاية لإسرائيل في الداخل والخارج، وهذه تُحشا بالأكاذيب والافتراءات بحرفية وإتقان عاليين.
2 – أيضا من المشكّكين في مكانة القدس والمسجد الأقصى، عدد من العلمانيين سماهم المؤلف “العلمانيون الجدد”. وقد كشف العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة عددا كبيرا من هؤلاء. وهم في الحقيقة يرددون شبهات ومزاعم اليهود. ولعل المنطلق لهم في ذلك هو كرههم للتيار الإسلامي، بل كرههم للإسلام نفسه، بدافع من منطلقاتهم الإلحادية. وهؤلاء موجودون دوما، لكن حين تضعف الأمة يمكنهم المجاهرة بآرائهم. ويكفي أن وزارة الخارجية الإسرائيلية تحتفي بمقالاتهم وتعيد نشرها على موقعها الإلكتروني، وهم عابرون لكل الجنسيات العربية، بل منهم فلسطينيون.
3 – من المشككين بمكانة الأقصى والقدس عند المسلمين الماسونية والماسونيون. وقد صرح أمين القدس الأسبق السيد روحي الخطيب أنه تلقى من بعض الماسونيين الأميركيين رسالة في ستينيات القرن الماضي يقترحون فيها شراء أرض المسجد الأقصى أو بعضه لإقامة الهيكل المزعوم. وما تزال هناك جهود ماسونية محمومة لإعادة بناء الهيكل منها إنشاء “غرفة القدس الماسونية” العام 1995 في جوار الأقصى لهذه الغاية.
4 – بعض الفرق الباطنية المنسوبة للإسلام. ففرقة القاديانية أو الجماعة الأحمدية -التي أصدر المؤتمر الإسلامي قرارا بخروجها عن ملة الإسلام، والتي تجعل من مؤسسها ميرزا غلام أحمد نبياً بعد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وتكفّر من لم يؤمن به- تزعم أن المسجد الأقصى ليس في القدس، بل هو مسجد الميرزا في بلدة قاديان في الهند!
أما الشبهات التي رصدها د. القدومي في أطروحته، واستغرقت نصف الكتاب تقريبا، فقد قسمها إلى ثلاثة أقسام:
1 – شبهات ومزاعم اليهود الدينية في القدس والمسجد الأقصى. وتتمثل في الزعم أن المسلمين بنوا المسجد الأقصى على أنقاض الهيكل المزعوم، وأن حائط البراق (المبكى لدى اليهود) هو الجزء الباقي من الهيكل. كذلك أن لليهود حقا دينيا في القدس والأقصى، وأن القرآن يؤكد حق اليهود في القدس، وأن تحويل القبلة من بيت المقدس لمكة أنهى ارتباط الإسلام والمسلمين بالقدس.
2 – شبهات ومزاعم اليهود التاريخية في القدس والمسجد الأقصى. وتتمثل في زعمهم أن لهم حقا تاريخيا في القدس والأقصى، وأن لليهود تاريخا عريقا هناك، وأن فلسطين كانت أرضا بلا شعب، وأن فلسطين والقدس باعهما الفلسطينيون والعرب واشتراهما اليهود.
3- شبهات ومزاعم اليهود حول مكانة القدس والمسجد الأقصى عند المسلمين. وتتمثل في زعمهم أن علماء المسلمين أنكروا قداسة القدس، وحذروا من الأحاديث المكذوبة في فضل الأقصى، وأنه لم يكن لهما دور حضاري ثقافي في التاريخ الإسلامي، وأن الأمويين هم الذين أسبغوا القداسة على القدس، وأن المسجد الأقصى مسجد في السماء وليس في الأرض.
وقد أطال المؤلف النفس في الرد على هذه الشبهات والمزاعم. ويجب على كل دارس ومهتم أن يطالع الكتاب ويدرس الردود العلمية والموضوعية على هذه المزاعم اليهودية، خاصة في هذه المرحلة التي اشتعل فيها الصراع مجدداً مع اليهود، مما يلزم معه حشد كل الطاقات الشعبية خلف المقاومة، وذلك بعد سنوات طويلة استطاعت إسرائيل فيها حجب الوعي بحقيقة القضية الفلسطينية عن عقول كثير من الشعوب والأجيال العربية، بمن فيهم الفلسطينيون، وذلك عبر خيارات سياسية سلمية أسقطت كل البدائل الأخرى، وعبر سياسات تعليمية وإعلامية أعلت من شأن الترفيه والمتعة والجري خلف المظاهر الاستهلاكية والعادات الوافدة، فأفرزت جيلا فقد بوصلة الوعي بقضية فلسطين. ولكن والحمد لله لم يفقد كليا العاطفة تجاه فلسطين.
من هنا، يجب على كل المخلصين والشرفاء العمل على رفع وتوجيه العواطف الجياشة من الشباب العربي والمسلم نحو فلسطين، لتصبح حالة وعي وإدراك وانتماء ومشاركة إيجابية، خاصة أنها الحالة العاطفية التي تجمع بين عواطف التضامن مع الشهداء والجرحى والمهجرين وبين عواطف العزة والانتصار والبطولة والشرف.
*كاتب أردني
*كاتب أردني





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق