مائة عام من السرد... مائة عام من المفارقات العراقية المربكة
في 1921 نشر محمود أحمد السيد روايته الأولى بالتزامن مع ولادة الدولة الحديثة
حمزة عليوي
غالباً ما كانت المفارقات صانعة للحكايات الكبرى في عراق اليوم، كما في عراق يخرج للتو من ظلمة القرن التاسع عشر. مفارقة البداية/ الولادة عام 1903 بماذا تختلف، مثلاً، عن عام البدايات عام 2003... ثمة قرن كامل، مائة عام بالتمام والكمال، تفصل بين زمنين لعراق لم ينجح سوى بصنع المصائر التعيسة له ولأبنائه.
محمود أحمد السيد، رائد القصة العراقية، الذي ولد يوم 14/ 3/ 1903، مثلما يذكر أغلب مؤرخي أدب السيد وكاتبي سيرته، ومنهم جامعا قصصه علي جواد الطاهر وعبد الإله أحمد، كان على موعد متفرد مع المفارقات العراقية؛ فقد ولد لأب هو إمام جامع عبد القادر الكيلاني، ومدرس في جامع الحيدرخانة بشارع الرشيد، فكانت هذه جوهر المفارقة العراقية الأولى، أن سمح الأب - إمام الجامع الشهير لابنه أن يُفيد من إحدى غرف الجامع ويستقبل أصدقائه، ومنهم الشخصية العراقية الشهيرة حسين الرحال وعوني بكر صدقي، فكان ذلك التجمع أولى حلقات الماركسيين العراقيين. ومن تلك الغرفة، في ذلك الجامع الشهير بدأت حكاية جريدة «الصحيفة» (صدر عددها الأول في 18/ 11/ 1924)، فكانت أول معارضة حقيقية، كما يكتب كثيرون، لدولة عراقية تتشكَّل للتو. فهل كانت تلك المفارقة هي البداية؟
واقع الحال، إن سيرة السيد هي ذاتها سيرة المفارقات العراقية المربكة؛ فإذا كان قد ولد في بيت دين، وتلقى تعليماً متصلاً بمكتبة والده إمام الجامع ثم دراسته في المدارس العثمانية آنذاك، فإنه كان على موعد مفارق مع الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 ومشهد بغداد بصفتها ملعباً للجيوش المحتلة، فكانت رحلة السيد إلى الهند هرباً من مشهد مدينته المستباحة وطلباً لحياة بديلة، ولم يكن قد أدرك العشرين بعد.
واقع الحال، إن سيرة السيد هي ذاتها سيرة المفارقات العراقية المربكة؛ فإذا كان قد ولد في بيت دين، وتلقى تعليماً متصلاً بمكتبة والده إمام الجامع ثم دراسته في المدارس العثمانية آنذاك، فإنه كان على موعد مفارق مع الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917 ومشهد بغداد بصفتها ملعباً للجيوش المحتلة، فكانت رحلة السيد إلى الهند هرباً من مشهد مدينته المستباحة وطلباً لحياة بديلة، ولم يكن قد أدرك العشرين بعد.
ولكن لماذا الهند تحديداً؟ ثمة من يتحدث عن رغبته بالسفر إلى الحجاز، وليست لدينا تفصيلات مفيدة عن تلك الرحلة، وأغلب الظن أن السيد ربما كان يحاكي رحلة مماثلة قام بها سليمان فيضي، فكانت نتيجتها كتابه «التحفة الإيقاظية في الرحلة الحجازية/ 1919»، وهي مما عُرف عندنا اختصاراً بـ«الرواية الإيقاظية». ذهب السيد إلى الهند، إلى درة التاج البريطاني، مخالفاً منطق الرحلات العربية نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وهو ما فعله الشوام والمصريون عندما قصدوا أوروبا أو أميركا الشمالية.
الأربعاء - 11 شعبان 1442 هـ - 24 مارس 2021 مـ






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق