لوحات للفنان التشكيلى السودانى البروفيسور أحمد عبد العال

. . ليست هناك تعليقات:




كعادته في كل صباح، عند الساعة السادسة، إنتحى ركناً في حديقة داره، يتناول قهوته ويقلب عينيه حيناً بعد آخر في سماء الصباح الصافية، ذاك سرب من طيور بيضاء يعبر من الشرق إلى الغرب، صفان من الطيور يلتقيان في زاوية حادة، الطائر القائد في المقدمة يضرب بجناحيه مهموماً بالرحلة، فيما كان بقية أعضاء السرب يعدلون أوضاعهم المرة تلو المرة.

كان الرجل يتابع المشهد الرائع في متعة بالغة، لكن فجأة غاب المشهد كله، لا حديقة، ولا صباح ولا طيور ولا سماء. بدا له الأمر كشاشة تلفزيونية انقطع عنها التيار الكهربائي بغتة، أحس الرجل بانتقال مفاجئ لكن ليس عنيفاً، حاول أن يتبين مشهد الطيور في السماء الصافية لكن مناخات جديدة حالت دون ذاك، حاول أن يصلح جلسته على المقعد، لكن تبين له أن ذلك مستحيل! حاول أن يتعرف على الوضعية كلها .. فزاد ارتباكه..

في إحساس يقيني قاطع أدرك الرجل أنه غادر هذه الحياة! نعم، هكذا، انتقل، ولكل أجل كتاب، ثوانٍ كأنها دهور دهيرة مرت عليه، هذه خاتمة المطاف وقد انحسمت أمور وأمور، لا سبيل الآن معالجة أي شئ حتى هذا الكتاب المفتوح أمامه على المنضدة الصغيرة لا يملك أن يغلق صفحاته، تبين له أنه كان ينظر إلى جسده الجالس من مكان ما، مضت نصف ساعة وبدأت ظلال الشجرة تزايل جسده الساكن تماماً وهو مسلوب الارادة.

بدأ يحس بتدفق نهر وعي جديد، فيض من المعلومات منها ما كان يقينياً أو ظنياً أثناء حياته، اختلطت أحزان بأفراح، سعادة غامرة مع خوف رهيب، هدأ قليلاً اكتنفه ما كان يقرأ قبل لحظات من قرآن الفجر .. (يس والقرآن الحكيم..) توالى صدى تلاوته منحدراً من سنين بعيدة، تلك طفولته في خلوة الشيخ "عبد الواحد" التلاوة والصلاة كانتا كائنين نورانيين يجلسان بقربه في وقار وحنو، هنا بالتحديد إزداد تدفق وعيه الجديد، راح يلوذ بايمانه وعقيدته، القرآن كتابي، والإسلام ديني، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم إمامي .. وأن الموت حق .. والسؤال حق .. والنشور حق، نعم الآن فقط رست سفينة العمر على الجودي، كانت حياة متلاطمة الأمواج، أنواء وزعازع، ثم مسرات عميقة ونجاحات واخفاقات، حب مال وعيال، وهل من مزيد، أخطاء صغيرة، شئ من اللمم وأخريات يعلمها الله وحده وهو الغفور الرحيم. كان محباً لله ورسوله والمؤمنين.

بدأ نهر وعيه الجديد ينساب في هدوء ورقة ، لقد أدرك الرجل الآن أنه محاط بتفاصيل حياته من كل جانب.

لكل صغيرة وكبيرة لونها وحجمها وثقلها، برق برق خاطف من مركز وعيه الجديد فإذا بتفاصيل حياته تبدو كأودية من المشاعر والأقوال والأفعال ومن خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كان هو في قلب تلك الأودية العجيبة وحيداً يحس بالوحشة والوهن حيناً، وبالرضا والاطمئنان حيناً آخر.

اختلطت قراءات قديمة بمواقف وعقائد ووجوه .. خلوة الشيخ "عبد الواحد"، غابة من الألواح مجللة بالآيات والشارافات الجميلة ثم وجه أمه تضمه في حنو وترنو إليه وهو يخطو في طريقه إلى الخلوة كل صباح، ثم إسحاق نيوتن، وانشتاين، وانجلز، ومارك، ودارون، ثم الخليفة الراشد عثمان في تلاوة أخيرة من مصحفه الكبير، ثم مذاق كسرة من (الفيتريتة) تناولها مع رجل بسيط وطيب في صقع منسي بأرض البطانة، لقد ذكرّه الرجل بكلمات لم يجدها في بطون كل تلك الكتب الضخمة.

واندلع برق آخر في مركز وعيه الجديد، فإذا الأمور ملح أجاج يختلط بماء عذب فرات.

الآن تثبت صورة حياته ومشاهدها لا شئ يغادر ذاكرته الجديدة لا ارتياب ولا إبهام، نادى غياث المستغيثين:

"اللهم يا مغيث المدلجين الخارجين من ليل الدنيا، أغثني وأكرم مقدمي إليك فأنت أكرم الأكرمين..".

صوب نظره مرة أخرى إلى جسده الساكن في وضعه الصباحي ذاك، جلبة وصياح وارتباك، لقد أدرك الأهل أخيراً أن الرجل غادر الحياة فجأة، لكن سرعان ما انتظمت الأمور، لأنهم يعلمون أن الموت حق، هاهم يحملونه من حديقته إلى غرفته الخاصة في عناية وتوقير، تابعهم خطوة بخطوة.

الجسد مسجي بالحجرة، ها هي مكتبته، مئات المجلدات من كل علم وفن، آيات قرآنية على الجدران، وتلك في ألوان زاهية صورة زفافه وقرينته إلى جانبه تبتسم، إلى هنا كان الرجل قد حط رحاله في وادي الخوف والرجاء، واستغرقته الأمور الشائكات، بعد الفراغ من غسل الجسمان وتهيئته هرول الناس بجثمانه إلى المقبرة الكبرى .. انتبه إلى نفسه ولحق بهم هناك، حيث صلوا عليه.

فرغوا من مواراة الجثمان الثرى، وشرع أعز أصدقائه السيد "س" في إلقاء خطبة الوداع والمشيعون من حوله.

أحس الرجل بعرفان عميق لكلمات الصديق "س" لكنه لم يرتح كثيراً لتلك الأدبيات المطولة .. لماذا انقاد عنان اللغة للصديق "س" ولم يكثر من القرآن وصالح الدعاء؟ لماذا نسب إليه كل تلك المآثر التى لا تتيسر لإنسان في عمر قصير كعمره؟ صحيح أنه كان محباً لفعل الخير ولكن هل فعل دائماً كل ما كان في وسعه؟ لقد تغلب على كثير من عوارض الضعف تجاه دنياه، لكن بقيت أمور وأمور لم يقوَ على معالجتها، ظل يعتقد في العمر فسحة لتلك المعالجات القادمة، لكن ها هو الآن وقد رحل رحيلاً مفاجئاً.

دارت ماكينات السيارات المصطفة في غير نظام حول المقبرة، انصرف الناس راكبين وراجلين، الكل في سبيله، هدأ المكان تماماً، شواهد قبور الراحلين القدامى الذين سبقوه على مدى البصر، المكان موحش بأكثر مما كان يبدو له حتى بالأمس القريب، حاول التعرف على طبيعة مركز وعيه الجديد، تذكر أنه في حياته قد تذوق شيئاً من هذا الوعي، تذكر المادح عندما كان صوته ينساب في عتمة الليل مردداً قصيدة الإمام البوصيري "بردة المديح" .. ما الذى كان يهز شجرة عمره من أصلها حتى لكأنه يرى الثمر الحلو وقد غطى أرض هذا الكوكب! ثم تلك الشهقة العميقة .. عندما يطل على صفحة النيل الساكن في الأصيل، أو عندما كان يعود من سفر طويل ينظر في عيون زوجته وقد نفد رصيد الكلمات .. تلك النظرات كان يقال فيها ما لا يقال في أحاديث كل يوم.

مركز وعي خفي، أدرك أهيمته إبان حياته، حاول تطويره لكن غبار الدنيا تسرب إلى ذلك الموقع المجهول الحساس.

وبينما الرجل غارق في وعيه الجديد ذاك بدأت غلالة الضوء الشفاف تعتم شيئاً فشيئاً. لقد انفصل عن الدنيا وعن احوالها، من مركز وعيه الجديد تلقى إشارة واضحة أنه قد حان أوان قدوم الملكين الكريمين.

استعد الرجل للقائهما وهو بين خوف ورجاء.

أما ما جرى في الدنيا بعد رحيله أن الطبيب قد فرغ تماماً من وضع تقرير الوفاة الذى جاء فيه:

إن الرجل كان كثير التعلق بالسماء يقلب فيها عينيه صباحاً ومساءً وفي صبيحة يوم وفاته تعلق قلبه وبصره بسرب طيور بيضاء كان يعبر من المشرق إلى المغرب، وكان الطائر القائد في مقدمة السرب يضرب بجناحيه في فضاء الله العريض مهموماً بطول الرحلة، فيما كان بقية أعضاء السرب يعدلون أوضاعهم المرة تلو المرة.


من روائع أعماله التشكيلية









:

البروفيسور الراحل المقيم أحمد عبد العال في آخر حوار معه: [الأرشيف ...

البروفيسور الراحل المقيم أحمد عبد العال في آخر حوار معه: [الأرشيف ...




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة