الكاتب : بسام بربندي
لا يمكن فهم شرق المتوسط إذا لم تعش فيه. هو مزيج من التاريخ والدين والجغرافيا والكرامة. هو الأرض التي شهدت نزول أنبياء الله ليدعوا للسلام وهو الأرض التي شهدت استمرار حروب والمآسي بدون انقطاع منذ مئات السنين.
أهل شرق المتوسط، أو المشرق، روحانيون بالفطرة وإذا ما فقدوا الروحانية فقدوا التوازن ويهيمون على وجوههم يبحثون عنها سياسيا واجتماعيا ودينيا.
مع كل المشاكل والاضطهاد التي رافقت الوجود العثماني في الشرق إلا أن هذه الإمبراطورية أعطت أهل المشرق بعضا من الطمأنينة والاستقرار والهوية وساعد الوجود العثماني الطويل على التعود والتعايش مع هذه الهوية والانتماء.
فشلت كل المحاولات لإعادة الروح والاستقرار والهوية للمشرق وأهله بعد سقوط الدولة العثمانية وتقاسم جغرافيتها بين الدول القادمة حديثا للمشرق، أي بريطانيا وفرنسا.
أدخلت فرنسا وبريطانيا مفاهيم جديدة مثل العلمانية والقانون والقومية والديمقراطية وحقوق الأقليات وحرية الرأي والانتخابات وغيرها من المبادئ، التي كانت نتيجة تطور اقتصادي واجتماعي وديني شهدته أوروبا منذ القرن التاسع عشر، إلى المشرق الذي كان ما يزال يعيش وفق مفاهيم القرن الخامس أو السادس عشر.
في عصر الدكتاتوريات في الشرق تم السعي لإجبار أهل هذه البلاد على القبول بالهوية العربية أو العلمانية أو القبلية وظهور نواة حكم الأقليات في بعض دول المشرق
وزاد من تعب المشرق وأهله تقسيم أراضيهم وإعطائها أسماء جديدة وإيجاد ما يدعى بالحدود، التي كانت في ذلك الوقت (بعد الحرب العالمية الأولى) خطوطا على الخريطة تهدف إلى الفصل بين القوات الأوروبية المتحاربة في المشرق وتحولت لاحقا إلى حدود حقيقة تفصل بين أهالي المشرق بطريقة غير مفهومة لهم وبدون سبب وبدون نتيجة أو فائدة.
وكأمر واقع بدأ أهل المشرق يبحثون عن ذاتهم وهويتهم الجديدة في مناطق جغرافية مفصولة عن بعضها حديثا وفق توزع السكان وتنوعهم العرقي والديني في هذه المناطق، وبرزت لديهم أسئلة وجودية من نوع: هل هم عرب أولا أو مسلمون ومسيحيون ثانيا؟ أو هل هذه الحدود مقبولة أو يجب تغيرها؟ ما هو نوع النظام الحاكم وما هو العقد الاجتماعي بين الناس؟ ومن يضعه وعلى أي أساس؟ ما هو القانون الذي سيستخدم ومن أي مصدر؟ وما زالت هذه الأسئلة من دون أجوبة نهائية؛ وكان قدر أهل المشرق هو تجربة كل النظريات في العالم حتى التي أثبت فشلها.
اختلفت الآراء والأجوبة والتجارب حسب خصوصية كل منطقة جغرافية ووفق مصالح القادة في تلك المنطقة. وعملت دول الانتداب على تطوير كل منطقة جغرافية (الدولة الجديدة) بشكل منفصل عن جيرانها.
وخلال فترة زمنية قصيرة جدا أصبح في المشرق ممالك وجمهوريات جديدة وحكومات وبنوك وجيوش لحماية الحدود وجمارك وبرلمان وعملة محلية وعلم ونشيد وطني تتوافق مع رؤية القانون الدولي لتعريف الدولة دون أن يعرف القانون الدولي أن للمشرق روحا أكبر من القانون ولا تتوافق دائما مع تعريفه للدولة.
وجلب الانتداب زعامات جديدة لها بعدا دينيا رمزيا لتكون الجسر بين السلطة الدينية العثمانية وبين الدول الجديدة "العلمانية". ومع الوقت بات هدف زعامات أهل المشرق هو إخراج الانتداب والتحرر منه وإبقاء الحدود والمصالح التي خلفها لهم وللطبقة الحاكمة الإقطاعية الجديدة من دون التفكير أن هذه الدول الجديدة غير قابلة للحياة لانعدام الموارد الاقتصادية.
بعد الانتهاء من حكم الانتداب، نتيجة لضعف دول الانتداب بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الولايات المتحدة كقوة جديدة وغنية، شهد المشرق تكريس هويته المصطنعة الجديدة ومشاكل جديدة منها نشوء دولة إسرائيل ووجود مشكلة اللاجئين في الدول الجديدة المجاورة لفلسطين وحالة عدم استقرار سياسي واجتماعي حتى أتى عصر الدكتاتوريات في الشرق وإجبار أهل هذه البلاد على القبول بالهوية العربية أو العلمانية أو القبلية وظهور نواة حكم الأقليات في بعض دول المشرق.
هذه الدول المحدثة ليس فيها أي مقومات اقتصادية للبقاء وبغياب الأسس الديمقراطية وتداول السلطة أنتجت ثقافة فساد مجتمعي، أفسد العقد الاجتماعي غير المؤثر أصلا وأصبح الحكم للعسكر، والولاء هو أساس الحكم، والفقر وسوء التعليم وعدم وجود أفق لتحسين الوضع المعيشي من سمات المجتمع اليومية الدائمة.
وشهدت هذه الدول كل أنواع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية بين سكانها المحليين وبين القادمين إليها من فلسطين وخلافات بين مختلف الأديان داخل البلد نفسه وخلافات حول هوية وعقيدة وشكل الدولة وعلاقتها مع جيرانها وكان الحل بيد ولصالح الأقوى وليس الأصلح، أو الأنسب. وانتشر شعور المظلومية والغبن والقهر بين سكان هذا المشرق مع الشعور بفقدان الروح. وشكل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي ذريعة للحكام للقضاء على أي محاولة تغيير ديمقراطية أو تطوير بلدانهم فالمعركة هي للحفاظ على الكرسي بحجة أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
أدى حكم هذه المنظومة الفاسدة تاريخيا إلى آثار سلبية أعقد من أن تحصى أو أن يتم التعامل معها، مثل منظمات متطرفة من كل العقائد والأفكار السياسية التي بررت وجودها بأن لديها الحل للمشرق الذي إما أن يكون بالتقرب إلى الله حتى بقتل النفس دون أي برنامج انتخابي ودون أي خطة اقتصادية للحل، أو الابتعاد عن الله كليا واعتماد الأفكار الشيوعية والمفاهيم الغربية دون تقديم أي منهج حقيقي وواقعي للحل.
طور الأمر حتى وصلنا اليوم إلى وجود فراغ سياسي كبير في هذا المشرق تتنافس لملئه إيران وتركيا عبر السعي لتوسيع مناطق نفوذهما وأحلامهما الإمبراطورية
الأزمات التي يعيشها المشرق اليوم تعكس حالة الضعف وعدم الانتماء التي يعيشها سكانه تجاه الرقعة الجغرافية التي يعيشون فيها والطبقة السياسية الفاسدة وبالتالي ظهرت حركات متطرفة تدعي تمثيل جزء من المكونات المختلفة من هذه الشعوب بحجة المظلومية التاريخية وتدعي الدفاع عن المظلومين وإعادة الحقوق التاريخية لأصحابها ولكن وفق منظورها الخاص الذي لا يتوافق مع كل مكونات المجتمع.
ومن الأمثلة على هذه الحركات "جبهة النصرة" وتنظيم "داعش" و"حزب العمال الكردستاني" و"حزب الله" والحزب "القومي السوري الاجتماعي" و"الجهاد الإسلامي" و"حماس" و"الإخوان المسلمين" كردة فعل على المنظومة السياسة الحاكمة الفاسدة، التي تعاملت مع الغرب للقضاء على نفس هذه التنظيمات التي نشأت بسبب البيئة السياسية الفاسدة. وبرر الغرب هذا التعاون بأن الاستقرار أهم من الديمقراطية وأن إبقاء كل هذه البلاد ضعيفة أفضل من إعطائها الفرصة الحقيقية للاستقرار والبحث عن ذاتها.
وتطور الأمر حتى وصلنا اليوم إلى وجود فراغ سياسي كبير في هذا المشرق تتنافس لملئه إيران وتركيا عبر السعي لتوسيع مناطق نفوذهما وأحلامهما الإمبراطورية بحجج دينية وتاريخية تمس ظاهريا روح أهل الشرق دون أن يعتقدوا بها، لكن تعزز الانقسامات الاجتماعية والسياسية والعرقية والاقتصادية، وتدمر أبرز مدن هذا المشرق... ربما تنجح إيران وتركيا مرحليا، لكن لا بديل عن أهل الشرق فروح الشرق غالبة.
05 سبتمبر 2020
أهل شرق المتوسط، أو المشرق، روحانيون بالفطرة وإذا ما فقدوا الروحانية فقدوا التوازن ويهيمون على وجوههم يبحثون عنها سياسيا واجتماعيا ودينيا.
مع كل المشاكل والاضطهاد التي رافقت الوجود العثماني في الشرق إلا أن هذه الإمبراطورية أعطت أهل المشرق بعضا من الطمأنينة والاستقرار والهوية وساعد الوجود العثماني الطويل على التعود والتعايش مع هذه الهوية والانتماء.
فشلت كل المحاولات لإعادة الروح والاستقرار والهوية للمشرق وأهله بعد سقوط الدولة العثمانية وتقاسم جغرافيتها بين الدول القادمة حديثا للمشرق، أي بريطانيا وفرنسا.
أدخلت فرنسا وبريطانيا مفاهيم جديدة مثل العلمانية والقانون والقومية والديمقراطية وحقوق الأقليات وحرية الرأي والانتخابات وغيرها من المبادئ، التي كانت نتيجة تطور اقتصادي واجتماعي وديني شهدته أوروبا منذ القرن التاسع عشر، إلى المشرق الذي كان ما يزال يعيش وفق مفاهيم القرن الخامس أو السادس عشر.
في عصر الدكتاتوريات في الشرق تم السعي لإجبار أهل هذه البلاد على القبول بالهوية العربية أو العلمانية أو القبلية وظهور نواة حكم الأقليات في بعض دول المشرق
وزاد من تعب المشرق وأهله تقسيم أراضيهم وإعطائها أسماء جديدة وإيجاد ما يدعى بالحدود، التي كانت في ذلك الوقت (بعد الحرب العالمية الأولى) خطوطا على الخريطة تهدف إلى الفصل بين القوات الأوروبية المتحاربة في المشرق وتحولت لاحقا إلى حدود حقيقة تفصل بين أهالي المشرق بطريقة غير مفهومة لهم وبدون سبب وبدون نتيجة أو فائدة.
وكأمر واقع بدأ أهل المشرق يبحثون عن ذاتهم وهويتهم الجديدة في مناطق جغرافية مفصولة عن بعضها حديثا وفق توزع السكان وتنوعهم العرقي والديني في هذه المناطق، وبرزت لديهم أسئلة وجودية من نوع: هل هم عرب أولا أو مسلمون ومسيحيون ثانيا؟ أو هل هذه الحدود مقبولة أو يجب تغيرها؟ ما هو نوع النظام الحاكم وما هو العقد الاجتماعي بين الناس؟ ومن يضعه وعلى أي أساس؟ ما هو القانون الذي سيستخدم ومن أي مصدر؟ وما زالت هذه الأسئلة من دون أجوبة نهائية؛ وكان قدر أهل المشرق هو تجربة كل النظريات في العالم حتى التي أثبت فشلها.
اختلفت الآراء والأجوبة والتجارب حسب خصوصية كل منطقة جغرافية ووفق مصالح القادة في تلك المنطقة. وعملت دول الانتداب على تطوير كل منطقة جغرافية (الدولة الجديدة) بشكل منفصل عن جيرانها.
وخلال فترة زمنية قصيرة جدا أصبح في المشرق ممالك وجمهوريات جديدة وحكومات وبنوك وجيوش لحماية الحدود وجمارك وبرلمان وعملة محلية وعلم ونشيد وطني تتوافق مع رؤية القانون الدولي لتعريف الدولة دون أن يعرف القانون الدولي أن للمشرق روحا أكبر من القانون ولا تتوافق دائما مع تعريفه للدولة.
وجلب الانتداب زعامات جديدة لها بعدا دينيا رمزيا لتكون الجسر بين السلطة الدينية العثمانية وبين الدول الجديدة "العلمانية". ومع الوقت بات هدف زعامات أهل المشرق هو إخراج الانتداب والتحرر منه وإبقاء الحدود والمصالح التي خلفها لهم وللطبقة الحاكمة الإقطاعية الجديدة من دون التفكير أن هذه الدول الجديدة غير قابلة للحياة لانعدام الموارد الاقتصادية.
بعد الانتهاء من حكم الانتداب، نتيجة لضعف دول الانتداب بعد الحرب العالمية الثانية وظهور الولايات المتحدة كقوة جديدة وغنية، شهد المشرق تكريس هويته المصطنعة الجديدة ومشاكل جديدة منها نشوء دولة إسرائيل ووجود مشكلة اللاجئين في الدول الجديدة المجاورة لفلسطين وحالة عدم استقرار سياسي واجتماعي حتى أتى عصر الدكتاتوريات في الشرق وإجبار أهل هذه البلاد على القبول بالهوية العربية أو العلمانية أو القبلية وظهور نواة حكم الأقليات في بعض دول المشرق.
هذه الدول المحدثة ليس فيها أي مقومات اقتصادية للبقاء وبغياب الأسس الديمقراطية وتداول السلطة أنتجت ثقافة فساد مجتمعي، أفسد العقد الاجتماعي غير المؤثر أصلا وأصبح الحكم للعسكر، والولاء هو أساس الحكم، والفقر وسوء التعليم وعدم وجود أفق لتحسين الوضع المعيشي من سمات المجتمع اليومية الدائمة.
وشهدت هذه الدول كل أنواع الاضطرابات الاجتماعية والسياسية بين سكانها المحليين وبين القادمين إليها من فلسطين وخلافات بين مختلف الأديان داخل البلد نفسه وخلافات حول هوية وعقيدة وشكل الدولة وعلاقتها مع جيرانها وكان الحل بيد ولصالح الأقوى وليس الأصلح، أو الأنسب. وانتشر شعور المظلومية والغبن والقهر بين سكان هذا المشرق مع الشعور بفقدان الروح. وشكل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي ذريعة للحكام للقضاء على أي محاولة تغيير ديمقراطية أو تطوير بلدانهم فالمعركة هي للحفاظ على الكرسي بحجة أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
أدى حكم هذه المنظومة الفاسدة تاريخيا إلى آثار سلبية أعقد من أن تحصى أو أن يتم التعامل معها، مثل منظمات متطرفة من كل العقائد والأفكار السياسية التي بررت وجودها بأن لديها الحل للمشرق الذي إما أن يكون بالتقرب إلى الله حتى بقتل النفس دون أي برنامج انتخابي ودون أي خطة اقتصادية للحل، أو الابتعاد عن الله كليا واعتماد الأفكار الشيوعية والمفاهيم الغربية دون تقديم أي منهج حقيقي وواقعي للحل.
طور الأمر حتى وصلنا اليوم إلى وجود فراغ سياسي كبير في هذا المشرق تتنافس لملئه إيران وتركيا عبر السعي لتوسيع مناطق نفوذهما وأحلامهما الإمبراطورية
الأزمات التي يعيشها المشرق اليوم تعكس حالة الضعف وعدم الانتماء التي يعيشها سكانه تجاه الرقعة الجغرافية التي يعيشون فيها والطبقة السياسية الفاسدة وبالتالي ظهرت حركات متطرفة تدعي تمثيل جزء من المكونات المختلفة من هذه الشعوب بحجة المظلومية التاريخية وتدعي الدفاع عن المظلومين وإعادة الحقوق التاريخية لأصحابها ولكن وفق منظورها الخاص الذي لا يتوافق مع كل مكونات المجتمع.
ومن الأمثلة على هذه الحركات "جبهة النصرة" وتنظيم "داعش" و"حزب العمال الكردستاني" و"حزب الله" والحزب "القومي السوري الاجتماعي" و"الجهاد الإسلامي" و"حماس" و"الإخوان المسلمين" كردة فعل على المنظومة السياسة الحاكمة الفاسدة، التي تعاملت مع الغرب للقضاء على نفس هذه التنظيمات التي نشأت بسبب البيئة السياسية الفاسدة. وبرر الغرب هذا التعاون بأن الاستقرار أهم من الديمقراطية وأن إبقاء كل هذه البلاد ضعيفة أفضل من إعطائها الفرصة الحقيقية للاستقرار والبحث عن ذاتها.
وتطور الأمر حتى وصلنا اليوم إلى وجود فراغ سياسي كبير في هذا المشرق تتنافس لملئه إيران وتركيا عبر السعي لتوسيع مناطق نفوذهما وأحلامهما الإمبراطورية بحجج دينية وتاريخية تمس ظاهريا روح أهل الشرق دون أن يعتقدوا بها، لكن تعزز الانقسامات الاجتماعية والسياسية والعرقية والاقتصادية، وتدمر أبرز مدن هذا المشرق... ربما تنجح إيران وتركيا مرحليا، لكن لا بديل عن أهل الشرق فروح الشرق غالبة.
05 سبتمبر 2020





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق