الطبقات التي هيمنت على دمشق خلال الاستعمار العثماني

. . ليست هناك تعليقات:

كانت دمشق بداية القرن التاسع عشر أحد آخر القلاع الحصينة لنظام الإنتاج الزراعي التقليدي في سوريا، ولم تكن المدينة تحبّذ أبداً فتح أسواقها أمام المصنوعات الأوروبية، واستطاعت الحفاظ على هذا الوضع حتى مطلع القرن التاسع عشر نتيجة عدة أسباب تتعلق بامتيازات المدينة في اقتصاد الحج1، كما باحتكارها للتبادل التجاري ضمن المناطق الداخلية لسوريا الجنوبية،

 بالإضافة إلى وصول سلالة آل العظم إلى الواجهة خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، الذين استطاعوا إنشاء عصبة جديدة بين النخب المتحكمة في المدينة، التي تمكنت من إقامة سوق واسعة في سوريا الداخلية تعتمد على النظام التقليدي للإنتاج. 

وفي حين تَحكَّمَ أغوات حيّ الميدان بتجارة حبوب حوران، استطاعت عصبة آل العظم التحكّم بتجارة الحبوب والمواشي في سهلي حماة وحمص، الأمر الذي اعطى دفعات متتالية للسوق الزراعية في مدينة على أعتاب الصحراء.

بالنتيجة يبدو أن عصر أسرة آل العظم في حكم دمشق، الذي انتهى مع عزل عبد الله باشا عن ولاية المدينة عام 1808، قد أفاد نظام الإنتاج التقليدي، كما أن طموحات منافس آل العظم، والي عكا أحمد باشا الجزار، بالتجارة مع أوروبا وتوجيهه أغوات الميدان لتصدير الحبوب نحو أوروبا قد أفاد أيضاً باستمرار الإنتاج الزراعي التقليدي في ولاية دمشق2، في وقت استطاعت فيه جارة دمشق الشمالية، حلب، التأقلمَ مع التغيرات الاقتصادية العالمية والتحوّلَ إلى مركز تجاري عالمي منذ منتصف القرن السادس عشر.

النخب وتقسيم المهن

لم تكن النخب الإقطاعية3 وشبه العسكرية هي المستفيد الوحيد من استمرار الأوضاع القائمة، فقد تطور في دمشق ومنذ عدة قرون تقسيمٌ للمهن مرتبطٌ بشكل حيوي بأنماط الإنتاج الزراعية التقليدية، وكانت أسواق الحِرَف ومشاغلها في المدينة تستوعب العدد الأكبر من السكان الذين لا يملكون رؤوس أموال تسمح لهم بمزاولة التجارة، 

وقامت هذه الصناعات على أسس رئيسية أهمها احتياجات المزارعين في محيط دمشق للأدوات، والتجارةُ خلال موسم الحج وأسعارُ الحبوب الرخيصة نسبياً، وقد كانت زعزعة استقرار أحد هذه الأسس تعني عملياً نهاية حياة هذه الطبقة التي تعتمد على شكل الاقتصاد المحلي التقليدي في استمرار حياتها، خاصة أنها لم تكن على استعداد للدخول في منافسة غير متكافئة مع البضائع الأجنبية، التي أمّنت لها الاتفاقياتُ مع الباب العالي عدم وجود حواجز جمركية أو ضريبية مرتفعة تحول بينها وبين اكتساح الصناعات المحلية التقليدية.

حراسة التقليد

حراسة التقاليد في المدينة لم تكن حكراً على النخب وحدها، في الحقيقة ستثبت بعض الحوادث التي جرت خلال ثورة 1831 أن فئات من السكان كانت أكثر تطرفاً في محاربة التغييرات من نُخبها، كما أن التنظيم الذاتي ضمن الفئات الاجتماعية في مدينة دمشق شكّل جداراً صلباً غير قابل للنفاذ.

 وعلى الرغم من أنه كان يمكن رصد هيمنة التقسيمات الدينية على توزع السكان في المدينة، إذ كان للطوائف المسيحية واليهودية أحياؤها الخاصة، إلا أن تقسيمات طوائف الحِرف والصنائع قد حازت سلطة واسعة على السكان أيضاً، وقد امتلكت كل حرفة هرميتها وطقوسها الخاصة التي كانت متأثرة إلى حد كبير بالطرق الصوفية المنتشرة في ذلك الوقت4، إضافة إلى ذلك فقد كان التحالف بين أرباب الحرف وعائلات الأشراف وعلماء الطرق الصوفية في المدينة قد ساهم في مزيد من تجذير التقاليد التي اعتمدت بشكل رئيسي على دوام نظام الإنتاج القائم.

الاشراف

وقد ساهم وجود بيوت الأشراف5 في قلب المدينة المسوّرَة من زيادة التضامن بين الفئتين، بعد أن توجهت النخب شبه العسكرية والتجارية والحكومية للعيش في أحياء جديدة خارج السور، في حييّ ساروجا والقنوات، حيث بنت بيوتاً أكبر من بيوتها القديمة في الأحياء داخل السور.

الاغوات

وفيما حافظت عوائل أغوات الميدان مثل عوائل شوملي والمهايني على ارتباطها بعناصر الإنكشارية المحلية «اليَرلية» المنتمين إلى الحي ذاته، من خلال بقاء أعمالهم وتجارتهم ضمن الحي، فإن زعماء القوات العسكرية «قابي قول»6 التي رافقت الولاة، واستقرَّ بعضها في دمشق، فضلوا الحياة في الأحياء الحديثة خارج سور دمشق أو الاستقرار في محيط دمشق، كما في حالة أغوات عائلة شمدين الذين استقروا في الصالحية وأصبحوا من زعمائها.

الطبقات الاجتماعية 

الطبقة الاولى 

بهذه الطريقة كان مجتمع مدينة دمشق يتألف من تقسيمات رئيسية للفئات الاجتماعية؛ كانت الطبقة الأكثر تنفّذاً هي طبقة الولاة وموظفي الدولة والقضاة، وهؤلاء كانت تتم تسميتهم من قبل السلطان في إسطنبول، ولفترات لم تكن طويلة في سبيل الحفاظ على السلطة المركزية على مدينة دمشق، التي تعدّ واحدة من أهم المدن بالنسبة للسلطنة العثمانية.

الطبقة الثاية

الفئة الثانية كانت فئة الإنكشارية المحلية أو «اليَرلية»، وكانت هذه الفئة قوات شبه عسكرية تكونت عبر تمازج حاميات الإنكشارية التي استقرت في مدينة دمشق منذ دخول العثمانيين وفرض حكمهم على المدينة في القرن السادس عشر، مع أبناء المدينة الذين اشتروا حقوق انتسابهم إلى هذه القوات بما تمنحه من امتيازات حمل السلاح والنفوذ، بالإضافة إلى الرواتب التي يحصل عليها عناصرها،

 وقد دخلت هذه الطبقة أو الفئة في الحرب على النفوذ بشكل مستمر مع ممثلي الحكومة المركزية، مما تسبب في عدة اضطرابات في المدينة. وعلى الرغم من الضربات التي تعرضت لها هذه الفئة من الولاة، وخاصة ولاة آل العظم الذين أرادوا التحكم بشكل منفرد بمدينة دمشق، إلا أنهم ومع مجيء القرن التاسع عشر كانوا ما يزالون يحتفظون بامتيازات اقتصادية وعسكرية واسعة، كما أن التضامن الاجتماعي الواسع في أحيائهم، تحديداً حي الميدان، أعطاهم نوعاً من الحصانة ضد التغييرات التي لم تكن قد استطاعت الدخول إلى قلب المجتمع الدمشقي حتى تلك الفترة.

الطبقة الثالثة 

أما الطبقة الثالثة فكانت الأشراف والعلماء، وكان هؤلاء يتمتعون بامتيازات قانونية في الإمبراطورية العثمانية، فقد كان الأشراف مثلاً يستطيعون تجنب المحاكمة أمام المحاكم واللجوء إلى التحكيم أمام نقيب الأشراف، فيما كان العلماء الدمشقيون قد استطاعوا انتزاع مركزين دينيين رئيسيين في المدينة من أصل ثلاثة، الأمر الذي منحهم سلطة ونفوذاً في نظام حكم يعطي رجال الدين مركزاً خاصاً في عملية صنع القرار، ضمن تقليد تطور منذ حكم المماليك، وبقي وأصبح أكثر تجذراً خلال العهد العثماني7.

الطبقة الرابعة 

الطبقة الأخيرة في المدينة كانت طبقة الحرفيين، وهؤلاء كانوا الطبقة الأوسع من الناحية السكانية، وقد تشكلت هذه الطبقة من ائتلاف آلاف الحرفيين والعمّال المهرة في مدينة دمشق، الذين توزعوا على مهن عديدة مثل الحياكة وتصنيع الأقمشة، أو الحرف التي تُعنى بتصنيع أدوات العمل الزراعي أو الأدوات المنزلية،

 وقد شكّلَ التضامنُ بين أبناء الحرف وبين عوائل الأشراف والطرق الصوفية تحالفاً أمَّنَ لهذه الفئة الواسعة قدرةً على حماية نفسها ومنفذاً للتواصل مع السلطات عبر الأشراف. وفي حين سيطر الأشراف، وبالتحديد عائلة العجلاني، على منصب شيخ مشايخ الحرف، كانت كل حرفة تستطيع انتخاب شيخها الخاص الذي يقره شيخ المشايخ والقاضي بشكل شبه تلقائي، وقد وفَّرَ هذا النظام الهرمي للحرف تنظيماً احتاجه سوق واسع نسبياً في مدينة دمشق بالقياس إلى معايير ذلك الوقت، كما أنه وفّرَ استقراراً في حجم اليد العاملة ضمن هذه الفئة، وقد سكن أبناء هذه الفئة في الأحياء داخل السور بشكل رئيسي، مثل حي العمارة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة