مقابلة أهاﻨﮕﻤﮕﻲ تودور آريارتْني
كاثرين إنغرام: آري، كثيرًا ما قلتَ إن جميع المشكلات في العالم مرتبط بعضها ببعض. فهلاَّ أعطيتنا بعض الأمثلة؟
أهاﻨﮕﻤﮕﻲ تودور آريارتْني: نحن نعيش في عالم متواكل interdependent بعضه على بعض. وسائل الاتصال عن بُعد والتكنولوجيات قد جمعتنا؛ وتخطر ببالي هنا وسائل تقنية نستخدمها جميعًا، مثل آلة التسجيل هذه. وهذه الوسائل موجودةٌ في كلِّ مكان، حتى في الأماكن التي لا يجد الناسُ فيها ما يأكلون. ونرى في وضوح أن موارد العالم تُستخدَم استخدامًا متواكِلاً. ها أنا ذا عائدٌ لتوي من اليابان، حيث علمت أن 70% من الحاجات الغذائية للبلد تُستورَد من الخارج؛ وهذا يعني أن "معجزة آسيا الاقتصادية" المزعومة – في اليابان – ليست مستقلةً عن بقية العالم، وفي أغلب الأحيان عن بلدان يموت فيها الناسُ جوعًا. هذه أمثلة على شكل من أشكال التواكُل.
مشكلاتنا، بالمثل، مترابط بعضها ببعض، وذلك من جراء قيام القوى العظمى بتصنيع أسلحة نووية: ذلك أنه لو وقع حادثٌ ما فإنها ليست وحدها التي ستعاني، بل إن جميع البلدان الأخرى ستكون ضحيةً له. ثمة أيضًا مشكلة المنتجات الكيميائية التي تصبُّها البلدانُ المتقدمة في بلداننا[7]. تخطر ببالي، على وجه الخصوص، المبيدات والأدوية التجريبية.
مهما فعلنا، وأينما كنا نعيش في هذا العالم، علينا أن نُبقي هذه النظرة الكلِّية في ذهننا. في حركة سارفودايا، نحاول دومًا، حتى لو كنا نعمل في أكثر القرى نأيًا في آسيا أو أفريقيا، ألا نغيِّب هذا المنظور الشامل من رؤيتنا.
كاثرين: برأيك، هل ساء الوضع الاقتصادي للفقراء إبان السنوات الأخيرة، أم أنه، على العكس، قد تحسَّن؟
آري: أقول إن ظروف الفقراء قد ساءت. ويعود ذلك برأيي إلى أن الاقتصاد الدولي تتحكم فيه ثلةٌ صغيرة جدًّا، في حين أن الذين ينتجون فعليًّا الغذاء ويصنعون الأدوات التي تتطلب الكثير من الأيدي العاملة يعيشون في أكثر الجماعات فقرًا في العالم. دونكِ شري لنكا مثالاً. ليست هناك ربما غير حفنة من الناس فيها – أقلية صغيرة جدًّا – تستفيد من التنمية الاقتصادية ومن اتساع التبادل مع الغرب في السنوات الأخيرة، في حين أن الفقراء يزدادون فقرًا وعددهم لا يني في ازدياد. وهذه ظاهرةٌ يمكن لنا رصدُها في جميع البلدان النامية. حين يشتري المرءُ في بلدي سلعةً غذائيةً أُخضِعَتْ لمعالجة ما، يجب أن يدفع من أجل المعالجة سعرًا أكبر مما يدفع لشراء السلعة نفسها، بسبب الإضافات وكل ما تبقى[8].
كاثرين: في بلدي، يُدفَع سعرٌ أغلى للغذاء الذي لم يُعالَج أو يُرش بمنتجات كيميائية!
آري: لو كان هناك تبادلٌ مباشرٌ بين الناس لما وُجِدَتْ هذه النفقات كلها. واقع الحال أن هذا يخلق هرمًا لا يرمي إلا لإرضاء الطبقة العليا.
"آري" يلقي محاضرة في الولايات المتحدة عن مخاطر العولمة الاقتصادية.
على التجارة الدولية أن تراقَب لأن الظلم الذي يتيحه هذا النظامُ الاقتصادي الدولي القائم لا يستطيع إشباع الحاجات الأساسية للناس، كالملبس والمسكن، بل يرضي نهم الأغنياء في البلدان الغنية. أما نحن، في البلدان الفقيرة، فإن علينا أن نكتفي بالفتات، الذي يُستخدَم لشراء ما هبَّ ودبَّ من رغبات أوجدتْها وسائلُ الإعلام والدعاية. إنها لحلقةٌ معيبة.
كاثرين: وما العمل في وجه هذه المشكلة؟
آري: أنا من مؤيدي الانفصال عن النظام الاقتصادي العالمي – الأمر الذي لا يعني انفصالاً عن شعوب العالم الأخرى. علينا، على العكس، تعزيزُ العلاقات القائمة بين جميع الحركات الشعبية في العالم المناضلة ضد الاستغلال والفاضحة لمجتمع الوفرة الحالي الذي يهدد باستنفاد طاقاتنا كلها.
كاثرين: كيف تُوحَّدُ هذه الحركاتُ الجماهيريةُ كلها؟
آري: لنبدأ بالنظر إلى ما نشترك فيه جميعًا، أكنا نعيش في بلدان غنية أو فقيرة. إن ما نشترك فيه كلنا هو إنسانيتنا، أيالحياة الروحية. ليس ثمة حدودٌ في هذا المجال. أعتقد أن الحياة الروحية يجب ألا تنحصر في المركز. إننا نستطيع، ككائناتٍ بشرية، أن نقرر حياتنا على الصعيد الشخصي والعائلي والجماعي؛ علينا أن نعزز مؤسساتنا الروحية. ما نعيشه في سارفودايا، حين نكون عدة مئات نلتقي ونفكر معًا، نعمل معًا، ونتقاسم أفراحنا وأتراحنا، هو الشعور بإطلاق سيرورات ذهنية، فنجد في ذلك ضربًا من الحماية والأمل والفرح والطمأنينة. إننا نستشعر مفاعيله، وعلى هذا النحو تخلق جماعاتُنا روابط بعضها مع بعض. وسواء توصل العلماءُ يومًا إلى إثبات ذلك أو لا، فإن هذا لا يغير من الأمر شيئًا.
أنا اليوم في سان فرانسيسكو، على بعد أكثر من اثنين وعشرين ألف كيلومتر من بلدي، وليس لدي مع ذلك انطباعٌ بأني في أرض "غريبة"؛ لا أتصرف كما لو كنت أتعامل مع "غرباء". كذلك أنتِ، لم تعامليني كأجنبي، بل قبلتِني كواحد من أفراد عائلتك. وهذا يعني أنه، فيما يتعدى الفوارق الجغرافية أو الاقتصادية، يستطيع الذين يؤمنون بالجماعات الصغيرة أن يتفاهموا دومًا. وإذا كان هناك مستبعَدون، فلأننا ارتضينا أن يستخدم التكنولوجيا وأن يسوسَها أولئك الذين يؤمنون بالمنظومات الضخمة للسلطة وبالمنظومات الشديدة الضخامة للتنظيم الاقتصادي، كالجيوش والشركات المتعددة الجنسيات. التكنولوجيا العالمية تستخدمها، في معظمها، أقليةٌ من الناس تدافع عن الضخامة وعن التمركز. ولهذا السبب فإن علينا، نحن البلدان الصغيرة، مع بناء حياتنا الروحية، أن نستفيد من التكنولوجيات المتوفرة كي نتواصل بعضنا مع بعض. ربما لم نكن قادرين على إطلاق أقمار صناعية على الفور، بيد أن هناك دومًا الهاتف والخدمات البريدية والوثائق المطبوعة[9] – وكلها وسائل تستطيع المجموعات الصغيرة اللجوء إليها كي تبقى على تواصُل بعضها مع بعض في العالم أجمع.
هذا ما يحدث اليوم في مجتمعات الماضي. وحين أتحدث عن "مجتمعات الماضي"، لا تخطر ببالي المجتمعاتُ الموجودة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، بل مجتمعٌ راهن، لكنه راسخ في قيم الماضي (يؤمن، على سبيل المثال، بأن للأطفال مسؤوليةً أخلاقيةً تجاه ذويهم المسنين، بالتعاضد بين العائلات المتجاورة، وبأن الفلاح ملزَم أخلاقيًّا بإنتاج "نظيف"، دون تدمير البيئة ودون تلويث التربة بأسمدة كيميائية).
كاثرين: إن هذا المفهوم لـ"مجتمع الماضي" لا صلة فعلية بينه وبين قيم المجتمعات الحديثة التي تضع في الصدارة كلَّ ما هو "جديد". ما هي برأيك الحجج الفلسفية التي تجعل لمجتمعات "الماضي" أفضليةً على المجتمعات "الجديدة"؟
آري: الثغرة الكبرى في الثقافة الغربية هي، أولاً، انعدام وجود معيار لقياس الخير والشر؛ فهذا المقياس يضيع في الفكر الليبرالي. بعبارة أخرى، ما من شيء يُعتبَرُ خطيئةً أو ثوابًا. المرء ليس مسؤولاً، لأنه لا يعرف إن كان سيولد من جديد أو لا. نحن، في شري لنكا، نعتقد بالتقمص، ونعتقد بالخطيئة والثواب. المنظومةُ القديمةُ مازالت ساريةً في مجتمعنا. أعتقد أن الغالبية العظمي من الناس الذين يعيشون في العالم – خمسةٌ وثمانون في المئة على الأقل – تنتمي إلى مجتمع الماضي هذا. هناك قطعًا بين هؤلاء مَن هم ميسورون ماليًّا، لكنهم يظلون متعلقين بالقيم القديمة. من الخطأ تناسي هذه القيم وعدم التمسك بغير المجتمع الحديث وتكديس الثروات والاعتقاد بأن على هذه الخمسة والثمانين في المئة من الناس أن تفعل ما بوسعها للحصول على ما يملكه الخمسة عشر في المئة الباقون. إن هؤلاء الخمسة عشر في المئة لا يعيشون في الولايات المتحدة أو في اليابان فقط؛ فبينهم مَن يعيشون في بلادي أيضًا.

فما العمل الآن، نحن الذين ننتمي إلى المجتمع القديم ونندِّد بالموقف الراغب في المجتمع الحديث – المستهلك الخطير للطاقة والملوث للبيئة؟ نقول إننا نرفض هذا المجتمع. نريد العيش على الطريقة القديمة، مع تصحيح النقائص القائمة ومع تلبية الحاجات الأساسية للناس، بحيث لا يكون هناك فقراء. لا نريد أن نكون أغنياء؛ نريد مجتمعًا دون فقراء، وليس مجتمع وفرة. ولسوف نبني مجتمعًا جديدًا يستغني عن المجتمع الحديث بالطريقة نفسها التي استغنى بها أبناءُ هذا المجتمع الحديث عن المجتمع القديم. عبثًا حاولوا – وعلى نحوٍ غير شريف – أن يقولوا للناس في العالم الثالث: "تعالوا، بمقدوركم أن ترتقوا إلى مستوى معيشتنا. سنمنحكم "العقد الأول للتنمية"، و"العقد الثاني للتنمية"، و"العقد الثالث للتنمية"؛ سنقدم لكم "عام الطفولة"، و"عام المعوقين"، و"عام المسنين"، والنساء، إلخ." ولكن اليوم، بعد هذه السنوات الجميلة كلِّها، ماذا في الواقع عن حقوق المعوقين؟ والنساء، هل تحرَّرن؟ وهل يشبع كل طفل عن جوع؟ لا. يجب الكف عن خداع أنفسنا.
لا يملك الفقراء لترًا واحدًا من ماء الشرب، في حين يملكون هم، هناك، الآلاف منه من أجل أحواض سباحتهم. إننا نقول: "لا، لا نريد الوصول إلى حيث أنتم. نؤمن، على العكس، بأساس روحي، بعلاقات أخلاقية، بتنظيمات اقتصادية وسياسية صغيرة." فما العمل إذ ذاك؟ على عاتقنا يقع إيجادُ الحل، بادئين بعقد صلات مع جميع الحركات المعنية في العالم للتفكر معًا في حلول.
كاثرين: فيما يخص القيم الأخلاقية والروحية لمجتمعات الماضي، تناهى إلى سمعي أن التدفق النقدي في شري لنكا قد يسَّر تجارة البغاء عند الشباب: فالصبيان والبنات يستطيعون أن يجنوا من المال في نهاية أسبوع واحدة أكثر مما يستطيع ذووهم خلال عام من العمل، الأمر الذي يهدد الاقتصاد والقيم في شري لنكا تهديدًا خطيرًا. هل تواجه حركةُ سارفودايا هذه المشكلة؟
آري: طيب، إننا نقوم حاليًّا بعمل إسعافي، محاولين نجدة الذين وقعوا ضحيةً للمخدرات أو للبغاء أو للجنوح. ولهذا فإننا مسلحون بعدَّة كاملة من النشاطات الاجتماعية لمساعدتهم، وخصوصًا ببرنامج خاص في الجنوب من أجل إعادة دمج الجانحين السابقين. لدينا كذلك برنامج وقاية لتفادي حدوث مثل هذه الأمور – ذلك أننا نعتقد أن جهودنا يجب ألا تنصبَّ على العناية وعلى الإسعافات الأولية فحسب، بل عليها أن تفيد أيضًا في الوقاية. في هذا البرنامج، نطرح على المشاركين مجتمعًا لا يمكن لهذا النوع من الأمور أن يحصل فيه؛ ونريهم أيضًا كيف يعيش المضطهَدون حتى نرفع من سوية نفوسهم وسلوكهم. بيد أن عددًا كبيرًا من هذه المشكلات، بحسب فلسفتنا الاجتماعية في حركة سارفودايا، ليست سوى نتيجة المنظومة الاقتصادية الجائرة السائدة حاليًّا.
كاثرين: هل تلعب أمريكا دورًا في القمع الاقتصادي للفقراء في العالم؟
آري: نعم. أعتقد أن على أمريكا أن تقرَّ بتحمل قسط كبير من المسؤولية. فأمريكا، في النهاية، بلدٌ بنى ذاته على مبادئ مساواة وإخاء إلخ عظيمة السمو. إنني لأتذكر المثال الذي تصوَّره أهلي عن أمريكا: صورةَ بلد قادر على تحرير باقي العالم. لكني لا أظن أن أمريكا أو غيرها من القوى الكبرى تلعب الدور الذي يجب أن تلعبه اليوم. ليس لها الحق، أخلاقيًّا، أن تنفق تسعمائة مليار من الدولارات سنويًّا على التسلح، في حين أن تسعمائة مليون إنسان يموتون جوعًا. فمادامت هذه الأموال تُجيَّر كليًّا لأهداف تدميرية، سيظل اقتصاد الدول الفقيرة منكوبًا.
كاثرين: إذا قيِّض لبلدكم أن ينفصل عن المنظومة الدولية، كيف ستتصرفون حيال مشكلة الدَّين الخارجي؟ هل سمح هذا الدَّين للبنوك الدولية بالسيطرة على اقتصادكم؟
آري: نعم، لقد بلغتْ البنوك من النجاح في ربط اقتصاد الدول الفقيرة النامية بالاقتصاد العالمي حدَّ أنها هي التي باتت الآن تتخذ القرارات وتقود البلد. وللخروج من هذا المأزق، لا تملك هذه البلاد وسيلةً غير أن تستجمع شجاعتها وأن تشرح للناس ما حصل وأن تحضِّرهم لمواجهة أسوأ العواقب، قبل أن تقول للبنوك: "لن ندفع دَيننا."
تعلمين أنهم من البداية، مذ قدموا المال، بدا واضحًا، بالنظر إلى طبيعة المنظومة، أننا لن نستطيع جنيَ ما يكفي من المال لتسديد مبلغ الدين. ولعدم الدفع على كلِّ حال نتائج خطيرة للغاية؛ إذ ليس الأمر بالسهولة التي تكلمت بها. لذا فإن الدول التي يجرؤ قادتُها أن يكونوا مضرب المثل في الإيثار، عِبْرَ حياتهم الشخصية وعِبْرَ بسالتهم وعِبْرَ استقامتهم الأخلاقية، هي وحدها التي تستطيع التوصل لذلك. أتكلم على زعيم يجرؤ أن يقول: "انظروا، هاكم أين نحن من الأمر: نستطيع الاستمرار في الاقتراض وفي الغرق في الديون، لكننا ما بهذا سنستأصل شأفة الفقر من مجتمعنا. في أحسن الأحوال، سيفرز ذلك بضعةَ أغنياء جُدُد. إن كنا نريد اجتثاث الجوع من بلدنا، يجب رفض هذه النظرية الاقتصادية – اقتصاد السوق كما يعمل حاليًّا – واستجماع مواردنا كلها من أجل تأمين الحاجات الأساسية للناس."

"آري" يضع حجر الأساس لمشروع "فادافان لنكا" لإسكان منكوبي التسونامي.
هذه "الحاجات الأساسية" هي هدفنا الاقتصادي الأول، لا النمو ولا زيادة معدل دخل الفرد. إن جميع المناظرات حول النمو وعدم النمو لا معنى لها في غياب قيمة ترتبط بمجموع الناس. يجب ألا يكون السؤال: "ما هو معدل النمو الاقتصادي؟"، بل بالأحرى: "كم من الناس أكلوا اليوم حتى الشبع؟" تعلمين أن حصةً كبيرةً من الثروات تُهدَر في الاستهلاك غير المجدي وفي التبذير. أما في مجتمعات الماضي، فقد كان الناس، بعد استيفاء الحاجات الأساسية، يمضون إلى بناء أعمال فنية ومعمارية. الماركسي سيقول قطعًا إن مردَّ كلِّ شيء إلى نظام العبودية؛ بيد أنه إن كانت مجتمعاتٌ من هذا النمط قد وُجِدَتْ في السابق، فالحال لم تكن أبدًا كذلك في المجتمع الشريلنكي. إن تمثال بوذا سامادهي [في بولونارُوا، شري لنكا] ما كان بمستطاع عبد أن ينحته قط. وحده رجل حر تمامًا يستطيع أن يأتي بنحت سكينة البوذا هذه في هذا الحجر. أتذكر أن الپنديت [الأستاذ جواهرلال] نهرو، حين كان رئيسًا لوزراء الهند، كان يسافر أحيانًا آتيًا لتملِّي هذا التمثال. وحدها الثقافات الأصيلة تنتج أعمالاً فنيةً ومعماريةً عظيمةً في العالم، صروحًا تدوم قرونًا.
بعد استيفاء حاجات الناس الحيوية، ينبغي إشباع الحاجات على مستوى الجماعة. لسنا في حاجة إلى تلفزيون في كلِّ بيت؛ بل إن جهاز تلفزيون أكبر يستطيع أن يخدِّم الجماعةَ كلَّها تخديمًا جيدًا. زرت في الأسبوع الماضي جماعةً في اليابان: ليسوا غير ثلاثمائة شخص، بيد أنهم مجهزون بمركز عناية وبحضانة وبمدرسة ابتدائية ومتوسطة وثانوية وبجامعة تستفيد منها الجماعةُ كلها، رجالاً ونساءً وأطفالاً. واقع الأمر أنهم مسرورون جدًّا من غير منظومة تعليمية جماهيرية، ليس من شأنها غير إشراط الناس على العيش في مجتمع تسود فيه المنافسةُ والتقدمُ المادي الفردي كهدفين رئيسين. إذا وفرنا جميع الحاجات التربوية بناءً على قاعدة تعاونية، فإن الموارد ستكون أكثر من كافية لكلِّ بلد. على قادة البلدان الفقيرة أن يتحلوا بشجاعة التخلِّي عن مركزية السلطة الاقتصادية والسياسية. إذ إن من شأن اللامركزية أن تقوي المركز؛ ذلك أنه إذا جرؤ المركزُ على توزيع السلطات، فهو حقًّا قوي. وما إن يصبح لبلد بأكمله مثل هذه القوة، فإن قادته يستطيعون التوجه للبنوك وللحكومات الأجنبية بالقول: "نحن آسفون، إننا لنود حقًّا أن نسدد لكم، لأن من أعرافنا احترام ديوننا، لكننا لا نستطيع ذلك. وعلى كلِّ حال، فقد استرددتم هذا الدَّين عدة مرات بطريقة أخرى."[10]
كاثرين: في غضون السنة ونصف السنة المنصرمة، نشبت موجةٌ من العنف في شري لنكا بين التاميل والسيلان. ما هي الأبعاد الحقيقية لهذا النزاع الأهلي؟
آري: لقد تنبأ العديد منا بهذه الموجة من العنف في شري لنكا. وقد قيل الكثير عن العنف الجماعي، لكن ذلك لم يكن بنظرنا غير نقطة الأوج لانهيار تدريجي للقيم الروحية والأخلاقية والثقافية كان بدأ منذ نحو عشرين أو ثلاثين سنة. ومن بعدُ، صارت القضية الجمعية ذريعةً لشرح ما جرى؛ وقد قيل في الخارج إن بوذيين سيلان قتلوا تاميل هندوس – وهو أمرٌ عارٍ عن كلِّ صحة. ما من بوذي قتل هندوسيًّا قط لمجرد كونه هندوسيًّا. الصحيح أن هناك عصابات منتمية إلى عناصر فوضوية أو إلى أحزاب سياسية كانت تتحين الفرصة السانحة للقيام بالسلب والنهب. وهؤلاء هم الذين تسببوا بهذا الدمار كلِّه، وليس أبدًا أحد الرهبان البوذيين أو أحد ممن يجوز أن نسميهم بوذيين جديرين بهذه التسمية.
حين بدأ ذلك كله، إذ رأينا أن القادة لم يبدُ عليهم تحريكُ ساكن لإيقاف مساره، دعت فِرَقُ سارفودايا إلى وضع حدٍّ لتصعيد أعمال العنف ولتقديم يد المساعدة للضحايا. لقد فتحنا مخيماتِ إغاثة وبذلنا ما بوسعنا من أجل التفريج عنهم وتيسير المصالحة في البلاد. شخصيًّا، عقدتُ اجتماعاتٍ علنيةً عِبْرَ البلاد كلِّها، داعيًا السيلان والتاميل ألا يقعوا في فخ العنف.
يقيم سبعة عشر أخًا وأختًا من التاميل معنا. وفي أحد الأيام، جاءت عصابة من السيلان الأشرار تقرع بابي، فذهبت ابنتي البكر لتجيبهم: "لقد أخبرني والداي أن أقول إنه لو كان أبي هنا، فلا بدَّ من قتله أولاً قبل المساس بأحد من العائلة التاميلية. ولو كانت أمي هنا، لكانت هي التي ستموت أولاً. ولكن بما أني بكر إخوتي، وبما أن والديَّ متغيبان، فأنا التي عليكم أن تقتلوها أولاً." ربما لم تكن تعي خطورةَ عباراتها كلَّ الوعي، لكنها لما تُمَس بأيِّ أذى، وقد انصرفوا معتذرين. هذا هو النوع من الأحداث الذي لا تنشره الصحف. لقد قام عددٌ كبيرٌ من النساء والأطفال السيلان بأعمال بطولية في تلك الفترة التي عمَّ فيها الجنونُ البلاد.
كاثرين: هل تقول إن بوذيين قد حاموا عن تاميليين؟
آري: نعم، نعم، ثم نعم!
كاثرين: أعلم أنك نظَّمتَ مسيرةً من أجل السلام ضمَّتْ أكثر من ثلاثين ألف شريلنكي، وأن الرئيس جاياوارديني قد طلب منك إيقافها لأنه خشي على سلامتك.
آري: نعم، لكنني لم أوقفها لأسباب تمت إلى أمني الشخصي. ما كنت لأوقف كلَّ شيء من جراء تعرُّضي للتهديد. فنحن، بالتزامنا الثورة اللاعنفية، مستعدون للموت في كل لحظة من أجل مساعدة الآخرين على الحياة. ولكن بما أن الرئيس قد وجَّه لي نداءً شخصيًّا، فلكنت أخطأتُ لو لم آخذه في حسباني. وهكذا أوقفتُ المسيرة. لم أشأ، إضافةً إلى ذلك، أن أفسح مجالاً للقول إنه بسببنا أخفق "المؤتمر المتعدد الأحزاب" في الانعقاد. لذا واصلتُ رحلتي من أجل السلام في السيارة، إبان تسعة وستين يومًا على ما أذكر. وفي اليوم الذي انعقد "المؤتمر المتعدد الأحزاب" للمرة الأولى، وضعنا حدًّا لتنقلاتنا. قلت لنفسي في تلك الأثناء إنني قد تسببتُ في خوف غير مُجْدٍ في نفوس القادة السياسيين، سواء بين الذين كانوا في السلطة منهم أو الذين كانوا يحاولون الصعود إليها. والحال، فهم لم يكونوا خائفين من الحركة بقدر ما كانوا خائفين مني؛ إذ كانوا يظنون بأني قادرٌ على اجتذاب الجماهير. وقلت في نفسي بأنه ليس من المستحسن تحريض الخوف في نفوس الآخرين، فقررت مغادرة البلد لبضعة أشهر، ريثما تهدأ الأحوال.
كاثرين: هل كانوا يخافون أن تصبح قوةً سياسية؟
آري: أنا فعلاً قوة سياسية. أريد من التصريح بذلك أن أقول إنني لست في حاجة إلى إخفاء الأمر. لكنك تعلمين أنني لن أتعاطى احتراف السياسة أبدًا. إذ ثمة ما هو أهم للقيام به. فنحن، في سارفودايا، لا نعارض حكومةً، بل نضع المنظومة بمجملها موضع الاتهام. يستطيعون على الدوام أن يقولوا إننا مجرد "عاطفيين"، "مثاليين"، أو يقولوا ما يحلو لهم. ومع أننا لا نريد أخذ أمكنتهم، فهم خائفون.
في كلِّ الأحوال، ليس لغيابي أدنى تأثير على الحركة. فلكلِّ قرية تنظيمُها. وفي غضون عام، ينبغي لعدد المراكز التي نحن فعالون فيها أن يتضاعف. أجل، إن سارفودايا ستستمر. حلمي هو أن يكون هناك ستة عشر ألف قرية في شري لنكا، بحيث تُبنى منظومةٌ بديلةٌ حقيقيةٌ، لا توصَفُ مع ذلك بالـ"بديلة"، وبحيث نستطيع يومًا ما إعلان حريتنا.

بعد انقضاء أربع سنوات على هذه المقابلة، أرسلتُ لآريارتْني أسأله رأيَه في الحرب الأهلية في شري لنكا التي كانت تتطاول؛ وإجابته مؤرخة في 11 تشرين الثاني 1988.
كاثرين: حين التقينا في العام 1984، قلتَ لي إن العنف الذي بدأ بالظهور في شري لنكا كان عاقبة الانهيار التدريجي للقيم الروحية والأخلاقية والثقافية إبان الأعوام الثلاثين الأخيرة. أما تزال هذه الأسباب تبدو لك متأصلةً في النزاع الأهلي المستعر في شري لنكا؟
آري: نعم. إن جميع مظاهر الحياة الروحية والأخلاقية والثقافية إنما تقوم على قيم. وابتداءً من اللحظة التي دُمِّرتْ فيها منظومةُ القيم، كان على الدولة – وخصوصًا الشرطة والقوات المسلَّحة – أن تلجأ لأدوات أكثر فأكثر قسرًا كي تفرض النظام على الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وفي غضون السنوات العشر الماضية، بذلتْ الدولةُ والقطاعاتُ الاقتصادية المحلِّية والمتعددة الجنسيات جهودًا مسعورةً للوصول إلى الوفرة المادية. تضاعف سعرُ المشروبات الكحولية عشر مرات، وتكاثر عددُ الكازينوهات ودُور القمار، وظهر الإدمان على المخدرات. زُيِّنَ للناس أن كسبَ المال وإنفاقَه قيمةٌ أساسية من قيم الحياة. إن القدوة السيئة التي قدمتْها أقليةٌ ضئيلةٌ قد انتشرت ضمن رأي عام شعبيٍّ شديد التأثر بوسائل الإعلام، سواء التلفزيون أو الراديو أو الصحف. المجلات الپورنوغرافية اليوم باتت بين أيدي الأطفال الصغار. لهذا السبب، حينما ظهرتْ هذه الشرور كلها في مجتمعنا، أضحى العنف، على نحوٍ طبيعيٍّ تمامًا، جزءًا لا يتجزأ من بنيتنا وانتشر بين الأهالي. مذ ذاك، أمسى حسمُ المنازعات الشخصية، وكذلك السياسية، منوطًا بالقوة المسلحة. لم يكن "النزاع العرقي" المزعوم غير عَرَضٍ للداء. واليوم، لا يتحدث أحدٌ هنا عن النزاع العرقي؛ إذ لقد جرى إرجاعُه إلى الصف الخلفي. إن أغلب الناس عاجزون، مسحوقون بين مطرقة وسندان فِرَقٍ تتنازع على السلطة. حياتهم تكاد تسيطر عليها سيطرةً تامةً فِرَقٌ أجنبية أو محلِّية، في حين تصرف العصابات المسلحة التي تقارع الحكومة أيامَها هانئة. علينا أن نتصرف بأكثر ما يمكن من الحذر ونعمل بحيث يستمر الناس في اتِّباع برامج التنمية اللاعنفية التي وضعتْها سارفودايا. العنف لن يقود أبدًا إلى أيِّ مكان. وفي اللحظة التي تستنفدُ الفِرَقُ العنيفةُ طاقتَها في تصفية بعضها بعضًا، لا بدَّ لها أن تتحول إلى البدائل اللاعنفية التي تقدِّمها سارفودايا. هذه هي قناعتنا على كلِّ حال.
*** *** ***
حاورتْه: كاثرين إنغرام
ترجمة: أديب الخوري
أوكلاند، كاليفورنيا، 21 تشرين الأول 1984






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق