
العالم لا يحترم إلا الأقوياء.. لخصت هذه العبارة السارية، بشكل كبير الوضع الميداني الآن في فلسطين، ففي الوقت الذي كان يرى فيه البعض أن القضية الفلسطينية تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد سنوات من الوضع على أجهزة التنفس الصناعي، بفعل فاعل، إذ بالمعادلة تتغير رأسًا على عقب، في أقل من 11 يومًا.
نجحت المقاومة الفلسطينية بما حققته من إنجازات على أرض المعركة في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، سواء في القدس أم غزة، في إجبار العالم لأن يعيد النظر مرة أخرى في سياساته تجاه القضية برمتها، وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت نفسها مجبرة على الانخراط في الأزمة بشكل مفاجئ.
وبعد أكثر من أسبوع كانت الإدارة الأمريكية تراقب خلاله ما يحدث في غزة من مقاعد المتفرجين، إذ بها تجد نفسها مضطرة للتدخل من أجل وقف إطلاق النار عبر التواصل المباشر مع الجانبين، الفلسطيني والإسرائيلي، بجانب قوى أخرى وسيطة على رأسها مصر وقطر.
لم يكن الملف الفلسطيني خاصة والصراع العربي الإسرائيلي عمومًا، على رأس أولويات إدارة جو بايدن التي وضعت نصب أعينها "الاتفاق النووي" كأبرز الملفات المدرجة على قائمة الاهتمامات فيما يتعلق بالسياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط، وعليه لم تعين سفيرًا لها لدى "إسرائيل" ولا لدى السلطة الفلسطينية.
هذا بخلاف عدم تعيين مبعوث خاص بالصراع العربي الفلسطيني، كما هو الحال في الملفات الأخرى كالملف اليمني، فضلًا عن تأخر اتصال بايدن برئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو إلى نحو شهر، على عكس المتعارف عليه مع الإدارات السابقة.
ومن التجاهل التام للمشهد الفلسطيني إلى ترقيته لبؤرة الاهتمام الأمريكي، الرسمي والشعبي، يبقى السؤال: ما الذي تغير لتعيد واشنطن النظر في موقفها حيال هذا الملف؟ وهل تجبر المقاومة الفلسطينية الإدارة الأمريكية الجديدة لإعادة ترتيب أولويات سياساتها الخارجية مرة أخرى؟
لماذا تجاهلت إدارة بايدن القضية؟
حرص بايدن خلال حملته الانتخابية على مسك العصا من المنتصف فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث الميل إلى حل الدولتين لإنهاء هذا الصراع، وإلقاء اللوم على سياسات سلفه دونالد ترامب، وإن كان ذلك لا ينكر المجاهرة بدعم الإسرائيليين كما كشفت التصريحات المباشرة لنائبته، كاميلا هاريس، أكثر من مرة.
ومنذ توليه مقاليد الحكم يناير/كانون الثاني الماضي، تجاهلت الإدارة الديمقراطية الجديدة، الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو الصراع الرئيسي في الشرق الأوسط، فيما تصدر الملف الإيراني قائمة الأولويات، وهو التوجه الذي أثار الكثير من التساؤلات والتكهنات في آن واحد.
كثير من المحللين أرجعوا هذا التجاهل إلى الاطمئنان تمامًا لاستقرار الوضع لصالح الكيان المحتل، وأن القضية الفلسطينية أوشكت على الدخول - طواعية أو كرهًا - غرفة الموت السريري، بعد الإجراءات التي اتخذها ترامب لدعم تل أبيب من جانب، والحصار المفروض على المقاومة، سواء من الإسرائيليين أم حلفائهم العرب، من جانب آخر، الأمر الذي يجعل من فكرة التصدي الفلسطيني للمخططات الإسرائيلية، دربًا من الخيال، على الأقل في تلك المرحلة.
وفي ظل تلك الوضعية، إضعاف متواصل للمقاومة وإجهاض للقضية وتفريغها من مضمونها، في مقابل تقوية سياسية واقتصادية وعسكرية لـ"إسرائيل"، لم تجد الإدارة الأمريكية أهمية لإعطاء هذا الملف الأهمية التي أعطتها الإدارات السابقة، ومن ثم كان التجاهل الواضح على مدار خمسة أشهر.
علاوة على ذلك فإن انشغال الإدارة الجديدة بالأوضاع الداخلية المتردية، اقتصاديًا واجتماعيًا، التي خلفها ترامب، كان أحد الأسباب وراء تقليل منصات الاهتمام الخارجي، لا سيما في ظل المعارضة القوية من الجمهوريين، التي تمثل صداعًا قويًا في رأس الديمقراطيين، بجانب محاولة معالجة تداعيات الأحداث المأساوية التي شهدها الكونغرس خلال أيام التنصيب.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق