الرأسمالية والاشتراكية والدين / بقلم : د. أنيسة فخرو

. . ليست هناك تعليقات:





ما العلاقة بين السياسة والاقتصاد والدين؟

يعتبر الدين أوالمعتقد، جزءا من الإيديولوجيا والثقافة والنظام السياسي والقانون والقيم والعادات والتقاليد والسلوك.

أما في السياسة والاقتصاد، فإن أهم النظريات التي حكمت العالم، هي الرأسمالية والاشتراكية. ويظهر بوضوح الصراع العملي والنظري بينهما في الطبقة المهيمنة على قوى الانتاج وأدواته، وكل نظرية لها إيجابياتها وسلبياتها، ولكل رؤيته للدين.

التحليل الاشتراكي الماركسي يقوم على فكرةأ ن المجتمع ينقسم إلى بنيتين أساسيتين، هما: البنية التحتية والتي تعني الاقتصاد وعلاقات الإنتاج وأنماطه. والبنية الفوقية التي تعني القيم والأفكار والدين والأخلاق والقانون والنظام السياسي وغيرها. والبنية التحتية هي التي تؤثر في البنية الفوقية وليس العكس، أي أن علاقات الانتاج وأنماطه هي التي تحدد نوع الأيديولوجيا السائدة في المجتمع، والطبقة الحاكمة أو المهيمنة هي الطبقة التي تمتلك أدوات الانتاج، وهي من يحدد طبيعة البنى الفوقية، وهي أيضا التي تستخدم الأيديولوجيا (الدين والمعتقد) كأداة لتبرير وتسويغ ما هو قائم. فالأيديولوجيا تعبر عن مصالح طبقة معينة لا عن حقائق قائمة في الواقع.  
د. أنيسة فخرو 

لذلك وردت في الفكر الماركسي مقولة إن «الدين أفيون الشعوب»، ليس بمعنى أن الاشتراكية ضد الدين والتدين، بل ضد استغلال الدين من قبل القوى المهيمنة على قوى الانتاج وأدواته.

أما النظرية الرأسمالية، فهي نظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، ويعتمد على تراكم رأس المال والعمل المأجور والأسواق التنافسية المفتوحة، ويعزز الملكية الفردية ويقلص الملكية العامة، ويؤمن بحرية الفرد.

ويتجلى الاختلاف بين كل منهما، في الفوارق الطبقية الواضحة في النظام الرأسمالي، حيث يطحن الفقر ملايين الناس. ففي أميركا مثلاً، ترى آلاف المشردين في الشوارع بلا مأوى، وفي الوقت نفسه توجد طبقة ثرية مرفهة تعيش على رنين الذهب وريش النعام، في حين لا ترى ظاهرة التشرد والبؤس في الشوارع في الصين مثلاً، حيث الغالبية غير ثرية لكنها ليست بائسة.

فماذا فعلت الرأسمالية لكي تنجو؟ حولت مفهوم الملكية العامة ودورها الذي يعني الدولة ممثلة بالشعب، لكي تصبح ثلة من الناس هي التي تملك وتتحكم في قوى الانتاج وأدواته أيضاً، وحصرت الملكية العامة في أفراد قلة بدلاً من الشعب كله، واستطاعت الرأسمالية خلق البنية الفوقية والأيديولوجية المناسبة لها بل والدين الملائم لها تماماً، أي أبدعت في تفسير الدين وتفصيله في شكل يناسب الطبقة المهيمنة، لمقارعة الفكر بالفكر، واستخدمت كل الوسائل في حربها ضد الاشتراكية لتشويهها، فالسياسة فن الممكن، فن الاحتيال والخداع.

والاقتصاد لا يمكن أن ينفصل عن السياسة، وقد استخدمت الرأسمالية الكلمات الجميلة مثل (الاقتصاد الحر والسياسة المنفتحة) في حين مارست أبشع الأفعال القبيحة، وأصبحت القيم المثالية والأفكار اليوتيوبية التي حملتها الاشتراكية لا تغني ولا تسمن من جوع، لذلك انتصرت الرأسمالية وأصبحت سائدة.

وبما أن النمط الرأسمالي هو السائد عالمياً، لذا أصبح يروج لأفكار وأيديولوجيا حرية الأفراد وعبادة العمل، وهذه الأيديولوجيا هدفها الأساسي تبرير علاقات الانتاج والهيمنة على قواها. لذا نرى أن حقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية مصانة في الغرب، خصوصاً في دول العالم المتقدم اقتصادياً، لكن بشكل أو بآخر، تهيمن عبودية العمل على حياتهم ليصبحوا كالتروس الصغيرة في الآلات الضخمة، وهذه التروس الصغيرة منظمة ومنتظمة، وأي اختلال فيها يؤدي إلى عطب في الآلة الجبارة.

لكن لماذا لا يصبح العالم الثالث الذي يدور في فلك الرأسمالية، وبالأخص العربي، مماثلاً في سلوكياته الانتاجية للعالم الأول؟ لماذا يغيب النظام والتنظيم في العالم المتخلف ويسيطر على العالم المتقدم؟ الجواب واضح، لأننا مجتمعات استهلاكية في حين أن تلك منتجة، وعصب الانتاج هو النظام والتنظيم. وبما أن العالم الأول أراد أن يكون منتجا، فلا بد من صناعة عالم آخر يعتمد كل الاعتماد على ذلك العالم المنتج، لكي يُصّدر له كل ما ينتجه العالم الأول، ونصبح مستهلكين لما ينتجه العالم المتقدم. لذا تم تغليف مجتمعاتنا بالأيديولوجيا المناسبة للاستهلاك المتمثلة في قشور الدين، حتى أصبحنا نرى الهوة الشاسعة بين السلوك العملي والدين الحقيقي، في حين نرى الإسلام الحق بوضوح في سلوكيات وممارسات أفراد المجتمعات المتقدمة ولا نراه في المجتمعات العربية المسلمة. فالدين المعاملة، فلا سرقة ولا رشوة ولا كذب ولا نفاق ولا فساد في العالم المتقدم، وإن وجدت تتم المحاسبة عليها بشدة، وتسود فيه القيم الإسلامية كالعدل والصدق والنظام والنظافة وحب العمل.

وبما أننا كعرب وباختيارنا المأسوي، أنظمة وشعوباً، أردنا أن نكون مجتمعات استهلاكية محضة، فإننا سنظل ندور وندور كالثور والساقية، لا نعرف من نكون وماذا نطبق وماذا نريد، فلا نحن نظام اشتراكي ولا رأسمالي، ولا حتى توفيقي إسلامي، والسؤال المؤلم إلى متى سنظل على هذا الحال؟

aalsaalaam@gmail.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة