د. مدحت زايد يكتب: حول ظاهرة سب الموتى وتكفيرهم

. . ليست هناك تعليقات:

هذا المقال ليس دفاعا عن الدكتورة نوال السعداوى، التى وافاها الأجل بالأمس القريب، ولكنه محاولة لرصد وتتبع وتحليل وتفنيد لظاهرة سب الموتى وتكفيرهم، والتي انفجرت، كالمعتاد. بالأمس في أعقاب الاعلان عن خبر وفاتها ، فإن اخضاع انتاجها الأدبي والفكري للبحث والتحليل والتمحيص اصبح بين يدي التاريخ ، وله مجاله الآخر، 

والثابت أنها كانت تملك فكرا مثيرا للجدل ، وكانت تتبنى قضية الدفاع عن حقوق المرأة، بجرأة لافتة، وبذلت فى سبيل ذلك جهدا كبيرا وتضحيات أكبر، ولابد أنها سوف يشار إليها مع غيرها من الرواد الذين ساهموا بقسط وافر من مجهودهم وافكارهم في سبيل تحرير المرأة والدفاع عن حقها فى الحياة

وسوف يتوقف التاريخ طويلاً أمام ظاهرة مشينة حدثت على أرض مصر فى العقود الاخيرة، لم يسبق لها مثيل فى انحطاطها الأخلاقى وبشاعتها ، وصدامها مع الفطرة السوية ، الا وهى ظاهرة سب الموتى وتكفيرهم ، واستنزال اللعنات عليهم ، والسخرية منهم ، من منظور دينى بالطبع ، حيث يزعم هؤلاء الذين تجردوا من إنسانيتهم تماما ، أنهم هم الفائزون، وأن الأموات الذين استباحوا حرماتهم ، هم المغلوبون ، وأنهم يملكون مفاتيح الجنة والنار ، وقد أعمى هذا الاعتقاد بصائرهم وختم على قلوبهم وضمائرهم ، فتجردوا من مشاعرهم ، وآدميتهم ، وانطلقوا كالثيران الهائجة التى تحطم فى طريقها كل الحرمات والمقدسات ومكارم الاخلاق
والحقيقة أن بزوغ هذه الظاهرة الكريهة على ارض مصر ، يُعد كالحدث الجلل ، كما أنه أمرٌ بالغ الغرابة على المكون النفسي للمصري الذي علّم الدنيا الحضارة والرقى ، وكان يقف فى خشوع ورهبة أمام جلال الموت ، منذ فجر التاريخ ، ومنذ بدأ فى صنع حضارته قبل آلاف السنين التى أسسها على الإيمان بالله وعلى التوحيد والاعتقاد فى البعث ، والحياة بعد الموت ، والحساب والميزان المنصوب ، فكان المصرى هو المؤمن الأول بالله ، وهو الموحد الأول له على ظهر هذا الكوكب ، ولولا اعتقاده الايمانى ، وتبجيله للموت وتقديسه لفكرة البعث ، لما استطاع أن يخطو خطوة واحدة على طريق الحضارة والتمدن،

ولكننا يبدو أنه قد أضحى مكتوبا علينا أن تدمى أيدينا من حصاد شوك الغزو الوهابى اللعين ، وأن نتجرع ، حتى الثمالة ، من مرارة الارهاب الدينى المتأسلم الذي ضرب عقول المصريين فى مقتل منذ أن فتح له الرئيس ( المؤمن ) انور السادات ابواب البلاد على مصاريعها ، ليعيث فى الأرض فسادا ، منذ مطلع السبعينات ، وحتى الآن ، حيث لايزال القصف مستمرا ، بلا هوادة وبلا رحمة

إن هؤلاء الذين اعتادوا على التفاخر بهذا السباب والغوص فى مستنقع بذاءات التكفير ، للذين أصبحوا فى دار الحق ، وباتت مصائرهم بين يدي الله سبحانه وتعالى ، لايعلمون أنهم بذلك ، وفوق تجردهم من ابسط قواعد الانسانية ، فإنهم يتألون على الله ، ويشاركونه ، سبحانه ، فى حكمه ، فإن أحداً على وجه الأرض لايعلم إلى ما سوف يفضى كل متوفى ، إلا الله تعالى ، الذي يعلم السر وأخفى ، فمن أين لهم هذه الثقة ، ومن أعطاهم الحق فى ارتكاب هذه الجرائم البشعة فى حق الناس ، وفى حق الخالق تعالى كذلك

إن السقوط الأخلاقى المدوى ، والاستعلاء الناتج عن اعتقادهم بأنهم الفرقة الناجية ، وأن الباقين لابد أنهم من الفرق الهالكة ، كما صور لهم ذلك شيوخهم الافاكون المضللون ، هو الذي أدي إلى استمرائهم رمى الاخرين بالتكفير ، ولأنه ليس بعد الكفر من ذنب ، فإنه لاشك تصغر بجانبه كل البذاءات والسفالات وكل انحطاط اخلاقى ، ينال من كرامة الموتى ، وينتهك حرمة الموت ذاته ، وكل ذلك يفعلونه وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا

المحزن ، أن كل هؤلاء اللاعنين والشتامين والمكفرين ، لايعرفون للحوار طريقا ، ولا يفهمون معنى الاختلاف فى الرؤى ، ولا يدرون شيئا عن إعمال العقل ، ولايعلمون أن أحدا يمكنه أن يملك الحقيقة المطلقة ، لأنهم قد وصموا كل مخالفيهم بالكفر مسبقا ،

كما أننى أكاد أجزم أنهم وهم يسبون ويشتمون ويكفرون الموتى ، لم يقرأوا حرفا واحداً من انتاج هؤلاء الموتى ، ولو قرأوا ، لما استوعبوا ، ولو استوعبوا لما حاوروا ، لأنهم قد تعطلت عقولهم ، وتوقفت عند النقل
والآن ، هل لنا أن ندرك فداحة الخطب الذي يكاد أن يفتك بنا ، والهول العظيم الذي ينتظرنا لو أننا سلمنا أمرنا إلى أمثال هؤلاء من الذين يزعمون أنهم يتحدثون باسم الرب ، وأنهم حراسٌ للعقيدة ، وأنهم لايعرفون الا التكفير سبيلاً لإنهاء اى خلاف او اختلاف

أولم يكفهم تسليط سيف ازدراء الاديان عليهم فى حياتهم ، والزج بهم والمجددين منهم وراء أقبية السجون ، حتى ينهشون فى أعراضهم وكرامتهم بعد مماتهم ؟

ابناء قومى

القضية أكبر من ان نستخف بها ، وان نظن انها ظاهرة عارضة ، وأنها محصورة بين شرذمة قليلين ، ولكنها ، وللأسف الشديد ، ماهى إلا انعكاس صادق وأمين لشيوع أحوال الدروشة والهوس الدينى وتعطيل العقول ، والغيبوبة التى باتت تحكم افعال وأقوال الناس وعلى الرأس منهم النخب المتعلمة ، وتلك نتائجها ، وكوارثها التى اجتاحت فى طريقها ثقافتنا وهويتنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة