بقلم / إياد ريا
في البداية، لم يكن التفاؤل قرارنا، كنّا أفراداً متشائمين و «واقعيين». التفاؤل فرضته الساحة وقدرتنا كجماعة على المواجهة. في ذروة التفاؤل، الكُل حذر، ها هي عاصفة هزت البلد واهتزّت معها معنوياتنا، لكنّ المسؤولية جرّتنا إلى الساحة.
في الساحة يوم الأربعاء الفائت أعادتنا الشاشة الضخمة ومكبّرات الصوت إلى أفراد مشاهدين بعدما فسخت لُحمة الغضب الجامعة، وأتعبتنا الموسيقى القديمة، كأنّنا نحمل من خلال سماعها عبء الماضي في حاضر البدايات.
تسلّل شيءٌ من الإحباط إلى الكثيرين خصوصاً حين صدموا بحدود المظاهرة التي فرضها بعض المتظاهرين أنفسهم ولكن الشارع لم يخلُ من الغاضبين.
لم نعد مصابين بالتفاؤل بقدر ما أصبحنا ملتزمين به. رغم بعض الإحباط الذي أحاط نهار الأربعاء الماضي إلّا أنّ التفاؤل المستجدّ سمح للجماعة بالتشكّل عفويّاً، كما حصل بعد المظاهرة الـ «event»، حيث اتجه الغاضبون إلى السراي رافعين شعاراتهم وداروا في «سوليدير»،
رغم كل العديد الأمني الذي ملأ المنطقة. ثم أتت خطة الحكومة «العلمية» ومعها غضب أهالي المناطق فأعادت لنا الزخم وعدنا به إلى بداية المفاجآت. الواقع يتلاعب بـ «مشاعرنا» لكنّنا ندرك يوماً بعد يوم أنّنا جميعاً ملتزمون بالتفاؤل، رغم الاختلافات. هذه ليست قيم متوارثة، بل من البديهي أنّها ليست كذلك حيث عبارات كـ «البلد طول عمرو هيك» تملأ الفضاء، وتحمل ما تحمل من تبعات تطال تصورنا عن «الآخر»، أيّاً كان هذا الآخر.
هي ردة فعل طبيعية على «الانفجار» الجميل بعد سبات طويل، لم يعش أغلبنا غيره.
ربما كان للتفاؤل دورٌ في خلق الثقة بين الأفراد والمجموعات رغم الخلافات والاختلافات العديدة.
هذه الثقة ليست ساذجة أو مثالية فهي متلازمة للنقد المستمرّ والحذر البديهي ومبنيّة على التحرّكات الملموسة للمجموعات المختلفة ومحاولاتها الحفاظ على الزخم والحركة. لا أحد منا يريد لهذه اللحظة أن تنتهي، فالكل يحاول تحقيق ما باستطاعته قبل النهاية.
هذا إدراك لفكرة أنّ كل ما يحصل اليوم له انعكاساته بعد انتهاء الأزمة، إن خرجنا بإنجاز ما أم لم نخرج.
الساحة اليوم حقل اختبار، وإن لم نخطئ في أي مرحلة من المراحل يبقى الحراك وهماً. المثالية معناها أنّنا عالقون في علياء الفكر بعيدين عن الواقع وتعقيداته، أو أنّنا كنا دائماً جاهزين لهذه اللحظة.
نتراقص اليوم على إيقاع الواقع ونحاول المداخلة. هو يحدّدنا ونحن نجادل الحدود. هذه تجاربنا في لحظة أوجدتها السلطة من كثرة تناقضاتها ووفرة أزماتها.
الساحة اليوم حقل اختبار، وإن لم نخطئ في أي مرحلة من المراحل يبقى الحراك وهماً. المثالية معناها أنّنا عالقون في علياء الفكر بعيدين عن الواقع وتعقيداته، أو أنّنا كنا دائماً جاهزين لهذه اللحظة.
ولو كنا جاهزين فمن المريب انتظارنا إلى اليوم وانحلال الدولة والمجتمع مرئي للجميع. لا يشوب تفاؤلنا طوباوية، فعسير هو القطع مع ماضٍ مليء بالخيبات.
وما هشاشة معنوياتنا إلّا دليل تلازمٍ مع أرض الواقع. ملتزمون بالتفاؤل لأنّ حدود الواقع غامضة. خرق الشباب نهار السبت الفائت بتحريرهم الدالية فهمنا للواقع وحدوده وساهموا إلى جانب التجارب العديدة في الأسابيع الماضية في الفصل بين الواقع المادي وما فهمناه عنه من قوى الأمر الواقع. لم تعُد أزمة النفايات اليوم، رغم دورها الأساسي في تحديد المشهد العام غايةً نكتفي بها، فما يتمّ على الهوامش يظهر أبعاداً جديدة لا يمكن الانطلاق بها من أزمة النفايات.
تحرك السبت مداخلة نوعية لتوتير الحدود الطبقية المتجمّدة تحت العواميد الطائفية وإن استكمل بدهاء أمكنه ربما تجاوز «ماكينة الترجمة الطائفية»، كما أسماها سامر فرنجية، المرتبطة ببنك الأهداف.
نتراقص اليوم على إيقاع الواقع ونحاول المداخلة. هو يحدّدنا ونحن نجادل الحدود. هذه تجاربنا في لحظة أوجدتها السلطة من كثرة تناقضاتها ووفرة أزماتها.
اليوم نواجه التشاؤم والمتشائمين وحب الناس للزعماء والموروث المفاهيمي عن معنى «الاستقرار» و «العنف» و«السياسة».
في المقابل نصطدم بمفاهيمنا النظرية ونفكّك معنى خطابنا الذي لطالما كان بديهياً لنا من «نظام» و «شعب» و «ثورة». لا يهمّ توصيف هذه المرحلة بقدر ما يهمّ اختبارها، نقدها والدفع بها إلى أقصاها.
المسافة بين النظرية والممارسة غير موجودة اليوم، يبقى لمرحلة مقبلة توصيف الحالة الشاملة وإفساح المجال للنظرية في محاولتها عقلنة الواقع وتعقيداته. أمّا اليوم فنثابر بحذر





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق