كتب : حسين خيري
دون إراقة نقطة دماء واحدة، أو تدمير أي منشأة أو مسكن، يمكنها إلحاق خسائر فادحة بهيئات الدولة، وتستطيع ضرب بنية المجتمع، وزعزعة استقراره الداخلي، وتلك الحروب الحديثة لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة، ولا إلى كم كبير من الأسلحة أو من الأفراد المقاتلة، وكل يوم جديد يضيف القائمون عليها قدرات متطورة في الهجوم.
وفي المقابل يزعم كثير من المراقبين أن العالم يشهد حالة من السلام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باستثناء الحروب المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط، التي تقبع فيها إسرائيل، ولكن نجد أن العديد من الدول التي تعيش حالة السلام هذه، تستبدل طلقات الرصاص بأساليب قتالية أخرى، حتى تحسم صراعها مع خصومها.
وهذا ما شاهده الجميع في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين اشتعلت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين الاتحاد السوفييتي وحلفائهما، وانقسم العالم إلى معسكر شرقي وآخر غربي، وتسابق كلاهما نحو ريادة الفضاء، وفي تجاه امتلاك تكنولوجيا متطورة، وفي إنشاء مفاعلات نووية كسلاح ردع، وكلاهما استخدم سلاح الغزو الثقافي ، وواجهت أمريكا التغلغل الثقافي الشيوعي والاشتراكي، بنشر ثقافة التحرر والرأسمالية، وبالتبعية تحولت مفردات تلك الثقافة الأخيرة إلى مبادئ ثقافة العولمة مع ظهور الإنترنت.
واحتدمت كذلك حروب الجاسوسية بين المعسكرين، وكان وقتها لا يعرف العالم الإنترنت، بالإضافة إلى ممارسة اللعب بورق الضغوط الاقتصادية، وتعد الآن من أقوى الأسلحة استخدامًا في أيدي الدول الكبرى لإضعاف العدو أو تدميره.
ومن جهة أخرى، ظهر نوع آخر من الحروب الحديثة ، وتشترك مع الحرب الباردة في بعض سماتها، ويصفها الخبراء بأنها أحيانًا تكون أشد أنواع الحروب فتكًا بالمجتمعات، وتسمى بالحروب الناعمة، وتستهدف تقويض عقائد الشعوب، وتدمير قوة المجتمع المتمثلة في شبابه، ويستخدم العدو في تحقيق ذلك سلاحي المخدرات والدعارة، بجانب العمل على تغييب عقولهم عبر نشر أكاذيبه، وقد ينجح العدو في تمزيق لحمته، كما فعل في العراق، ويفعل في سوريا وفي اليمن.
والمجتمع الغربي اللاعب الرئيسي في تأجيج الحروب الطائفية في منطقة الشرق الأوسط، لا ينجو ذاته من صدام عنصري بداخله، فلابد أن يكتوي بنار أسلحته، ويرجع هذا الصدام إلى إيمانه بتفوق الأوروبي الأبيض على الجنسيات الأخرى.
وتدور حاليًا حروب شرسة بأساليب مختلفة عن سابقتها، وتتوحد معها في صفات كثيرة، ومن هذه الصفات رفضها التام لاستخدام الأسلحة التقليدية من دبابات وطائرات، ويطلق عليها الحروب السيبرانية ، وهي عمليات قرصنة في الفضاء الإلكتروني، وتستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية لمهاجمة الإلكترونيات الخاصة بالخصم، التي تحتوي على بياناته.
وتستهدف البنية التحتية المعلوماتية لجميع قطاعات الدولة، وتشمل العسكرية والاقتصادية والثقافية، ويصفها المتخصصون بأنها أكثر دمارًا من التفجيرات الذرية أو النووية، وتشكل خطرًا فادحًا خاصة للدول المالكة لشبكة اتصالات قوية تربط كل قطاعاتها.
وفي ألمانيا وقعت هجمة إلكترونية أطلق عليها الخبراء بـ "الفضيحة الأكبر"، ونجح المهاجمون في الحصول على بيانات شخصية لأنجيلا ميركل، ولعدد من الشخصيات العامة، وتمكن مسئولو الأمن الإلكتروني من وقف تقدم الهجمة بسرعة.
وما سبق من كشف أنواع مختلفة عن الحروب التقليدية، وغيرها من الحروب التي لم يتطرق الحديث إليها، يُسقط مزاعم وظنون الذين يرددون أن معظم دول العالم تنعم بحالة من السلام منذ فترة طويلة.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق