ما العلاقة بين السياسة والاقتصاد والدين؟
يعتبر الدين أوالمعتقد، جزءا من الإيديولوجيا والثقافة والنظام السياسي والقانون والقيم والعادات والتقاليد والسلوك.
أما في السياسة والاقتصاد، فإن أهم النظريات التي حكمت العالم، هي الرأسمالية والاشتراكية. ويظهر بوضوح الصراع العملي والنظري بينهما في الطبقة المهيمنة على قوى الانتاج وأدواته، وكل نظرية لها إيجابياتها وسلبياتها، ولكل رؤيته للدين.
التحليل الاشتراكي الماركسي يقوم على فكرةأ ن المجتمع ينقسم إلى بنيتين أساسيتين، هما: البنية التحتية والتي تعني الاقتصاد وعلاقات الإنتاج وأنماطه. والبنية الفوقية التي تعني القيم والأفكار والدين والأخلاق والقانون والنظام السياسي وغيرها. والبنية التحتية هي التي تؤثر في البنية الفوقية وليس العكس، أي أن علاقات الانتاج وأنماطه هي التي تحدد نوع الأيديولوجيا السائدة في المجتمع، والطبقة الحاكمة أو المهيمنة هي الطبقة التي تمتلك أدوات الانتاج، وهي من يحدد طبيعة البنى الفوقية، وهي أيضا التي تستخدم الأيديولوجيا (الدين والمعتقد) كأداة لتبرير وتسويغ ما هو قائم. فالأيديولوجيا تعبر عن مصالح طبقة معينة لا عن حقائق قائمة في الواقع.
![]() |
| د. أنيسة فخرو |
لذلك وردت في الفكر الماركسي مقولة إن «الدين أفيون الشعوب»، ليس بمعنى أن الاشتراكية ضد الدين والتدين، بل ضد استغلال الدين من قبل القوى المهيمنة على قوى الانتاج وأدواته.
أما النظرية الرأسمالية، فهي نظام اقتصادي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، ويعتمد على تراكم رأس المال والعمل المأجور والأسواق التنافسية المفتوحة، ويعزز الملكية الفردية ويقلص الملكية العامة، ويؤمن بحرية الفرد.
ويتجلى الاختلاف بين كل منهما، في الفوارق الطبقية الواضحة في النظام الرأسمالي، حيث يطحن الفقر ملايين الناس. ففي أميركا مثلاً، ترى آلاف المشردين في الشوارع بلا مأوى، وفي الوقت نفسه توجد طبقة ثرية مرفهة تعيش على رنين الذهب وريش النعام، في حين لا ترى ظاهرة التشرد والبؤس في الشوارع في الصين مثلاً، حيث الغالبية غير ثرية لكنها ليست بائسة.
فماذا فعلت الرأسمالية لكي تنجو؟ حولت مفهوم الملكية العامة ودورها الذي يعني الدولة ممثلة بالشعب، لكي تصبح ثلة من الناس هي التي تملك وتتحكم في قوى الانتاج وأدواته أيضاً، وحصرت الملكية العامة في أفراد قلة بدلاً من الشعب كله، واستطاعت الرأسمالية خلق البنية الفوقية والأيديولوجية المناسبة لها بل والدين الملائم لها تماماً، أي أبدعت في تفسير الدين وتفصيله في شكل يناسب الطبقة المهيمنة، لمقارعة الفكر بالفكر، واستخدمت كل الوسائل في حربها ضد الاشتراكية لتشويهها، فالسياسة فن الممكن، فن الاحتيال والخداع.
والاقتصاد لا يمكن أن ينفصل عن السياسة، وقد استخدمت الرأسمالية الكلمات الجميلة مثل (الاقتصاد الحر والسياسة المنفتحة) في حين مارست أبشع الأفعال القبيحة، وأصبحت القيم المثالية والأفكار اليوتيوبية التي حملتها الاشتراكية لا تغني ولا تسمن من جوع، لذلك انتصرت الرأسمالية وأصبحت سائدة.
وبما أن النمط الرأسمالي هو السائد عالمياً، لذا أصبح يروج لأفكار وأيديولوجيا حرية الأفراد وعبادة العمل، وهذه الأيديولوجيا هدفها الأساسي تبرير علاقات الانتاج والهيمنة على قواها. لذا نرى أن حقوق الأفراد وحرياتهم الشخصية مصانة في الغرب، خصوصاً في دول العالم المتقدم اقتصادياً، لكن بشكل أو بآخر، تهيمن عبودية العمل على حياتهم ليصبحوا كالتروس الصغيرة في الآلات الضخمة، وهذه التروس الصغيرة منظمة ومنتظمة، وأي اختلال فيها يؤدي إلى عطب في الآلة الجبارة.
لكن لماذا لا يصبح العالم الثالث الذي يدور في فلك الرأسمالية، وبالأخص العربي، مماثلاً في سلوكياته الانتاجية للعالم الأول؟ لماذا يغيب النظام والتنظيم في العالم المتخلف ويسيطر على العالم المتقدم؟ الجواب واضح، لأننا مجتمعات استهلاكية في حين أن تلك منتجة، وعصب الانتاج هو النظام والتنظيم. وبما أن العالم الأول أراد أن يكون منتجا، فلا بد من صناعة عالم آخر يعتمد كل الاعتماد على ذلك العالم المنتج، لكي يُصّدر له كل ما ينتجه العالم الأول، ونصبح مستهلكين لما ينتجه العالم المتقدم. لذا تم تغليف مجتمعاتنا بالأيديولوجيا المناسبة للاستهلاك المتمثلة في قشور الدين، حتى أصبحنا نرى الهوة الشاسعة بين السلوك العملي والدين الحقيقي، في حين نرى الإسلام الحق بوضوح في سلوكيات وممارسات أفراد المجتمعات المتقدمة ولا نراه في المجتمعات العربية المسلمة. فالدين المعاملة، فلا سرقة ولا رشوة ولا كذب ولا نفاق ولا فساد في العالم المتقدم، وإن وجدت تتم المحاسبة عليها بشدة، وتسود فيه القيم الإسلامية كالعدل والصدق والنظام والنظافة وحب العمل.
وبما أننا كعرب وباختيارنا المأسوي، أنظمة وشعوباً، أردنا أن نكون مجتمعات استهلاكية محضة، فإننا سنظل ندور وندور كالثور والساقية، لا نعرف من نكون وماذا نطبق وماذا نريد، فلا نحن نظام اشتراكي ولا رأسمالي، ولا حتى توفيقي إسلامي، والسؤال المؤلم إلى متى سنظل على هذا الحال؟
aalsaalaam@gmail.com





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق