يقول باولو كويلو الروائي البرازيلي :
أردت أن أفسر أسباب الوجود .. فبدل أن أكتب أطروحة في الموضوع ..
قمت بمحادثة الطفل الموجود في داخلي .. وكم كانت مفاجأتي سارة عندما وجدت داخل الملايين من الناس في العالم طفل يشببه ..
فأردت أن اشارك قرائي الاسئلة التي لغياب الأجوبة عنها تجعل الحياة مغامرة فريدة من نوعها ..
فكانت رواية الخيميائي تتميز بمعنى روحي مستعملاً شخصيات ذوات مواهب خاصة لكن متواجدة عند الجميع .. ويستطيع العامة تطبيق معانيه الروحية .. .. كما يعتمد على أحداث تاريخية واقعية لتمثيل أحداث قصصه ..
الخيميائي قصة خرافية مدهشة ..إنها كناية عن كل فرد .. كتاب ضخم ومثير يعالج قضايا خطيرة بأسلوب ذكي وبسيط .. هذا أقل ما قالوه عن هذه الرواية الفريدة ..
لا بد من قراءة الرواية لكل من يسعي لتطوير ذاته ففيها تجسيد للمعني الحقيقي لمقولة ألبرت أينشتاين التي ذكرتها في مقال سابق بعنوان المعرفة أهم وسائل تطوير الذات ولكن ما هي المعرفة ؟؟ :
أن أجمل شئ يمكننا تجربته هو الغيب أو المجهول .. وهو مصدر الفن الحقيقي والعلم ..
وهذه مقدمة الكاتب لسلسلة رواياته الصادرة بالعربية والتي لخص فيها معني المعرفة الحقيقية :
كان أحد كبار متصوفي الإسلام .. وسوف ندعوه هنا “حسن” .. يحتضر عندما سأله تلميذ من تلاميذه :
من كان معلمك أيها المعلم ؟
أجاب : بل قل مئات من المعلمين .. وإذا كان لي أن أسميهم جميعاً .. فسوف يستغرق ذلك شهوراً عديدة .. وربما سنوات .. وسوف ينتهي بي الأمر إلى نسيان بعضهم ..
ولكن ألم يكن لبعضهم تأثير أكبر من تأثير الآخرين ؟؟ ..
إستغرق حسن في التفكير دقيقة كاملة .. ثم قال :
كان هناك ثلاث في الواقع .. تعلمت منهم أموراً على جانب كبير من الأهمية :
أولهم كان لصاً .. فقد حدث يوماً أنني تهت في الصحراء ولم أتمكن من الوصول البيت إلا في ساعة متأخرة جداً في الليل .. وكنت قد أودعت جاري المفتاح .. ولم أملك الشجاعة لايقاظه في تلك الساعة .. وفي النهاية صادفت رجلاً طلبت منه المساعدة .. ففتح لي قفل الباب في لمح البصر ..
أثار الأمر إعجابي الشديد ورجوته أن يعلمني كيف فعل ذلك .. فأخبرني أنه يعتاش من سرقة الناس .. لكنني كنت شديد الإمتنان له .. فدعوته الى المبيت في منزلي ..
مكث عندي شهراً واحداً .. كان يخرج كل ليلة وهو يقول : سأذهب للعمل .. أما أنت فداوم على التأمل وأكثر من الصلاة .. وكنت دائماً أسأله عندما يعود .. ما إذا كان قد غنم شيئاً .. وكان جوابه يتخذ .. على الدوام .. منوالاً واحداً لا يتغير :
لم أوفّق في اغتنام شيء هذا المساء .. لكنني .. إذا شاء الله .. سأعاود المحاولة في الغد .. كان ذلك يمنحني القوة على المتابعة ..
كان رجلاً سعيداً .. لم أره يوماً يستسلم لليأس جرّاء عودته صفر اليدين .. من بعدها .. وخلال القسم الأكبر من حياتي .، عندما كنت أستغرق في التأمل يوماً بعد يوم .. من دون أن يحدث أي شيء .. ومن دون أن أحقّق اتصالي بالله .. كنت أستعيد كلمات ذلك اللص : لم أوفّق في اغتنام شيء هذا المساء .. لكنني .. إذا شاء الله .. سأعاود المحاولة في الغد .. كان ذلك يمنحني القوة على المتابعة ..
– ومن كان المعلّم الثاني ؟
كان كلباً .. فقد حدث أن كنت متوجّهاً إلى النهر لأشرب قليلاً من الماء .. عندما ظهر هذا الكلب .. كان عطشاً أيضاً .. لكنه عندما اقترب من حافة النهر .. شاهد كلباً آخر فيه .. ولم يكن هنا غير انعكاس لصورته في الماء ..
دب الفزع في الكلب .. فتراجع إلى الوراء وراح ينبح .. بذل ما بوسعه ليبعد الكلب الآخر .. ولكن شيئاً من هذا لم يحصل بالطبع ..
وفي النهاية .. قرّر الكلب .. وقد غلبه الظمأ الشديد .. أن يواجه الوضع .. فألقى بنفسه في النهر .. وكان أن اختفت الصورة هذه المرة ..
توقف حسن قليلاً ، ثم تابع :
أخيراً .. كان معلمي الثالث ولداً .. فقد حدث أن رأيته يسير باتجاه الجامع .. حاملاً شمعه بيده .. فبادرته بالسؤال : هل أضأت هذه الشمعة بنفسك ؟ .. فردّ الصبي بالإيجاب .. ولما كان يقلقني أن يلعب الأولاد بالنار ، تابعت بإلحاح : أسمع يا صبي في لحظة من اللحظات كانت هذه الشمعة مطفأة .. أتستطيع أن تخبرني من أين جاءت النار التي تشعلها ؟ ..
ضحك الصبي .. وأطفئ الشمعة .. ثم رد يسألني : وأنت يا سيدي .. أتستطيع أن تخبرني إلى أين ذهبت النار التي كانت مشتعلة هنا ؟ ..
أدركت حينها كم كنت غبيًّا .. من ذا يشعل نار الحكمة ؟ .. وإلى أين تذهب ؟ .. أدركت أن الإنسان على مثال تلك الشمعة .. يحمل في قلبه النار المقدسة للحظات معينة ..
ولكنه لا يعرف إطلاقاً أين أشعلت .. وبدأت .. منذ ذلك الحين .. أسر بمشاعري وأفكاري لكل ما يحيط بي .. للسحب والأشجار و الأنهار و الغابات .. للرجال و النساء .. كان لي .. طوال حياتي .. الآلاف من المعلمين .. وبثّ أثق بأن النار سوف تتوهج عندما أحتاج إليها .. كنت تلميذ الحياة .. وما زلت تلميذها .. لقد استقيت المعرفة وتعلمت من أشياء أكثر بساطة .. من أشياء غير متوقعة .. مثل الحكايات التي يرويها الآباء والأمهات لأولادهم ..
تبين لنا هذه القصة الجميلة المقتبسة من موروث التصوف .. أن أحد أقدم الطرق التقليدية .. التي اعتمدها الإنسان لنقل معرفة جيله .. كانت القصص والروايات ..
رواية الخيميائي كذلك برع كاتبها في نقل صنوف المعرفة .. طبعاً الرواية قديمة وقد تكون قرأتها ..
====================
نبذة عن باولو كويلو:
باولو كويلو (بالإنجليزية: Paulo Coelho). هو روائي وقاص برازيلي ولد في: 24 اغسطس 1947. يؤلف حاليا القصص المحررة من قبل العامة عن طريق الفيس بوك. تتميز رواياته بمعنى روحي يستطيع العامة تطبيقه. مستعملاً شخصيات ذوات مواهب خاصة، لكن متواجدة عند الجميع.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق