تم إنزال الطوَّافة «يوتو 2»Yutu2 على سطح القمر في الثالث من يناير 2019.
هبط مسبار صينيّ على الجانب البعيد من القمر ليصبح بذلك الأول الذي يطأ هذه المنطقة، بعد مرور ستين عامًا على إلقاء الإنسان أول نظرة عليها بفضل مركبة مدارية
هبط مسبار صينيّ على الجانب البعيد من القمر ليصبح بذلك الأول الذي يطأ هذه المنطقة، بعد مرور ستين عامًا على إلقاء الإنسان أول نظرة عليها بفضل مركبة مدارية.
ففي الثالث من يناير، هبطت المركبة «تشانجا-4» Chang’e-4 داخل فوهة فون كارمان (Von Kármán) في تمام الساعة 10:26 بالتوقيت المحلي للصين ، وأرسلت المركبة الصور الأولى التي التقطتها. وبعد مرور اثنتي عشرة ساعة، هبطت الطوافة «يوتو 2» Yutu2 التابعة للبعثة - والتي يبلغ وزنها 140 كيلوجرامًا - على أحد المنحدرات، واتجهت منه إلى التضاريس القمرية.
ونظرًا إلى أن الجانب البعيد من القمر يظل مستترًا بصفة دائمة عن كوكب الأرض، فإن أخبار الهبوط الناجح الذي قامت به «تشانجا-4» نقلتها مركبة فضائية تُسمَّى «تشيتشاو» Queqiao. تدور هذه المركبة - منذ أن تم إطلاقها في مايو الماضي - حول نقطة مستقرة من حيث قوى الجاذبية، تقع على بعد 60,000 كيلومتر تقريبًا فيما وراء القمر.
كان يعني موقع الهبوط في الجانب البعيد أيضًا أن «تشانجا-4» كانت بمفردها خلال المراحل الأخيرة من الاقتراب من سطح القمر، ولم يكن من الممكن تشغيلها عن بُعْد؛ فبدءًا من ارتفاع بلغ 15 كيلومترًا، استخدم المسبار معززًا صاروخيًّا؛ حتى يتسنى له أن يقلل سرعته، ويحلق لفترة وجيزة. وفي هذه الأثناء، قامت كاميرا محمولة ونظام لتحديد المدى باستخدام الليزر بمسح التضاريس؛ لتفادي الاصطدام بالجلاميد الصخرية.
يقول براد تاكر، عالِم الفيزياء الفلكية بالجامعة الوطنية الأسترالية بكانبرا: "لقد كان الهبوط ناجحًا بشكل كبير، من الناحيتين التقنية، والعلمية".
أُطلقَت «تشانجا-4» في الثامن من ديسمبر الماضي، وبعد ذلك بأربعة أيام دخل المسبار في مدار قمري مطوَّل للغاية، ثم قام بالمناورة؛ ليبلغ مدارًا أكثر انخفاضًا.
اختارت إدارة البعثة أن يهبط المسبار داخل فوهة «فون كارمان»، وهي فوهة مستوية نسبيًّا، عرضها 186 كيلومترًا، وتقع داخل حوض «القطب الجنوبي-آيتكن» South Pole–Aitken Basin الأكثر اتساعًا بكثير. هذا الحوض يزيد عرضه عن 2,500 كيلومتر، ويُعتقد أنه أقدم حوض من بين أحواض الارتطام الكبيرة العميقة الموجودة على القمر. ويُعَد هذا الحوض أيضًا ملمحًا وحيدًا من نوعه على الجانب البعيد لهذا الجرم السماوي، ولطالما مثلت دراسته أولوية قصوى لدى باحثي النظام الشمسي.
ومن المعتقَد أن هذا الحوض تكوَّن إثر اصطدام أحد الكويكبات الكبيرة بالقمر في بدايات عصر «القصف الشديد المتأخر» Late Heavy Bombardment، قبل حوالي 3.8 مليار سنة. وقد يكشف التحديد الدقيق لتاريخ تكوُّن هذا الحوض عمّا إذا كانت هذه الحقبة من القصف ــ التي لا بد أن تكون قد أثرت على كوكب الأرض، كما أثرت على القمر – قد امتدت على مدى مئات الملايين من السنين، أم كانت متركزة في فترة زمنية وجيزة نسبيًّا.
منطقة لم يسبق استكشافها
بعد تحقيق هبوط ناجح على القمر لأكثر من مرة أثناء سبعينيات القرن الماضي، بدأ البعض تبنِّي نظرة تجاه القمر، عنوانها: "لقد كنا هناك، وفعلنا هذا من قبل"، وفقًا لقول جيفري تيلور، العالِم المتخصص في دراسة القمر بجامعة هاواي في هونولولو، غير أنه يشير إلى أن مغامرة الصين في الجانب البعيد من القمر تُظهِر أن الأمر خلاف ذلك. ويتابع تيلور قائلًا: "لم نفعل كل الأشياء التي كان بإمكاننا فعلها، ولم نستكشف جميع أنحاء القمر". ويضيف قائلًا إن حل ألغاز تاريخ القمر سوف يتطلب - بالرغم من هذا - جمع العينات، وجلبها إلى الأرض؛ لتحليلها.
ولأن دوران القمر حول محوره يتزامن بدقة مع مداره، بسبب "الانغلاق المداري" Tidal locking، لم يكن لدى الإنسان أدنى فكرة عما يبدو عليه الجانب البعيد من القمر، واستمر الأمر على هذا النحو، حتى أرسل المسبار «لونا 3» Luna 3 - التابع للاتحاد السوفيتي - اللقطات الأولى لهذا الجانب في عام 1959. كشف المسبار «لونا 3» عن منطقة تتسم بعدد أكبر بكثير من الفوهات، مقارنةً بتلك الموجودة على الجانب القريب، وهي منطقة تكاد تخلو من "البحار القمرية"، أو بحار الحمم المتصلِّبة، التي تنتشر في غالبية الجانب القريب المألوف لدينا. ويُذكر أن (المركبة «أبوللو 11» Apollo 11 هبطت على أحد هذه البحار، وهو بحر يُطلق عليه «بحر السكون» Sea of Tranquility).
وفي العقود التالية لهذا، تابعت مسابير أخرى هذا العمل، من خلال رسم خرائط تفصيلية طبوغرافية، وأخرى متعلقة بقياسات الجاذبية لسطح القمر بكامله، لكن لم تهبط أيّ مركبة على الجانب البعيد للقمر من حينها، إلى أنْ فعلتها «تشانجا-4». (سبق لمسبار تابع لوكالة ناسا الهبوط بشكل اضطراري على الجانب البعيد للقمر في عام 1962). وقد توفر دراسة هذه المنطقة عن كثب أدلة تشير إلى الأسباب التي تجعلها منطقة مختلفة إلى هذه الدرجة.
خطوة تاريخية
"إن بعثة «تشانجا-4» تُعَد خطوة تاريخية ضمن البرنامج الصيني لاستكشاف القمر، وعمليات الاستكشاف العلمي للقمر على المستوى الدولي ككل"، وفقًا لقول جيم هيد، عالِم الكواكب بجامعة براون في بروفيدنس بولاية رود آيلاند، وأحد المشاركين القدامى في برنامج «أبوللو»، التابع لوكالة ناسا، الذي يضيف قائلًا إن هذه البعثة ستتيح استكشاف سطح ما يُسمَّى بـ«لونا إنكوجنيتا» Luna Incognita، أو القمر المجهول، لأول مرة.
تحمل «تشانجا-4» وطوّافتها ذات الست عجلات أدوات مِن المقرر لها إجراء مجموعة من التجارب، تتضمن دراسة للبيئة الإشعاعية لسطح القمر، ومسوحًا عميقة باستخدام رادار يمكنه اختراق تربة القمر، وتحليلات لجيولوجيا سطح القمر باستخدام مطياف تصوير. وستُجْرِي هذه الأدوات كذلك قياسات راديوية للكون المبكر، وهي قياسات يصعب الحصول عليها من الأرض، لأن الإشعاع ذا التردد المنخفض يتم حجب معظمه بواسطة الغلاف الجوي للأرض. وحسب قول تاكر، يُعَد الجانب البعيد للقمر مكانًا مثاليًّا لجمْع هذه الأنواع من البيانات، لأنه لا يكون مواجهًا للأرض أبدًا. ولطالما تحدَّث الفلكيون عن رغبتهم في إجراء هذه الأنواع من التجارب على القمر. يقول تاكر: "لقد مضت الصين قدمًا، وفَعَلَتْها". وتحمل «تشانجا-4» كذلك بيئة مُصَغَّرة، ذات مناخ متحَكَّم فيه، وتحتوي تلك البيئة على بذور البطاطس، وبذور لنبات من جنس Arabidopsis، وشرانق لدود القز.
لقد تم بناء «تشانجا-4» وطوّافتها - في الأصل - كمَركبات داعمة للبعثة القمرية السابقة «تشانجا-3»، التي أتمّت رحلتها بنجاح في عام 2013. وسوف تستهدف البعثة القادمة، التي ستطلقها الصين إلى القمر (البعثة «تشانجا-5») جمْع عينة من صخور القمر؛ وجلبها إلى الأرض. ومن المقرر إطلاق هذه البعثة في وقت لاحق من العام الجاري.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق