كتب : غسان فوزي
التعامل، سواء بالتحالف او بالمواجهة، مع جانتس وحزبه (كحول لبان) ليست مواجهة كلامية كما يراها البعض. التحالف او المواجهة، كلاهما يمثلان صراعا سياسيا بين قوة الضعيف المطالب ببعض الحقوق، صراع الضعيف عدديا في الكنيست والمجتمع والضعيف تاريخيا منذ النكبة واقامة اسرائيل، مع قوة المتفوق عدديا وتاريخيا.
نحن ظهرنا الى الحائط وجانتس ظهره الى نظام هو جزء من حماته، بل من قياداته.
فالمساواة بالتصريحات والكلام لا تصنع مساواة في الموقع داخل المجتمع والنظام الاسرائيلي.
ولهذا فان كلام الضعيف المطالب بالحقوق، يجب ان يكون محنكا وسياسيا وعزيزا ولكن بدون تبجح وبدون أوهام ان المشتركة يمكن ان تحشر جانتس في الزاوية. واضافة للاسباب التاريخية فإن المشتركة لا تستيطع لوحدها ان تشكل نجاحا لما يريده جانتس، المشتركة تصارع وتناور ضمن نتائج الانتخابات، ومن نتائجها ان كجول لبان يحتاج ليبرمان ايضا، وليبرمان بنفسه وحزبه في صراع المشتركة وسياستها، بل ويعتبرها طرف لا يمكن التعاون معه. هل هناك اوضح من هذه الحدود للقوة التي تملكها القائمة المشتركة رغم الدعم الجماهير الكبير الذي حصلت عليه في الانتخابات.
على هذا الاساس فإن على نواب المشتركة وكل فلسطيني ان يعلم ان جانتس وحزبه سواء ربحوا رئاسة الحكومة او خسروها فإن دورهم الاساسي المكفول والمضمون في دولة اسرائيل ونظامها سيظل هاما وستبقى في الكنيست القوة الحزبية الثانية.
جانتس وحزبه، فشلو او نجحوا ستبقى لهم دولة ونظام، ليس كما يريدون بالضبط، لكنهم سيبقوا جزءا من قيادة الدولة والنظام. أما القائمة المشتركة فسواء اتفقت مع جانتس ام لا ستبقى جزءا من الشعب المنكوب، وتبقى تحالفاتها من موقع الضعيف، بمقاييس القوة في الكنيست وبشكل اكيد بمقاييس القوة في المجتمع. لن تتحول القائمة المشتركة بنوابها ال 15 الى قوة تفوق قوة 33 نائبا، ولن تتحول القائمة المشتركة الى قوة مفتوحة امامها مراكز القيادة والمؤسسات والشرعية العليا التي هي جزء من تكوين جانتس وحزبه وجزء من النظام الاسرائيلي. المشتركة وجمهورها العظيم وشعبها المكافح تصارع في هذا النضال البرلماني لاحداث فجوة جديدة في حواجز الانغلاق والتعصب والاقصاء الاسرائيلي. ومن يعتقد بان الامر اكبر من ذلك فهو واهم. ومن يجلس خارج المشتركة ويريد افشالها ويتبختر الان ليكون مرشدا لها من موقعه المعادي، هو فعلا لا يرى الموقف المتطفل الذي يضع نفسه فيه، ولا يدرك ان جلوسه في البيت الذي يتيح له استعمال كلمات زاعقة هو عمليا لعب على هامش حرية الرأي الاسرائيلية التي تتيح عمدا تمويل مؤسسته ذات الكلام الزاعق.
في نهاية الامر، نجد هناك قوة تاريخية متراكمة كامنة في جانتس وحزبه، وعنده ايضا القوة التي يتمتع بها داخل الكنيست، وهي 33 + 7 +7 بدون المشتركة، واستعداد الليكود للتحالف معه وحتى تقسم رئاسة الحكومة معه. لذلك يستطيع جانتس وحزبه ان يقول للمشتركة نحن نتفق معكم قليلا فقط ونقف معكم ضد اقصاء نتانياهو ونرفض نزع الشرعية عنكم، فاما ان نتفق على صيغة تعاون واما افعلوا ما تريدون. ومهما فعلتم ستبقون موضوعيا في أزمة، اذا خسرت وخسرت كحول لبان فان انتصار نتانياهو لن يكون نصرا لكم، فماذا انتم فاعلين؟
جانتس لن يقول ذلك، ولكنه يدرك اسباب ومدى قوته بنوعيها التاريخي المجتمعي والانتخابي، وهو يناور على هذا الاساس. وللاسف يبدو ان هناك نوابا وقيادات ومواطنين كثيرين لا يرون ولا يريدون ان يروا هذه الحقيقة. انهم ببساطة يعتبرون الصراع بين المشتركة وكحول لبان يقوم في عالم الكلام والخطابة حيث يستطيع كل طرف صياغة ما يشاء من تعبيرات. وهذا هو تماما تفكير اصحاب الخطابات الزاعقة الذين يعتبرون جلوسهم في البيوت هجوما على الكنيست، ويصرخون باعلى صوتهم ان ازالة نتايناهو امر لا يهمهم اصلا..
بعض النواب يصرحون بأن التحالف مفتوح على جانتس وعلى نتانياهو، ويعتقدون انهم بذلك يُحرجون جانتس. في الحقيقة انهم بهذه الطريقة التي تعني احتمال نجاح نتانياهو نتيجة تحالفهم معه ، قد يحصلون على سلة من الميزانيات والتسهيلات، ولكن طرف السلة التي قد يقدمها نتانياهو يكون مربوطا بحبل المشنقة الذي سيعدمون فيه انفسهم ويعدمون امال شعبهم في اسقاط هذا السياسي الذي يقود دون غيره حملة تصعيد استعمارية احتلالية حصارية اقصائية للفلسطيني، كشعب، كدولة، وكمواطن متساوي الحقوق.
ثم كيف حقا يفكر اي نائب من المشتركة بان نتانياهو سيقبل اقامة حكومة معهم بعد كل التحريض ضدهم واتهامهم بالارهاب، بل وانه يتهم كل حزب صهيوني من احزاب النظام الاسرائيلي يقترب منهم ببيع مستقبل اسرائيل لأعدائها. الا تسمعون حقا اصوات الخوف من الاغتيال التي يطلقها جانتس نفسه نتيجة تحريضات نتانياهو ضد جانتس وحزبه ؟
هذا المأزق الموضوعي التي تجد القائمة المشتركها، ومعها كل الجمهور المؤيد، ليس مأزقا يحدث لاول مرة، ولذلك علينا النظر في التاريخ، فبدون التعلم من التاريخ وبدون وضع الحالة السياسية ضمن تاريخنا والانتخابي بشكل خاص سنواجه خطر السقوط في نفس الاخطاء.
لقد وقع الدكتور الفهمان صاحب الكتب الكثيرة عزمي بشارة على اتفاق سري مع (الجنرال) ايهود براك، تنازل بموجبه عن اعلان ترشحه لرئاسة الحكومة الاسرائيلية واعلن دعم ايهود براك لرئاسة الحكومة، مقابل سلة من التسهيلات والميزانيات. وقد دعمت جميع القيادات ترشيح ايهود راك، ولكن عزمي بشارة وبطانته الذين سابقوا وسبقوا الدكتور احمد الطيبي في اعلان الترشيح للكنيست صوروا اتفاقهم ودعمهم ايهود براك انه اتفاق بين انداد متساوين، آمنوا بمقولاتهم ان الخطاب هو كل شيء، وانهم منتصرون.
لكننا وبعد فترة قصيرة، صحونا جميعا على صوت الرصاص من جنود براك وذهلنا لقتل الموطنين وتزايد الشهداء. اذكر ذلك للعبرة من التاريخ، ولكي يطهر تاريخ المزاودين اصحاب الخطاب الزاعق الذين يخدمون عزمي بشارة ويتلقون معاشاته وأوامره. وليس لذلك فقط.
فالأهم اني اذكره لكي يدرك نواب القئمة المشتركة وكل فلسطيني، ان الاتفاق مع جانتس لن يكون اتفاق انداد، وانما اتفاق لفتح فجوة جديدة في جدران الحصار حولنا، فجوة قد يردمها جانتس بهجوم على دولة فلسطين التي نريدها ان تحيا. انه اتفاق لاجل فجوة تتيح كبح الحرب التي يشنها نتانياهو بجدارة عنصرية بارعة.
تلك هي حدود النضال البرلماني، وتلك هي حدود العمل السياسي التي تستطيع قوة المظلوم تاريخيا، الضعيف عدة وعددا ان تصل اليها.
ويبقى السعي الى تحقيق الفجوة هو المسعى الافضل لوقف حرب نتانياهو المتصاعدة.
وتبقى ضرورة الوعي بمحدودية قوتنا عاملا اساسيا في معرفة الطريق الى تحقيق انجازات معينة هامة لنا.
لا الوهم ولا المكابرات ولا الزعيق يفيد في شيء.
ولكم تحية وسلام.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق