في أحد أيام فصل الربيع من كل عام يتجمع ملايين الصينيين حول أجهزة التلفزيون لمدة ساعتين يتم خلالها عرض "قائمة العار" للشركات والعلامات التجارية، التي لا تحترم حقوق المستهلك، بدءا من ضعف أداء خدمة العملاء وصولا إلى عمليات الاحتيال الكبيرة.
وفي "يوم حق المستهلك" للعام الحالي ظهرت أسماء كبيرة في قائمة العار منها شركة فورد موتور الأمريكية لصناعة السيارات، وفقا لوكالة "بلومبيرج للأنباء". ومن بين أسماء الشركات متعددة الجنسية المعتاد ظهورها في هذا اليوم، بث التلفزيون أسماء عدد من مربي الأغنام، الذين يعيشون على بعد 120 ميلا جنوب العاصمة بكين، والذين يستخدمون عقار كلينبوتيرول كمحفز قوي لنمو الأغنام، على الرغم من أنه محظور بسبب آثاره الصحية الخطيرة على المستهلكين، الذين يتناولون لحوم الأغنام.
وهذه الاكتشافات محبطة للروح المعنوية للصينيين المتلهفين إلى تحسن سلامة الغذاء في بلادهم، كما أنها أيضا مقلقة لأي شخص متهم بقدرة الصين على الوفاء بالتزاماتها في مرحلة ما بعد كورونا، لتفكيك صناعة تربية الحيوانات البرية البالغة قيمتها 75 مليار دولار، التي تضم عشرات الآلاف من المزارع.
ويقول الكاتب الأمريكي آدم مينتر في تقرير نشرته الوكالة إنه في الوقت نفسه، بدأت منظمة الصحة أخيرا دراسة احتمال أن تكون المزارع البرية الصينية مصدرا لتفشي فيروس كورونا على مستوى العالم. وتشير هاتان الفضيحتان، سواء إعطاء الأغنام عقار كلينبوتيرول المحظور أو مسؤولية المزارع البرية عن تفشي الفيروس، إلى مدى صعوبة الإشراف على نظام المزارع الصغيرة هائلة العدد في الصين وبخاصة عندما يكون لدى المسؤولين المحليين دوافع لتجاهل المشكلات الواضحة.
ومن المنتظر أن تتغير هذه الأوضاع مع بدء الحكومة في تنفيذ الإصلاحات الموعودة بعد جائحة فيروس كورونا المستجد، بحسب مينتر مؤلف كتاب "كوكب فناء النفايات: رحلات في عالم تجارة نفايات بمليارات الدولارات". وفي أغلب مناطق العالم، تنمو المزارع جنبا إلى جنب مع انتشار النمط الحضري، والنمو الاقتصادي وزيادة الإنتاجية الزراعية، ولكن الصين لم تشهد التقدم السريع للنمط الحضري، بسبب امتلاك الحكومة لأغلب الأراضي.
وبدلا من ذلك، يتحكم المزارعون في قطع الأراضي، التي تخصصها الدولة لهم دون أن يكون في مقدورهم تغيير نشاطها من الزراعة إلى أي نشاط آخر، وبالتالي يبحثون عن سبل زيادة إنتاجية الأرض، وهي مهمة ليست سهلة في ظل الملكيات الصغيرة، حيث يبلغ متوسط مساحة المزرعة الصينية نحو 1.25 فدان.
وعادة ما يتم تقسيمها إلى قطع تبلغ مساحة القطعة منها ربع فدان فقط ويضيف مينتر أنه بسبب عدم القدرة على زيادة مساحة المزارع عن طريق الاستحواذ على الأراضي، لجأ المزارعون في الصين منذ فترة طويلة إلى الوسائل الكيميائية لزيادة المحاصيل، بما في ذلك الاستخدام (والإفراط في استخدام) الأسمدة ومبيدات الآفات.
وهذا هو أحد الأسباب، التي تجعل الصين تتصدر دول العالم في استخدام المبيدات وبفارق كبير عن الولايات المتحدة، التي تمتلك مساحات أوسع من الأراضي الزراعية، ولكنها تستخدم ربع كميات الأسمدة التي تستهلكها الصين.
ويقول مينتر إن الحكومات المحلية الصينية، الحريصة على رؤية ازدهار الإنتاج الزراعي، تميل إلى استخدام كل السبل المتاحة لزيادة الإنتاج حتى إذا كانت هذه الوسائل تتعارض مع أولويات الحكومة المركزية في بكين لتوفير إمدادات غذاء أقل تلوثا. ولم تكن المزارع الصغيرة هي مشكلة القطاع الزراعي الوحيدة في الصين، حيث أشار مسح جديد إلى أن مزارع تربية الدواجن في شمال غرب الصين تستخدم المضادات الحيوية على نطاق واسع مع الدجاج لضمان تحقيق أقصى إنتاجية ممكنة.
ومنذ عشرات الأعوام يستخدم مربو الماشية في الصين عقار كلينبوتيرول، الذي يطلق عليه الصينيون اسم "مسحوق اللحم الخالي من الدهون"، بهدف زيادة وزن الحيوان وكمية اللحم على حساب الدهون في جسمه. وفي 1997 فرضت الصين حظرا على إضافة هذه المادة إلى العلف، لكن الواقع يشير إلى عدم فاعلية هذا الحظر حتى الآن.
وقد وجدت دراسة أجريت 2015 أن المزارعين لا يزالون يحققون زيادة كبيرة في بعض أنواع اللحوم باستخدام مادة كلينبورتيرول، وعلى الرغم من الأضرار الصحية لهذه المادة بالنسبة للمستهلكين، فإنها تظل وسيلة للنمو السريع للماشية بالنسبة للمربين.
وكانت المشكلة الوحيدة، هي ترافق النمو السريع للماشية، مع تفشي الأمراض المرتبطة باستخدام مادة كلينبوتيرول، ففي 2011 سئمت الحكومة المركزية الصينية من تجاهل حظر استخدام هذه المادة مع علف الماشية، فأمرت وسائل الإعلام التابعة للدولة بتسليط الضوء على المخالفات الفجة، التي أسفرت عن أكثر من 100 ملاحقة قضائية لمنتهكي الحظر، لتصدر أحكام بالإعدام مع وقف التنفيذ على عديد منهم.
علاوة على ذلك، أعلن المسؤولون عن مجموعة من الإصلاحات، التي تستهدف منع المزارعين ومنتجي الأغذية من استخدام الإضافات غير القانونية. وأضاف مينتر أنه بحسب أسماء المزارعين والوسطاء التي تم نشرها في "يوم حق المستهلك"، ما زال عقار كلينبوتيرول يضيف بين سبعة وتسعة دولارات إلى قيمة الخروف الواحد. ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من بيع هذه الخراف على جانب الطريق لكي تصل اللحوم الملوثة إلى الأسواق، في حين أن الحكومات المحلية إما لا تعرف أو لا تهتم بالأمر حتى الآن.
وأخيرا، فإن النبأ السار هو أن الصين لا تعتزم السماح باستمرار المزارع الصغيرة والمشكلات المرتبطة بها لتشكل مستقبل القطاع الزراعي لديها، ولكن حل هذه المشكلات سيحتاج إلى أكثر من عقدين من الزمن بحسب المسؤولين الصينيين.
وحتى ذلك الوقت، على المستهلكين في الصين أو في أي مكان آخر الاهتمام الشديد بسلامة ما يتناولونه من أطعمة، بحسب مينتر مؤلف كتاب "الأشياء المستعملة: رحلة في مبيعات المرآب العالمي الجديد".





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق