فراس حج محمد *
كثيرة هي الهواجس والأفكار التي تنتاب الشّاعر، فقد لا يرضى عن نصوصه أحياناً، وأحياناً يتيه على نفسه مفاخراً بها، وقديماً كان إعجاب الناس بقصيدة ما يحجبُ الالتفات إلى بقية المنجز الإبداعيّ للشّاعر الذي قد يكون مهماً لتنوعه ونضوجه الأشد وضوحاً من تلك القصيدة المعجِبة.. حدث هذا في المجاميع الشّعرية من المعلّقات إلى المذهّبات إلى الحماسات المتعددة إلى المختارات التي شاعت كثيراًَ في التأليف وزخرت بها المدونة الشعرية العربية، ليُختصَر الشاعر وتجربته بنصّ يتيم، عُدّ على حين غفلة أنّه متفرِّد.
ومع تطور فكر التأليف الشعري، وشيوع الدواوين الخاصة ذات العناوين المحددة، صار أمر إصدار الديوان مهمة ليست سهلة، بل إن إصدار أيّ كتاب هو كذلك أيضاً، بدءاً من اختيار النصوص التي يجب أن تنتظمها حالة شعرية وشعورية واحدة، أو موضوع محدد، أو أسلوب فني مقصود بعينه ليمثل حالة تجريبية ما، وانتهاء باختيار عنوان جامع لتلك النصوص بحيث يكون ناظماً بصورة ما للنصوص المختارة. وهنا يقوم الشعراء، وما أكثر الذين فعلوها، بإطلاق اسم نصّ من نصوص المجموعة لتكون عنواناً للديوان، وفي هذا استسهال واضح، وعادة غير محمودة العقبات الفنية والدلالية، وصولاً إلى الناحية الفكرية والفلسفية التي يقوم عليها الكتاب بشكل عامّ.
وقد تجمّعت لديّ ملحوظات نقدية حول العديد من الإصدارات الشعرية والنثرية والقراءات المعمقة لتلك الإصدارات، ما يحفزني لأن أخاطب الشّاعر الذي يفكر بإصدار ديوان ليأخذ في اعتباره المسائل التالية:
* ألّا ينشغل بالتعريف النّظريّ للشعر، فلم ينجح أحدٌ إلى الآن نجاحاً قاطعاً في تعريف الشعر، فالشعر ماهيته وتعريفه إشكالية حقيقية، قبل أن تكون نقدية كانت إشكاليةَ مفهوم وفلسفة وفكر، وكل من عرّف الشعر من النقاد والدارسين عرّفه إما مجازياً وإما شكلياً باهتاً، أما ما هو الشعر؛ فإنه يبقى إحساس الشاعر بحقيقة لا تترجَم إلا بالقصيدة الكاملة المكتملة، فالشعر هو الشعر، ملاك يتلقى الوحي النابع من الذات ليصوغ الجمال روحاً أخرى لا تشبه إلا نفسها. وعليه، فإن الكتابة الشعرية ليست تراكماً كميّاً في عدد دواوين الشعر بما يجعل الإصدار يذوب مع غيره من الإصدارات لأنه لم يشكل علامة فارقة في المدونة الشعرية.
* الشّاعر ملزَم أن يكون ذا سمتٍ وأسلوب خاصين، وجمال مميز، لا يجده القارئ إلا لديه، فهناك قامات شعرية مميزة اكتسبت أهميتها من جودة متحققة في كل العناصر. فعلى الرغم من أن شعراء العربية كثيرون يعسر على الدارس إحصاؤهم، إلا أن الذاكرة والوعي الجمعي الثقافي لم يحفظا سوى العدد القليل من هؤلاء، فهل تريد أن تكون مجرد رقم في سلسلة أرقام شعراء عابرين؛ لتُمنح لقب شاعر؟ ستحوز هذا اللقب بلا شكّ، ولكنك ستكون مجرد شاعر يكتب الشعر ويحسن نظمه ليس أكثر، فهل هذا يرضي طموحك؟
* عليك أن تعلم أن ثمة كساداً وعزوفاً عن الشعر والانبهار به، فالزمن ليس زمن الشعر، فقد زاحمته فنون أخرى كثيرة، وجعلته في تراجع، فقلّ الإقبال على اقتناء كتب الشعر وقراءتها ونقدها، وانحصر في الأمسيات الضّالّة طريقها بجمهور محدود، وهنا يجب عليك أن تربّي الذائقة الفنية الخاصة بك، وقد تنجح نجاحاً غير مجدٍ كثيراً، في التهافت على إصدارك الجديد، مع أنه من اللازم على الشّاعر ألّا ينجرّ إلى ظاهرة «ما يطلبه الجمهور»،
ولذلك فتوقع أيّها الشّاعر ألّا يكون قارئُ ديوانك غيرَك، فهل بمقدورك أن تتحمل صدمة كهذه، على ما تجلبه لك من إحباط وانتكاس ومرض في الشّاعرية واعتلالها؟
* ثمة فارق شاسع بين نص يبدو جيداً عند إلقائه واستحسان الجمهور اللحظي له والتفاعل معه والتصفيق المصحوب بالنشوة العاطفية، وبين التأمل في هذا النص، فالقراءات المتأنية الواعية، ستكشف عما في النص من «خيبة أمل إبداعية»، ولقد حدث ذلك مع الشعراء الكبار، كثنائية أحمد شوقي «المتواضع» في الإلقاء و»براعة» حافظ إبراهيم فيه، وقيل ذلك مع شعراء آخرين كثيرين، فثمة شعر حداثي لا يصلح للإلقاء مطلقاً لما فيه من غور وعمق لا يتجليان إلا بالتدبر والتأمل.
* الشعر روح الشّاعر وكيانه، وهو مشروعه الإبداعي، وليس مجرد هواية للتعبير والبوح، وهذا يتطلب زيادة منسوب الثقافة في النص، واكتنازه وتفجير اللغة ودلالاتها، والتعرف إلى مدارس الشعر وأساليبه، والخروج عن الأنساق اللغوية والمعاني المعجمية إلى مناطق بكر، لم يألفها القارئ لإحداث الدهشة المتنامية بحركاتها الديناميكية، وليس فقط احتواء النص على جملة مبهرة، وأن يكون بمقدور الشّاعر أن يتبع هذا الإصدار بإصدارات أخرى، تنقله من منطقة إلى أخرى، بعيداً عن تكرار الذات.
* يتحدث الشاعر الفرنسي»جان- بيير روك» عن ديوان الشعر، وكيف يجب أن يكون، يقول: «ديوان الشعر يجب ألّا يكون محشراً لنصوص متنافرة في الشكل والمضمون ومتفاوتة في زمن النظم، ديوان الشعر هو شهادة حيّة على تجربة بعينها في حياة الشاعر، وكذا ثمرة ما بلغه وعيه الفكريّ والجماليّ من تطور وليس أبداً تجميعاً عشوائياً لقصائد عثر عليها الشاعر بالصدفة في ملفاته القديمة أو سبق أن نشرها متفرقة في المجلّات أو استعادها من صديقات وأصدقاء كان قد أهداها لهم في مناسبات أعياد ميلادهم».
تأمّل جيداً ما قاله «روك»، ليكون ديوانك الشعريّ محققاً لذلك التكامل المشار إليه سابقاً، وإن تستطع فعل ذلك فلا تكثر من الورق المصفوف على رفوف المكتبات دون أن يكون له جدوى.
***
عزيزي الشّاعر، إن استطعت تجاوز كل تلك المنعطفات الحادة فاكتب الشعر وانشره، وفاخر بأنك صرت شاعراً، تستحق مكانتك بين الخالدين من الشعراء، وإلّا فخذ بنصيحة من قال «ألّا تكون شاعراً، أفضل من أن تكون شاعراً رديئاً»، فلن يلومك أحد إن لم تكن شاعراً، ولكن النقد لن يرحمك لو وُلدت شاعراً مهشّماً مشوّهاً تعاني من الأمراض المزمنة والإعاقات الفنية.
* كاتب فلسطيني





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق