الثقافة وسطوة الترويج

. . ليست هناك تعليقات:

الفضاءات أصبحت مفتوحة لمُشاركة كل من يريدُ حشد الجمهور حول أفكاره ومعتقداته السياسية والدينية.



وسائل الإعلام تلعب دوراً كبيراً لترويج نماذج ثقافية معينة
النظام الرأسمالي لا يمنع من وجود شخص يمسك بيد علبة كوكا كولا وبيد أخرى يحمل شعارات مُتطرفة
النظام الرأسمالي وظفَ القنوات الثقافية المتنوعة في خدمة دورة الإنتاج والإستهلاك


بقلم: كه يلان مُحمَد

تُنشر في الصحف والمُجلات لائحة تضمُ عناوين الكتب الموصية بقراءتها مرفقة بتقريظ الشخصيات العامة وما قاله هؤلاء عن محتوى الكتاب، وما أعجبهم في الأُسلوب مع التنويه بأوجه الفائدة من قراءة الكتاب على غرار ما يُعلنُ من قائمة بعشرة أفلام أكثر مشاهدةً في الأسبوع وأصناف الأطعمة الصحية وبرامج الحمية الغذائية والتمارين الرياضية لإنقاص الوزن.
هنا تلعب وسائل الإعلام دوراً كبيراً لترويج نماذج ثقافية معينة، حيث الفضاءات أصبحت مفتوحة لمُشاركة كل من يريدُ حشد الجمهور حول أفكاره ومعتقداته السياسية والدينية وما يُقدمهُ من أطروحات لتشخيصِ جذور المشاكل والأزمات.
وفي ظل هذه السيولة الثقافية والفكرية من الطبيعي أن يكون المرءُ مُتخذا قراراته بإيحاء ما تَمرُّ عليه من الصور والإقتباسات التي تتواردُ على منصات إعلامية سواءً أكانت تقليدية أو جديدة.
بالإستناد إلى ما قدمناه آنفاً يصح توصيف الواقع بأنَّه خاضع لسطوة وهيمنة المظاهر ويستوى في ذلك ما يمكنُ اعتباره سلعة مسوّقة أو أسماءَ ورموزا تتصدر واجهة الفعاليات الثقافية.
هنا لا محيد من سؤالٍ بشأنِ عوامل التأثير على رؤية واختيارات الإنسان ورغباته في واقعٍ يضجُّ بخطابات توهمُ المتابعَ بوجود حلول سحرية لأزمات مركبة كما تدغدغُه بتوفير الفرص المتساوية للجميع، وما على صاحب المشروع إلا أن يتمثلَ لشروط العصر والبحث عن الأدوات التي تُمكنه من فك الألغاز لِيُصبحَ قدوةً للنجاح، ومتربعاً على القمة.


يجبُ تفادي الكتب التي تتضمن وصفات جاهزة توهمنا بأنَّ ما نعيش فيه هو من المسلمات والأنظمة المالية والسياسية التي تحكمنا قدر لا مفرَّ منها

يُشير الصحافي السويسري آلان دوبوتون إلى ما أحدثته وسائل الإعلام من ازدياد التطلعات المادية وتغذية الرغبة الإستهلاكية لدى الجماهير، وذلك بنقل أخبار رجال الأعمال ونمط عيشهم والإهتمام بقصص نجاحهم الخارق.
ويَذكرُ مؤلف "عزاءات الفلسفة" ما حظي به كتابُ الرأسمالي الأميركي أنتوني روبنز حيثُ سردَ تحت عنوان "أيقظ العملاق من داخلك" من الترويج والإنتشار، وهو يتناول قصة إنطلاقته من أصول متواضعة إلى أعلى مراتب النجاح مؤكداً أنَّ ما قام به ليس معجزةً، ومن الممكن لأي شخص أن يسيرَ على خطاه.
بالطبع فإنَّ هذا الطرز من الكُتب يخدمُ تكريس عقلية نمطية تُرخي العنان لرغبات مادية إلى أن تُصبحَ المكاسب المادية معياراً وحيداً للنجاحِ وما يحققهُ الإنسانُ خارج هذا المجال لا يُعْتدُ به إلا إذا تحولَ إلى آلية داعمة لجني مزيد من الربح.
وظفَ النظام الرأسمالي القنوات الثقافية المتنوعة منها الكتُب والمطبوعات في خدمة دورة الإنتاج والإستهلاك، وتكاثر عدد الزبائن؛ ما يعني أن هدفا من العمل والنشاطات لم يعد من أجل الإنسان بل لتوثين المال على حد قول كارل ماركس. لذا فإنَّ الثقافة في أحسن أحوالها تكتسبُ دوراً تزيينياً داخل المجتمعات الرأسمالية.
الأخطرُ في هذه المنظومة هو تجنيد كل الوسائل لإقناعك بالإندماج في حركة السوق ويكون الكتابُ أداةً ضمن الترسانة الرأسمالية، هذا إضافة إلى ما يُضخُ في وسائل التواصل الإجتماعي ومواقع يوتيوب من المُحاضرات عن تجارب الرأسماليين ورجال الأعمال العالميين وإيهام المتابع بإمكانية تكرار ذلك النجاح في حياتهم دون أن يكلفهم الأمرُ مجهوداً كبيراً.
والحال هذه يتصاعد سقف التوقعات يوما وراء اليوم، وتتسعُ الفجوة بين ما يطلعُ إليه الإنسان وما هو في متناوله. وآخر صيحات العالم الرأسمالي تراه في العُملة الإلكترونية بأنواعها المُختلفة وما يُصاحبها من قصص أولئك الذين وصلوا بواسطتها إلى منصة الملايين.


الرهانات البديلة


وقد يطيبُ للمنضمين إلى نادي رجال الأعمال الجدد تدوين سيرتهم في الكتب ويقومون بنشرها وذلك لجذب عدد أكبر من الأشخاص للإستثمار بعملات إلكترونية. ومن الواضح أن حجم القلق والتوتر راح يكبرُ بموازاة هذه المُعطيات الجديدة إلى أن تُمحى الحدودُ لمُتطلبات وطموحات مُنفلتة، ويكون الأفضل ُهو أكثرُ قدرةً على الإستهلاك.
وما يجدرُ بالذكر هنا هو ملاحظة القس الإنجليزي جون بانيستر التي يستشهدُ بها آلان دوبوتون في كتابه "قلق السعى إلى المكانة" عن طبيعة الرأسمالية إذ إكتشف بأن الوافدين الجدد إلى أميركا نجحوا في دفع هنود منطقة خليج هَدسُن ليرغبوا في أشياء كثيرة لم يحتاجوا إليها من قبل، وذلك لأنهم لم يمتلكوها قط. وهذا ما يشتغلُ عليه النظام الرأسمالي بأنَّ تستهلكَ ما لا يُضيفُ إليك شيئا، ولا يسدُ حاجتك الفكرية والمادية.
وما صدر للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بعنوان "الرئيس المفقود" وهو عمل روائي شارك في صياغته الكاتب الشعبي الأميركي جيمس باترسون يندرجُ في خانة ما لا تحتاجُ إلى قراءته نظراً لخلوه من أبعاد فنية حسب رأي النقاد والمُتابعين ومع ذلك قد يكون من أكثر الكتب مبيعاً، ويُحولُ إلى فيلم سيمائي.
يدرسُ المفكر السعود عبدالله الغدامي في مؤَلَفه "اليد واللسان" موضوع ما يُسمى بأكثر كتب رواجاً موضحاً أن مُعظم تلك العناوين من تأليف الرؤساء والإعلاميين أو علماء النفس إذ تتصفُ لغة هذه المؤلفات بالبساطة والأسلوب السواليفي ويضربُ مثالاً طريفاً حول وقوع القاريء في فخ العناوين الجذابة منها كتاب "كل ما يعرفه الرجال عن النساء" من تأليف آلان بيس.
يقولُ صاحب "الفقيه الفضائي" ما أن وجدتُ هذا العنوان حتى أخذته مباشرة وبدأتُ بنزع الغلاف وعندما تفصحته تفاجأت بوجود ثلاثمائة صفحة بيضاء. إذاً فإن رفوف المكتابات مليئةُ بما يمكن الإستغناء عنها تماماً مثل المراكز التجارية المُكتظة بالسلع التي ليست من الضروريات غير أن إدراكنا لهذه الحقيقة لا يمنعنا من شرائها.
يُشارُ إلى أن كل توصية في المجال المعرفي هي مصادرة لرغبة البحث والتنقيب ولولا جود هذه الرغبة لما يتطور العقلُ وتنضجُ الأفكار. هنا ربما يسألُ سائلُ هل ثمة سبيل لتحصن من مؤثرات خارجية في اختياراتنا هل نتجول في الأسواق ونرددُ مثل سقراط "ما أكثر الأشياء التي لا نحتاج إليها" ماذا لو أن قيمة الإنسان تكمن فيما يمتلكه وإنسياقه وراء المُحددات السائدة في التذوق والفكر؟ كيف يمكن إكساب الثقافة بكل أشكالها بُعدا إنسانياً من جديد؟
قد تتمثلُ الرهانات البديلة في الإهتمام بما ينمّي الحس الإنساني ويتعالى على الإعتبارات الطبقية والقومية والدينية لأنَّ كل ذلك صار من العوامل التي تزيتُ عجلة نظام يقدسُ الربحَ ويبخسُ فيه الإنسان.
يقول المفكر المصري سمير أمين بأن النظام الرأسمالي لا يمنع من وجود شخص يمسك بيدِ علبة كوكا كولا وبيد أخرى يحمل شعارات مُتطرفة، عدا ذلك يجبُ تفادي الكتب التي تتضمن وصفات جاهزة توهمنا بأنَّ ما نعيش فيه هو من المسلمات والأنظمة المالية والسياسية التي تحكمنا قدر لا مفرَّ منها. لأنَّ هذه الأفكار ما هي إلا أيديولوجية الطبقة الحاكمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ابحث في موضوعات الوكالة

برنامج ضروري لضبط الموقع

صفحة المقالات لابرز الكتاب

شبكة الدانة نيوز الرئيسية

اخر اخبار الدانة الاعلامية

إضافة سلايدر الاخبار بالصور الجانبية

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة

اعشاب تمنحك صحة قوية ورائعة
تعرف على 12 نوع من الاعشاب توفر لك حياة صحية جميلة سعيدة

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية
روابط مواقع قنوات وصحف ومواقع اعلامية

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة

احصائية انتشار كورونا حول العالم لحظة بلحظة
بالتفصيل لكل دول العالم - احصائيات انتشار كورونا لحظة بلحظة

مدينة اللد الفلسطينيةى - تاريخ وحاضر مشرف

الاكثر قراءة

تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

-----تابعونا النشرة الاخبارية على الفيسبوك

الاخبار الرئيسية المتحركة

حكيم الاعلام الجديد

https://www.flickr.com/photos/125909665@N04/ 
حكيم الاعلام الجديد

اعلن معنا



تابعنا على الفيسبوك

------------- - - يسعدنا اعجابكم بصفحتنا يشرفنا متابعتكم لنا

جريدة الارادة


أتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الارشيف

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام

شرفونا بزيارتكم لصفحتنا على الانستغرام
الانستغرام

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة

نيو سيرفيس سنتر متخصصون في الاعلام والعلاقات العامة
مؤسستنا الرائدة في عالم الخدمات الاعلامية والعلاقات العامة ةالتمويل ودراسات الجدوى ةتقييم المشاريع

خدمات نيو سيرفيس

خدمات رائدة تقدمها مؤسسة نيو سيرفيس سنتر ---
مؤسسة نيوسيرفيس سنتر ترحب بكم 

خدماتنا ** خدماتنا ** خدماتنا 

اولا : تمويل المشاريع الكبرى في جميع الدول العربية والعالم 

ثانيا : تسويق وترويج واشهار شركاتكم ومؤسساتكم واعمالكم 

ثالثا : تقديم خدمة العلاقات العامة والاعلام للمؤسسات والافراد

رابعا : تقديم خدمة دراسات الجدوى من خلال التعاون مع مؤسسات صديقة

خامسا : تنظيم الحملات الاعلانية 

سادسا: توفير الخبرات من الموظفين في مختلف المجالات 

نرحب بكم اجمل ترحيب 
الاتصال واتس اب / ماسنجر / فايبر : هاتف 94003878 - 965
 
او الاتصال على البريد الالكتروني 
danaegenvy9090@gmail.com
 
اضغط هنا لمزيد من المعلومات 

اعلن معنا

اعلان سيارات

اعلن معنا

اعلن معنا
معنا تصل لجمهورك
?max-results=7"> سلايدر الصور والاخبار الرئيسي
');
" });

سلايدر الصور الرئيسي

المقالات الشائعة