الإعلام الحكومي بين المتطلبات الرسمية والالتزامات الشعبية

. . ليست هناك تعليقات:


بقلم : سعيد الفطيسي

يوحي العنوان منذ الوهلة الأولى إلى وجود انقسام وتضارب في المهام والالتزامات المتعلقة بوسائل الإعلام التابعة أو المملوكة للحكومات بين تلك المسؤولية الرسمية التي تفرض عليها تسليط الضوء على توجهات وقرارات الحكومة المختلفة، والدفاع عنها ومحاولة توجيه الرأي العام إلى صفها, والتي قد تكون في بعض الأحيان مخالفة لمصالح الرأي العام بحكم اختلاف الدوافع والمصالح والأهداف المتعلقة بتسيير السياسات العامة للدولة.

على أن ذلك بكل تأكيد لا يعني بأن التوجهات الحكومية تتناقض دائما مع المصالح الشعبية, بل القصد بأن أهداف التوجهات الحكومية تكون مبنية على مصالح في الغالب تعمل وفق ضوابط تحكمها مصالح وسياسات داخلية ودولية، وهو ما يمكن أن يخالف وجهات النظر المجتمعية والمصالح الشعبية التي تحكمها اندفاعات وعواطف وذهنيات مختلفة الآراء في بعض الأحيان، وتلك الالتزامات الشعبية التي تفرض عليه، أي على الإعلام الحكومي من جهة أخرى مسؤولية أخلاقية ومهنية تلزمه بالوقوف مع قضايا مجتمعه والدفاع عنها وتسليط الضوء عليها.

وعلى ما يبدو يعاني الإعلام الرسمي الحكومي اليوم من إشكال يصب في صلب طبيعة عمله والتناقضات التي تنتج عن ذلك نتيجة التزاماته الوطنية الأخرى, وهو إشكال للأسف الشديد لم يسلط عليه الضوء بشكل علمي ومنهجي موسع، يهدف إلى محاولة تشريحه للوصول إلى صلب الأسباب التي أدت إلى تفاقمه ووصوله إلى ما هي عليه اليوم من حيرة واضطراب وقلق، على أمل أن يجد الإعلام الحكومي لنفسه حلقة وصل لالتقاء وتوفيق تلك الالتزامات التي تقع على عاتقه تجاه الحكومة باعتباره مؤسسة من مؤسساتها، والمسؤولية الشعبية والجماهيرية التي هي كذلك ملتزمة برعاية مصالحها أخلاقيا وأدبيا، على اعتبار أنه إعلام وطني.

والمتتبع لحال الإعلام الحكومي في العديد من الدول العربية اليوم يلاحظ اتساع تلك الهوة من الثقة والإحساس بالصلة بينه وبين المواطنين إلى حد بعيد مع التأكيد على عدم التعميم، خصوصا حول تلك القضايا التي تمثل حال المواطن العربي، الأمر الذي نتج عنه فقدان الإحساس بأهميته وقيمته في الساحة الشعبية، أقصد الإعلام الحكومي، وهو ما ترتب عليه التعامل مع ذلك الإعلام بنوع من العزلة وعدم الإحساس بأهميته وقيمته الوطنية، وقد فاقم من ذلك الأمر أو الشعور، امتلاك المواطن البسيط الوسائل والإمكانيات الإعلامية التي استطاع من خلالها التعبير عن مشاعره ومشاكله دون الحاجة للجوء إلى الإعلام الحكومي ولا حتى وسائل الإعلام الخاصة.

أمر آخر أفقد الإعلام الحكومي كذلك بعض المكانة في الساحة الإعلامية التقليدية والافتراضية، وهو ضعف القدرة على التعامل مع المتغيرات والتحولات التكنولوجية، في وقت احتلت فيه وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني تلك المساحة، كما كان لسهولة الحصول على المعلومة ونشرها عبر تلك الوسائل الحديثة دور آخر في إضعاف الإعلام الحكومي، ولا يمكن نسيان صعوبة الاحتفاظ بالأسرار والمعلومات في بيئة فاقدة للخصوصية والسرية بدرجة كبيرة.

إذًا الإعلام، وكما يفترض منه، يجب أن يكون إعلاما صادقا عن المجتمع الذي يوجه إليه، وهو جزء لا يتجزأ منه، وفي ذات الوقت يجب أن يأخذ بالحسبان أنه إعلام تابع للحكومة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من التزامات ومسؤوليات ومتطلبات ونتائج مترتبة على ذلك، وهو ما يدفعنا لطرح السؤال التالي: كيف يمكن أن يوفق الإعلام الحكومي بين المتطلبات الرسمية والالتزامات الشعبية، خصوصا ما يطلق عليها بقضايا الرأي العام، أو تلك القضايا التي تلامس حياة المواطن ومعيشته بشكل مباشر؟ وما دور الحكومة نفسها في تحقيق هذا التوازن والتوفيق بينه؟

صحيح أن تحقيق مثل هذا التوافق بشكل مطلق أمر صعب للغاية، بسبب الاختلاف في المصالح الطبيعية بين الجانب الشعبي والجانب الرسمي, والتي هي نتاج منطقي لاختلاف الغايات والأهداف، وبالتالي لا يمكن التفكير بوجود إعلام رسمي يمكن أن يواجه المؤسسات الحكومية بالنقد، وهذا الأمر لا يعني أبدا أنه إعلام ضد قضايا المواطن أو مصالحه، فالعقل والمنطق يؤكد أنه إعلام حكومي، وبالتالي لا يمكن أن يتحول ذلك الإعلام إلى إعلام ضد الحكومة.

إذًا نحتاج لتحقيق بعض التوافق إلى نوع من التوازن المقبول إلى حد ما في وسط هذا الاضطراب عبر أهمية أن يخصص الإعلام الرسمي مساحة خاصة وثابتة بنقل متطلبات المواطنين وقضاياهم والمشاكل التي تواجههم بشكل يومي إلى مؤسسات الدولة أو الحكومة، وهنا نقول: إن كان الإعلام الرسمي وبسبب طبيعته المهنية لا يستطيع أن يكون ذلك الإعلام الناقد المواجه لأخطاء ومشاكل وتجاوزات بعض الأفراد والمؤسسات الحكومية، فعلى أقل تقدير يعوض ذلك بنقل تلك الهموم والمشاكل والمصاعب اليومية التي يعاني منها المواطن عبر وسائل الإعلام الحكومية.

وهكذا يمكن أن يتعامل مع ذلك التداخل بنوع من المرونة المقبولة نوعا ما، فهو حينها لم يخالف طبيعته المهنية وأهداف وجوده الرسمية التي يستحيل معها نقد مؤسسات الدولة بطريقة مباشرة، وفي ذات الوقت فتح عددا من نوافذ الحرية، ومساحة من الشفافية والمصداقية في طرح قضايا المجتمع، وأوصل وجهة نظر المجتمع إلى الحكومة بمختلف مؤسساتها بطريقة مقبولة.
جانب آخر وهو أمر لا بد من التنبيه إليه في هذا السياق، وهو أهمية أن يكون هناك إعلام خاص في أي دولة تنشد لأفرادها الحقوق والحريات المختلفة، وعلى رأسها الحرية السياسية، وأن يكون الصوت الذي يشكل ثقل التوازن في تحقيق المتطلبات الشعبية والجماهيرية، وأن توفر له مساحة من الحرية المسؤولة والمنضبطة التي يتمكن من خلالها طرح قضايا المجتمع ومشاكله، خصوصا أن المجتمعات اليوم أصبح لديها نوع من القوة والحرية التي أفردتها لها التكنولوجيا الحديثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الإلكتروني.

وعندما نقول إن الإعلام الخاص يمكن أن يكون له دور كبير في صناعة ذلك التوافق الوطني الذي يجب أن تسعى لتحقيقه الدولة نفسها، يضاف إلى ذلك ما يمكن أن تستفيد منه أي حكومة ترغب في تعزيز بنائها الوطني، وليس لديها أي مخاوف من مكاشفة نفسها، فإن على الدولة في ذات الوقت أن تعمل على تذليل تلك الإجراءات البيروقراطية الخاصة بإنشاء مؤسسات إعلامية خاصة، خصوصا أن الكثير من القوانين القائمة في العديد من الدول لا تعارض وجود شبكات ومؤسسات أو قنوات إعلامية خاصة، ولكنها تضع العديد من العراقيل الإجرائية والمادية أمام إنشاء وقيام تلك المؤسسات والشبكات والقنوات الخاصة.

إذًا يجب على الحكومة أن تسهل بمختلف الطرق والوسائل الإجرائيات الخاصة بإنشاء قنوات ومؤسسات ووسائل إعلامية خاصة في الدولة، وذلك بهدف فتح منافذ أخرى غير حكومية للمواطن للتنفيس عن بعض همومه ومشاكله ومعاناته، يضاف إلى ذلك أن تلك القنوات الإعلامية الخاصة ستساعد الحكومة نفسها للوصول إلى مساحات أكبر من المكاشفة المجتمعية والحرية السياسية، الأمر الذي يمكن أن يسهل لها كشف بعض الخلل والنقص أو القصور في أعمالها والتزاماتها تجاه المواطنين، وفي ذات الوقت سيعطي بعض الانطباع الجيد بتلك المساحة من التقارب والدعم الإعلامي الرسمي للقضايا المجتمعية والوطنية التي يمكن أن تكون الحكومة طرفا فيها أحيانا عبر تلك القنوات الخاصة.

من جهة أخرى، وهو أمر مهم للغاية، وهو وجود قانون إعلام متطور ومرن قادر على تحقيق ذلك التوازن بين المتطلبات الرسمية والشعبية، سواء كان ذلك موجها لضبط وتنظيم مساحة العمل والحرية للإعلام الرسمي أو الحكومي أو الإعلام الخاص، يضاف إلى ذلك مراعاة تلك التحولات الحاصلة في وسائل الإعلام والاتصال، خصوصا الإعلام الإلكتروني ووسائط التواصل الاجتماعي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة