في المقابل صار العالم يسمع مفهوم «الدولة العميقة» بكثرة في وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية، فلماذا هذا الإنقلاب المفاجئ، وما شأن أباطرة الإعلام في الغرب، وعلى رأسهم روبرت ميردوخ، مايسترو الإعلام اليميني في الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا؟
الحكاية بدأت، حينما عقد الرئيس المهزوم ترامب مؤتمرا صحافيا أثناء فرز أصوات الناخبين، فقاطعته، للمرة الأولى في التاريخ محطات التلفزيون الأمريكية اليمينية، التي تحكم فضاء البلاد بالصوت العالي.
عمليا، وكما هو متعارف عليه كان على تلك المحطات نقل الخطاب، حتى لو كان كاذبا، كما تفعل دائما.
شبكات التلفزيون اليمينية التابعة لميردوخ قطعت البث عن كلمة ترامب بشكل موحد، وكأن رئيس تحريرها واحد وسياسة وغرفة تحريرها مشتركة.
الأغرب من ذلك أن قناة «فوكس نيوز» اليمينية، والتي كانت الناطق الرسمي الحصري باسمه طوال السنوات الأربع الماضية – وهو الذي كان يظهر فيها تحديدا ويقاطع غيرها – فجأة يادرت باعلان سقوطه في هذه الإنتخابات، قبل أن تظهر النتائج كلها، وفي الوقت الذي أعلنت القناة فوز بايدن في ولاية ميشيغان تحفظت القنوات الأخرى عن ذلك، وهنا واضح تماما أن القناة طعنت ترامب في ظهره. ورغم تداول أحاديث من إعلاميي قناة «فوكس نيوز» أنه لم يسقط بعد، إلا أن إدارة الشبكة قررت أنه سقط.
في لحظة فارقة في تاريخ الإعلام الأمريكي بدلت العديد من وسائل الإعلام المحافظة المملوكة للملياردير رجل الأعمال الأسترالي الأمريكي روبرت ميردوخ من لهجتها، حيث بدا أنها أوقفت دعمها لدونالد ترامب، في محاولة على ما يبدو لتحذير المشاهدين والقراء، من أن الرجل قد خسر الانتخابات الرئاسية في مواجهة منافسه الديمقراطي جو بايدن.
ويبدو أيضا أن الرسائل الإعلامية الجديدة كانت منسقة بين وسائل إعلام مختلفة، وتتضمن مناشدة إلى ترامب للحفاظ على «إرثه» من خلال إظهار موقف «ناعم» في الهزيمة في الإنتخابات.
ولوحظ أن هذه الرسالة الإعلامية ظهرت على وسائل إعلام مثل قناة «فوكس نيوز» وصحيفتي «وول ستريت جورنال» و«نيويورك بوست»، وكلها تعتبر منافذ كان يستخدمها ترامب بشغف.
إحدى مذيعات قناة «فوكس نيوز»، وهي لورا إنغراهام، وهي من المقربين لترامب، أصدرت بيانًا بدا أنه موجه إليه شخصيًا، ونصحته بقبول الهزيمة لانقاذ إرثه السياسي.
في هذا الأثناء رد ميردوخ على مكالمة صديقه ترامب، الذي استشاط غضبا من تحول قنواته ضد الرئيس، معلنا فوز بايدن بشكل ساحق.
هذه رسائل علنية وصارخة لم يشهدها الإعلام في الغرب من قبل أبدا، والتي كانت تجري دائما خلف الكواليس.
وحتى صهر الرئيس جاريد كوشنر انقلب عليه ونصحه بقبول الاعتراف بالهزيمة مبكرا.
هذا يؤكد مجددا أن من يملك الإعلام يملك السياسة والرأي العام واستطلاعات الرأي ونتائج الأبحاث أيضا.
فهذا الإعلام نفسه هو الذي فرض ترامب قبل أربع سنوات مقابل إدارة الظهر لهيلاري كلينتون.
ترامب المغتر بقوته، صار مثل الثور، الذي دخل محل خزف صيني، حيثما تحرك يكسر ما حوله، فانقلب على «فوكس نيوز» وهاجمها وعرض بديلا عنها، لا بل قال إنه سينشئ تلفزيونه الخاص مستقبلا لمواجهة هذه المحطات، فهل ستسمح له الدولة العميقة بهذا؟ ألم نر أنها وقفت في وجه إنشاء محطة «الجزيرة» في أمريكا ودفعتها للإنسحاب من هواء الولايات الديمقراكي، الذي يحتضن فقط شبكة حصرية لكل الإعلام، الذي يبث عبر اشتراكات حصرية أيضا للأمريكيين، ويتم تصنيف هذه الوسائط على أساس يميني ويساري؟!
ترامب كان يعتبر «فوكس نيوز» شبكته التلفزيونية المفضلة وحث الناس على متابعتها منذ يومه الأول في الحكم، حتى أصبح مدمنا على متابعتها.
والآن هو ينقلب عليها، كما فعلت هي، ويقول إنه «لا يحترم قيادة الشبكة».
وبادر للقول عبر موقعه في تويتر «خصمنا الحقيقي ليس الديمقراطيين، أو عدد الجمهوريين الذين ضلوا طريقهم، خصمنا الأساسي هو وسائل الإعلام، التي تنشر أخبار مزيفة. فعلى مدار التاريخ الأمريكي، لم يكن الإعلام يومًا بهذا السوء».
الحقيقة أن هذا ليس مجرد غضب عابر من موقف أثار ضيق ترامب تجاه الإعلام الأمريكي لساعات أو حتى أيام، لكنه رأيه تجاه الصحافة في بلاده بشكل عام، الأمر الذي دفع الجميع للجزم أن ذلك نتيجة «حرب مستعرة» بين الرئيس الأمريكي ووسائل الإعلام.
وظل الرجل يهاجم الإعلام لسنوات، حتى أعلن بصراحة على حسابه في موقع «تويتر» أن الإعلام هو عدو الشعب الأمريكي، ومحددًا شبكات «سي أن أن» و«أن بي سي» و«سي بي أس» و«أن بي سي» إضافة الى صحيفة «نيويورك تايمز».
وهكذا فإن الرسائل الإعلامية الجديدة قد تبدو منسقة وليست عفوية.
فمطالبات ترامب بالرحيل شملت الآن «وول ستريت جورنال» و«نيويورك بوست» التي يتابعها الرجل بشغف.
لكن أخطر ما في هذا الصراع الإعلامي ما قاله محامي ترامب هذا الأسبوع، ما معناه أن البلاد الآن في عام 1776 في إشارة للحرب الأهلية الأمريكية، وسنحارب الدولة العميقة وسنستعيد أمريكا من الخونة والجواسيس وعملاء الصين، وإن ترامب فاز بنسبة ساحقة وسنرغمهم على الإستسلام لهذه الحقيقة!
فهل هذه أضغاث أحلام إعلامية، أم أنها صارت واقعا أمريكيا جديدا ستكشفه الآيام المقبلة؟


أنور القاسم



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق