لعل صدمة خبر تسجيل أول حالة لشخص مصاب بالكورونا، وطريقة تعاطي الأردنيين معها كانت مبالغة جدا. ونستذكر كيف قامت وسائل الإعلام بانتهاك المعايير المهنية في التعامل مع أول حالة مصابة، ناهيك عن الاستعراض الإعلامي في التعامل مع الحدث واختراق خصوصية المصاب وسؤاله أسئلة لا داعي لها وهو يعاني من المرض والوجع النفسي قبل الجسدي. أما الآن فتمر الأرقام بالآلاف ولا تعنينا الكثير وقد نقرؤها في الشريط الإخباري ونحن نتابع أحد المسلسلات.
إذن هي سيكولوجية التعود على الشيء، فمن مرحلة الصدمة الى التعود الى اللامبالاة. فنذكر حين عاد المواطنون لحياتهم الطبيعية مع الحالات الصفرية وضربنا عرض الحائط كل البروتوكولات الوقائية التي اتبعت سابقا، واتهم الفيروس بأشكال نظريات المؤامرة كافة التي لا تخطر بالبال.
الى أن باغتتنا الأرقام وبالآلاف هذه المرة، وعادت وسائل الإعلام لتنشط من جديد في استضافات لمسؤولين وأطباء أنهكتهم الأسئلة الإعلامية الساذجة تارة، والتدخل في الشؤون العلاجية تارة أخرى، حتى ضاق صدر بعض المسؤولين ليقولوا لمحاوريهم: كفى، فقد أنهكتهم المقابلات اليومية وهم منهكون فعليا من حالة الطوارئ الطويلة التي أرغموا عليها.
ها نحن اليوم أمام موجة أخرى من التشكيك بفعالية اللقاح وبسرد أخطاره وأعراضه الجانبية. فهذه الجائحة أوجدت بيئة خصبة لمحبي نظريات المؤامرة ومرتعا جيدا لإطلاق الإشاعات، ونشط الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي مستغلين فترة مكوث الناس في بيوتهم بسبب القيود التي فرضتها الجائحة.
لا بد من التنويه إلى أن هذه الظاهرة ليست فقط محلية، بل إن التشكيك ونظريات المؤامرة لهذا الفيروس ممتدة في جميع أنحاء العالم. فالمتحايلون الذين يستغلون خوف الناس من الوباء وعدم قدرتهم على البحث عن المعلومات الطبية والعلمية الرسمية حوله كثر. بل تعدى ذلك الى التشكيك بالعلم والعلماء والأطباء وحسموا الأمر بشأن قرارهم في أخذ اللقاح. وكانت شركة «غوغل» قد أعلنت أن القراصنة الإلكترونيين يرسلون يوميا 18 مليون رسالة احتيال عبر البريد الإلكتروني حول فيروس كورونا. والسبب أن البشر لا يحبون سماع الحقيقة. إنها فوضى تُطبِق على العالم بأسره.
بات المشهد الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي مكتظين جدا ووضعا أمامنا آراء كل من أدلى بدلوه من الاختصاصيين والعلماء والسياسيين والمفكرين والمحللين من مختلف بلدان العالم، ولم تخل أحيانا من المناكفات السياسية بين بعض الدول على خلفية ظهور الوباء.
أما الآن وقد أصبحنا نتعامل مع الأزمة الصحية التي ألمت بالعالم بأسره على أنها حالة ومشهد وليست أزمة طارئة، فلا بد إذن أن نتساءل عن الدور الذي كان من الممكن أن يلعبه الإعلام لإيصال رسالة لبناء مجتمع متلاحم وقدرته على إيصال حقائق الواقع الذي نعيش فيه وما فرضته علينا الجائحة من تبعات نفسية.
وكيف يمكن للإعلامي أن يحول الأرقام المرعبة التي تأتينا على شكل تقرير يومي الى قصص إنسانية. فخلف هذه الأرقام القاسية، هناك عشرات القصص التي يمكن أن تحكى عن الواقع الصحي وعن أولويات الرعاية الصحية وجاهزية مرافقها لا لتبث الهلع بين المواطنين، بل لأن من واجب الإعلام أن يلقي الضوء على الواقع وإيصال رسالة للمسؤول بالتحرك لتغييره وأنسنة القصص الصحفية وبث الروح فيها. فهل تناول الإعلام تغطيات الجائحة عالميا ومحليا بدرجة تضمن رفع درجة الوعي المجتمعي حول هذا المرض؟
وهل بث رسائل إعلامية من الأمل والطمأنينة في نفوس المواطنين؟ وهل حث المتلقين على التفكير بعمق في كيف غيرت هذه الجائحة طريقة تعاملنا معها. هل كانت لدينا خطة لتطوير محتوى إعلامي مناسب لمواجهة الطلب المتزايد على المحتوى المتعلق بفيروس كورونا، في ضوء تضارب المعلومات العلمية تارة، والتهويل وإثارة الهلع تارة أخرى.
بتداخلات الإعلام التقليدي والتواصل الاجتماعي، يمكننا أن نتأمل معاً في الدور المهم الذي يمكن أن يقوم به الإعلام. فهذا الفيروس وضعنا أمام اختبار رئيسي للمواطنة، بحيث إما أن نثق في البيانات العلمية وخبراء الرعاية الصحية والمسؤولين والتي يظهرها الإعلام على نظريات المؤامرة التي لا أساس لها.
وكيف يمكن للناشطين على وسائل التواصل أن يعوا بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم؟ فلا تقتصر مهمة الصحافة على الرقابة على السلطة، بل تتجاوزها في نشر مفاهيم وترسيخ ثقافة وتوعية المواطنين. فلم يعد هناك نحن وهم، لم نعد منفصلين أو منشقين جميعنا في مركب واحد مصممين على أن نخرج منها بسلام. إن ما يحدث في العالم في مواجهة الكورونا يعكس كيف أصبح العالم قرية واحدة وأن مشاكله مترابطة، وجعلنا نعيد تعريف المواطنة العالمية، وأننا إخوة في الهم الإنساني المشترك.
أحيانا يؤدي غياب المعلومة إلى انتشار التهويل، والسرعة تأتي على حساب الدقة أحيانا وكأننا في سباق مع السبق الصحفي ما بين التواصل الاجتماعي والإعلام التقليدي. فوسط هذا القلق والفوضى، نحتاج إلى المزيد من الوعي والعناية بالصحة النفسية التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، كما علينا تسليط رسالة إعلامية عن المواطنة ودور كل واحد منا وكيف يمكننا أن نمد يد العون للآخرين.
ما نحتاجه الآن هو التركيز على مواضيع إعلامية تحيي روح التكافل والتعاون على المستوى الشعبي سواء بشكل فردي أو جماعي من خلال المؤسسات. إن الإنسانية اليوم كلها في اختبار واحد، أمام تحد حقيقي.
ورغم ما يبدو عليه أفق العالم في هذه الأيام حالكا واضطرابه شديدا جراء حالة الارتباك والضياع الناتجة عن الظروف التي تشهدها جميع الأمم، فإنه اليوم وفي ظل هذه الأزمة في حاجة الى المزيد والمزيد من الأمل وقوة الروح المنبعثة من الإيمان، بالتأكيد هذه فرصة للتأمل في دورنا ونحاول معا أن نستكشف ما يمكننا فعله بحيث نبث الطمأنينة والأمل والقوة في قلوب الجميع.
وكيف يمكننا تعزيز صفات من قبيل الوحدة والاتحاد، الألفة والتعاطف، المعرفة والإدراك، روح العبادة الجماعية والمسعى المشترك. والسؤال المهم هنا هل سنثبت بأنه مهما بلغت صعوبة الأمور في الوقت الحاضر، فإن الإنسانية ستعبر نفق هذه المحنة في نهاية المطاف وقد اكتسبت رؤية أوضح وتقديرا أعمق لوحدتها المتأصلة وترابطها المتبادل؟






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق