أعرف مسبقاً حساسية هذا الموضوع الذي أحاول مناقشته في هذه الدراسة، وسبب هذه الحساسية عائد في الأساس إلى إنعدام حرية الرأي والتفكير في الشرق الأوسط بشكل عام، مع نسب مختلفة من قطر إلى آخر، وإلا فقياسا على تجربة الشعوب الأوروبية لا توجد مسلّمات ولا (تابوات) غير قابلة للنقاش، مهما إشتط البعض في نقاشهم ،وخالفوا الاجماع حول قضية محددة، فهم يجدون من يناقشهم ويفند آراءهم بطريقة علمية موضوعية خالية من الشتم والتجريح، وزجّ التهم، كما تعودنا في الشرق الأوسط، وأعتقد أنّ إتساع هامش التفكيروالرأي هي التي اتاحت للفكر العربي أن ينطلق نحو آفاق واسعة في مختلف العلوم والفنون والذي ما زلنا نعيش في الشرق على نتاجاته تلك في مجالات حياتنا المختلفة، النظرية والتطبيقية.
إن الخروج من (تابو) المحرمات والممنوعات، لا بد منه خطوة أولى نحو تحرير الانسان وفكره في بلادنا.
وانطلاقاً من ذلك، وعودة إلى الموضوع الحساس الذي أشرت إليه أقول:
هل يسمح التفكير النمطي السائد في الشرق الاوسط، طرح موضوع (الأمة العربية الواحدة) و(قضية القومية العربية) بشكل مختلف (أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج)، دون اتهام من يشكك في صحة ذلك بأنه جاسوس وعميل للقوى الأمبريالية والحركة الصهيونية وغيرهما؟
رغم كل هذه المحاذير التي يعيها الكاتب، إلا أنه يرى أن خمسين عاماً تكفي للركض وراء سراب ووهم، لم يتقدم صاحبه نحو الهدف متراً واحداً، وبالتالي لماذا لا نواجه الواقع وتشخيصه على حقيقته وصولاً إلى إمكانيات واقعية من الممكن تطبيقها وتطويرها، بدلا من استمرار وهم (الوحدة العربية) وما يسميه البعض(الأمةالعربية) التي تزداد شرذمة وعداوة وتناقضاً، ووهم (القومية العربية) والواقع يغاير ذلك ويناقضه..
رغم كل هذه المحاذير التي يعيها الكاتب، إلا أنه يرى أن خمسين عاماً تكفي للركض وراء سراب ووهم، لم يتقدم صاحبه نحو الهدف متراً واحداً، وبالتالي لماذا لا نواجه الواقع وتشخيصه على حقيقته وصولاً إلى إمكانيات واقعية من الممكن تطبيقها وتطويرها، بدلا من استمرار وهم (الوحدة العربية) وما يسميه البعض(الأمةالعربية) التي تزداد شرذمة وعداوة وتناقضاً، ووهم (القومية العربية) والواقع يغاير ذلك ويناقضه..
إن دراسة الواقع العربي السائد طوال خمسين عاما مضت، هو ما تحاول هذه الدراسة رصده، وصولاً لإجابة واقعية على التساؤل الرئيسي وهو: أمّة عربية واحدة، أم شعوب عربية متعددة؟
إن تجربة الخمسين عاما الماضية، التي هي عمر عصر الاستقلال لمعظم الدول العربية، وفي الوقت ذاته عمر الجامعة العربية، قد شهدت تجربة عربية، ذات وجهين مختلفين إلى حد النقيض:
* الوجه الأول:
إن تجربة الخمسين عاما الماضية، التي هي عمر عصر الاستقلال لمعظم الدول العربية، وفي الوقت ذاته عمر الجامعة العربية، قد شهدت تجربة عربية، ذات وجهين مختلفين إلى حد النقيض:
* الوجه الأول:
أ-نشوء أهم الاحزاب القومية، التي جعلت أهم أهدافها تحقيق الوحدة العربية عبر مفاهيم الأمة الواحدة ذات القومية واللغة الواحدة، ومن أهم هذه الاحزاب حركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب القومي السوري الاجتماعي، وإن كانت له اطروحاته الخاصة في هذا الميدان.
ب- ظهور قيادة جمال عبد الناصر في مصر عقب إنقلاب يوليو1952 الذي أطاح بحكم الملك فاروق، واضعاً السلطة في يد مجموعة الضباط الذين أطلقوا على أنفسهم تسمية (الضابط الأحرار).
ج- الإعلان عن العديد من مشروعات وتجارب الوحدة بين أقطار عربية، لكنها جميعها، وبدون استثناء كانت مشاريع فاشلة، أدت إلى الفرقة أكثر منها إلى الوحدة، وكان أهمها الوحدة بين مصر وسوريا، عام1985، التي عرفت باسم الجمهورية العربية المتحدة، وانتهت بانفصال سورية عام1961، ومشروع الوحدة بين مصروالعراق عام1963، ولم ير النور، وانتهى بحملات أعلامية متبادلة، سممت الأجواء العربية، ومشروع الأتحاد الهاشمي بين الاردن والعراق عام1958، وكان ردا على الوحدة بين مصر وسوريا، ومشروعات العقيد القذافي الوحدوية التي تكاد لا تحصى، فهي مرة مشروع للوحدة بين ليبيا ومصر،وثانية مشروع للوحدة بين مصر وليبيا والسودان، وثالثة مشروع الوحدة بين ليبيا والسودان، ورابعة مشروع للوحدة المغاربية وخامسة مشروع للوحدة مع(تشاد)- دولة افريقية لا علاقة لها بالعروبة- وفي نهاية عام1998، أعلن العقيد القذافي يأسه من أمكانية تحقيق الوحدة العربية، وأعلن توجهه نحو افريقيا.
المشروع الوحيد من مشروعات التنسيق والتكامل العربيين، الذي كتب له النجاح،وما زال متسمراً منذ عام 1974، هو مشروع"مجلس التعاون الخليجي"، وقد شهد سلسلة من أمور التكامل بين دوله الأعضاء، شكلت شذوذا واضحاً على المشاريع العربية المماثلة، وسر نجاحه أنه بني منذ البداية على أسس واقعية وهي (التعاون والتكامل) وليس الوحدة والتوحيد)، وهذا ما يعزز النتيجة الاخيرة التي تهدف هذه الدراسة إلى الوصول إليها.
*الوجه الثاني:
شهدت التجربة السياسية العربية في نفس فترة الخمسين عاما الماضية، نقيض ما شهدته في الوجه الاول، أي أن نفس الفترة عرفت وعاشت الشيء ونقيضه، وهذا من النادر وجوده في التجربة الأوروبية، التي تسعى للهدف نفسه، في الوحدة والتكامل، وهذا يدل على التخبط العربي،في مجال التفكير السياسي، وبعده عن الواقع المعيشي ميدانيا، ومن ملامح هذا التناقض الصارخة:
أ- إنهيار حركة القوميين العرب عام1968 على يد بعض مؤسسيها مثل الدكتور جورج حبش وأبو ماهر اليماني ووديع حداد،عقب الإعلان عن تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتخلي نهائيا عن فكر ومنهج الحركة، وتحديداً بعد انشقاق نايف حواتمة الشهير عام1969، وتشكيله الجبهة الدمقراطية، وبيانه المثير (حركة القوميين العرب..لماذا)، وانسلاخه نهائياً عن كل تراثها وتبنيه الفكر والمنهج الماركسيين.
ونتج عن ذلك تحول بقايا الحركة إلى أحزاب قطرية في بعض الأقطار العربية، ورث كل منها تراث الحركة وموجوداتها في كل قطر، مع الإشارة إلى التجربة المحدودة والقاصرة التي مثلها(حزب العمل العربي الأشتراكي) التي حاول من خلالها علي هاشم محسن وبعض أنصاره أعتبار هذا الحزب الوريث العربي لحركة القوميين العرب، لكنها كانت تجربة محدودة وسط ضجيج إعلامي فاشل فقط، إنتهت حتى إعلاميا ًبعد شهور من إعلانها.
ب- التناقض حتى الصراع بالرصاص بين أجنحة الحزب الوحدوي الواحد كما شهد وعاش العالم العربي تجربة حزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه السوري والعراقي، فهذا الحزب الذي رفع شعار(أمة عربية واحدة،ذات رسالة خالدة) لم يستطع خلال ما يزيد عن أربعبن عاماً أن يقيم أي شكل من أشكال التنسيق والتكامل بين قطرين يحكمهما وهما سورية والعراق، والمصيبة الكبرى ليست في عدم قدرة هذا الحزب،ورجاله الحاكمين في أن يقيموا الوحدة، ولكن في عدم قدرتهم على إقامة إمكانية التعايش السلمي بين قطريهما، فقد كانت العلاقة دوما محكومة بالتوتر والصراع والمؤامرات والسيارات المفخخة والاغتيالات، وصلت ذروتها في التصفيات الدموية التي قام بها صدام حسين عام1979 ضد رفاقه الذين أتهمهم بالعمالة والتخابر لصالح سورية، بعد أن فشل مشروع الوحدة بين القطرين، الذي عرف آنذاك بميثاق العمل القومي، وانتهي الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، واغلاق الحدود بين القطرين منذ عام 1979 وحتى إنهيار نظام صدام من يصدق هول وبشاعة هذه التجربة؟
علاقات دبلوماسية واقتصادية مقطوعة وحدود مغلقة طوال خمسة وثلاثين عاماً، بين قطرين عربيين، يحكمهما حزب واحد بمبادئ واحدة!
المثالان السابقان هما أخطر ما شهده الوجه الثاني من التجربة السياسية العربية، في مجال الفكر والمشروعات الوحدوية..إلا أن انعكاس ذلك على الحياة اليومية العربية، طوال الأربعين عاماً الماضية، هو أمر لا يصدقه عقل..فمن يصدق ما جرى طوال العقود الأربعة عاماً الماضية، وما زال مستمراً بعضه إلى زمن قريب..وتكفي الأمثلة التالية:
أ- الحملات الإعلامية البشعة التي أدارها إعلام ونظام جمال عبدالناصر، ضد كل معارضيه من الحكام العرب، مستمعلاً فيها كل وسائل وفنون الردح اللا أخلاقي، التي شملت كثيرين منهم الملك حسين والملك فيصل وحكام سورية، وحكام المغرب، وقد بادله البعض نفس الشتائم والحملات، فإذا بالحياة العربية ذات رائحة كريهة تزكم الانوف، ولم تتوقف تلك الحملات، إلا بعد هزيمة عام1967..وفي شهر فبراير من عام1999،عاد صدام حسين لنفس الأسلوب بهجومه على كل الحكام العرب تقريبا،مطالبا شعوبهم بالثورة عليهم وإطاحتهم، لأنهم لم يوافقوا على مخططاته وتوجهاته، وكأن عشرين قطراً عربيا، وعشرين حاكماً عربياً، على خطأ،وهو ونظامه على صواب.
ب-الحرب بين الجزائر والمغرب عام 1963، التي استعملت فيها كل أنواع الأسلحة،واستمرت قرابة شهرين، راح ضحيتها الآلاف، وما زالت العلاقات الجزائرية المغربية متوترة، وشبه مقطوعة، والحدود مقفلة،بسبب قضية الصحراء الغربية، التي هي أساساً مفتعلة ولولا الدعم الجزائري- لعمل انفصالي عن المغرب- لما عرفت هذه القضية التي لاتزال تشغل الشعب المغربي حتى الأن، ومنذ سنوات، ومشكلة الاستفتاء في الصحراء بإشراف الأمم المتحدة تتعثر.
ج- الحرب المصرية- السعودية في اليمن الشمالي(آنذاك)عام1964،التي تدخل فيها عبدالناصر لدعم إنقلاب عبدالله السلال، وتدخلت السعودية لدعم نظام الامام، واستمرت حرباً ضارية، توقفت مع هزيمة نظام عبدالناصر عام1967، حيث تم سحب الجيش المصري من اليمن.
د- الحرب المصرية- الليبية الخاطفة عام1979، عقب زيارة أنور السادات إلى اسرائيل، تلك الحرب التي استمرت ساعات قليلة استعمل فيها الطيران المصري لتدمير قواعد ومعسكرات ليبية، إدّعى السادات إنها تستعمل للتآمر ضد مصر.
هـ- الحشود العسكرية بين الاردن وسورية عام1981، التي استمرت عدة أسابيع، وكادت تندلع حرب طاحنة، لولا تحكيم العقل في اللحظات الاخيرة،وتحديدا من جانب الاردن والملك حسين شخصياً.
و- حرب الزوارق البحرية بين قطر والبحرين عام1989 بسبب الخلاف على جزيرتين صغيرتين في مياه الخليج ، تدعى كلاهما ملكيتهاومازالت هذه القضية مصدر توتر رغم قرارات محكمة العدل الدولية بخصوصها.
ز- واخيراً- ونأمل أن يكون آخرا- حرب (أم الكوارث) في آب1990 التي إحتل في صدام حسين دولة عربية مستقلة، عضوا في جامعة الدول العربية، وعضواً فيه هيئة الأمم المتحدة، هي دولة الكويت..إن هذا العمل اللآأخلاقي بكافة المقاييس العربية والدولية، لايمكن قبوله أوتبريره رغم محاولة صدام حسين أن يبرر ذلك باسم الوحدة العربية، عندما إدّعى أن دولة الكويت هي أحدى محافظات العراق، ونحن لسنا ضد الوحدة الطوعية بين أي قطرين عربيين، لكن الاسلوب الذي استعمله صدام-رغم أن مؤامرة أحتلال الكويت أساساً وفي البداية لم تكن مشروعاً وحدويا يهدف إلى إعادة الفرع إلى الأصل-أن وافقنا عليه باسم سنجد أنفسنا أمام عدة حروب أهلية،لأن التقسيمات الحدودية القائمة حاليا بين الأقطار العربية، هي وليدة انهيار الخلافة العثمانية، وما ارتضته الدول المتسعمرة خاصة بريطانيا وفرنسا من تقسيمات عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وقد إرتضت كافة الدول العربية هذه التقسيمات الحدودية، سواء كانت مجحفة أم لا، وعلى أساسها قامت جامعة الدول العربية عام1945،فاذا ما اخذنا بمنطق صدام حسين ، قلّما نجد دولة عربية لا ترى أن بعض مناطق الدول المجاورة جزءاً منها وتابعة لها، وهذا يعني فعلا عدة حروب عربية-عربية، كادت احداها أن تندلع في السنوات الأخيرة بين مصر والسودان بسبب الخلافات على منطقة (حلايب)، وبسببها ما زالت العلاقات بين الدولتين متوترة وشبه منقطعة.
بعد كل هذا السرد الموثق لأوجه العلاقات بين الدول العربية طوال الثلاثين عاماً الأخيرة، ماذا يبقى من قواسم مشتركة لإقامة الوحدة العربية.
وهذا ما حدا بالمؤرخ البريطاني (برنارد لويس)أن يرى قبل عدة سنوات- تحديداً بعد إحتلال صدام حسين للكويت "أن فكرة القومية العربية قد أنتهت وتلاشت، وأن العالم العربي يتفكك كهوية سياسية، بمعنى إنه لا توجد هوية سياسية واحدة موحدة إسمها (العالم العربي)،لأنه لكل قطر من أقطار هذا الوطن هويته السياسية، ونظامه الاجتماعي والاقتصادي، وأهدافه الحاضرة والمستقبلية، بعيداً عما يجري في أي قطر آخر،
وأصبحت العلاقة بين أي قطرين، مجرد علاقات دبلوماسية واقتصادية وتجاربه مثل العلاقات بين أي قطر،ودولة أوروبية أو أسيوية أو امريكية،
والدليل القاطع على ذلك هو قرار مؤتمر القمة العربي في الرباط عام1974، الذي أعلن فيه بالاجماع أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني،وكان التطبيق الميداني في أغلب الأقطار العربية، هو الموقف من القضية الفلسطينية والتفاوض مع اسرائيل،عندما عُبّر عن ذلك بالقول "القضية قضية الشعب الفلسطيني ونحن نقبل بما يقبل به الفلسطينيون"،لذلك لم تعترض أية دولة عربية على اتفاقية أوسلو بين الفلسطينين ودولة اسرائيل عام1993،سوى سورية،وليس لأسباب وطنية جذرية، ولكن لانفراد الفلسطينين بالتوقيع على اتفاقية سلام-أيا كانت- مع اسرائيل، وقد اعقب ذلك الاتفاقية الاردنية-الاسرائيلية عام1994، وكان قد سبق ذلك بعشرين عاماً الاتفاقية المصرية- الاسرائيلية.
من حق أحد دُعاة (القومية العربية) أو المؤمنين بها نظريا، ولا يعتبرها مثلنا مجرد وهم وسراب،أن يرد على دعوانا هذه، باعتباره أن الواقع السائد الذي سردنا بعض مظاهره الحاصلة فعلا وحقيقة، هو من فعل الأنظمة الحاكمة التي مصلحتها في التشرذم، لكن الشعوب وحدوية، تريد الوحدة وتسعى إليها...
وارى أن رصد الواقع السائد بين هذه الشعوب فعلا،وبعيدا عن الأماني وأوهام الرغبات الذاتية، يجعلني اجزم أن الشعوب العربية أيضاً، ليست مع الوحدة العربية ولا تسعى اليها ولا ترغبها،ولا تعمل من أجلها،وليست في برامج أية احزاب شعبية عربية. الواقع السائد والممارس يقول ويعلن صراحة لامواربة فيها: لا يوجد تكتل بشري واحد اسمه( الشعب العربي)رغم عامل اللغة والدين المشترك بينهما، الموجود فعلا مجموعة(شعوب عربية)تنطق بلسان واحد،ويدين أغلبها بدين واحد هو الإسلام،رغم تعدد مذاهبه،تماماً على غرار تلك الشعوب التي تقطن القارة الاوروبية،والتي تسمى(الشعوب الاوروبية) التي يدين أغلبها بالديانة المسيحية، ولا يوجد بينها عامل اللغة المشتركة، كما هو حال الشعوب العربية،ورغم ذلك فإن الشعوب الأوروبية تسير بخطى حثيثية نحو الوحدة والتكامل.كانت آخر هذه الخطى طرح (اليورو) كعملة اوروبية موحدة للتداول في نهاية عام 2000، فلماذا تسير الشعوب الاوروبية دون لغة مشتركة نحو التفاهم والتكامل وفتح الحدود نهائيا أمام مواطنيها، والشعوب العربية،رغم اللغة المشتركة،تسير نحو عدم التفاهم والقطيعة، وتزداد الحدود بينها صلابة ورسوخاً،ويندر أن تجد دولة عربية لاتطلب تأشيرة دخول مسبقة، من بعض الشعوب العربية لدخول أرضيها، غير ناسين أن المواطن الفلسطيني ممنوع من دخول أية دولة عربية دون تأشيرة دخول مسبقة،بما فيها الأقطار التي يحمل وثائق سفرها مثل لبنان ومصر.
إن رصد ما تقوم به الشعوب العربية- رغم وجود عاملي اللغة والدين- يؤكد ما نراه ، من أنها شعوب لا ترغب الوحدة، ويكفي التذكير ببعض المآسي التي شهدتها بعض تلك الشعوب على يد أبناء شعوب أخرى، خلال الثلاثين عاماً الماضية،لندرك أن كافة الحروب العربية- التي أشرنا لبعضها سابقاً،كانت مادتها الفاعلة،ووقودها المشتعل، هم أبناء الشعوب العربية،ذاتها، ولم نسمع أن كما من هذه الآلاف تمرد على أوامر الانظمة التي اشعلت تلك الحروب وخططت لها، وبعكس ذلك كانت أفعال ابناء الشعوب العربية ضد اشقائهم تحمل من الأهوال ما لا يمكن تصوره..وهل يحتاج من يؤمن بالقومية والوحدة العربية إلى أمثلة؟
1- أن الطريقة التي عامل فيها ابناء الشعب العربي الليبي اشقاءهم وجيرانهم ابناء الشعب العربي المصري عام1979، عقب زيارة أنور السادات لاسرائيل، لا يمكن وجود مثيل لها في كتب حروب ومغامرات وقرصنة القرون الوسطى.تم انذاك طرد مئات الالاف من العمال والموظفين المصريين، ونهبت بيوتهم وصودرت ممتلكاتهم، وكانوا يحشرون بالالاف في مطار طرابلس القديم في العراء عدة ليال في انتظار الطائرات التي تعيدهم إلى مصر، ويتذكر الجميع أن موضوع ممتلكاتهم ومستحقاتهم المالية،ما زال معلقاً حتى الأن، وقد وصلت دعاوي التحكيم فيه إلى منظمات عالمية منها منظمة العمل الدولية..وكل ذلك تحت قيادة العقيد القذافي،الذي يحلو له أن يسمي نفسه رائد القومية العربية..
وقد عاد أبنا الشعب العربي الليبي أنفسهم وتحت نفس القيادة،بتكرار نفس الاهوال ضد اشقائهم من ابناء الشعب العربي الفلسطيني، في نهاية عام1997، عندما جمعوا غالبية العائلات الفلسطينية المقيمة والعاملة في ليبيا، وتم طردهم عبر الصحراء نحو مصر،حيث رفضت مصر دخولهم أراضيها، فأقاموا على الحدود في خيام بالية عدة شهور، تحت رحمة وكالات الغوث الدولية،وقد مات منهم ومرض عشرات في العراء،وفي بداية عام1998، وبعد ضغوط عربية ودولية،اقتحمت قوات الأمن الليبي خيامهم، وأعادتهم إلى ليبيا، بشكل خال من الانسانية وروح الأخوة العربية التي يرى انصار ودعاة الوحدة والقومية العربية أنها سمة الشعوب العربية.
2-الطريقة التي تعاملت بها القوات السورية عند دخولها لبنان عام 1976، مع أفراد المنظمات الفلسطينية وعموم أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان، وعندما حاولت الجامعة العربية تقويم الأوضاع، مضيفة قوات من عدة اقطار عربية واطلقت عليها اسم (قوات الردع العربية)،إلا أن السيطرة ظلت محكومة بتوجه القوات السورية التي هي في الأساس غالبية هذه القوات وتسيطر على غالبية الأراضي اللبنانية، وهذا ما حدى بدولتي السودان، والامارات العربية المتحدة،إلى سحب قواتهما من (قوة الردع العربية)بعد شهور قليلة من مشاركتهما في تلك القوة،وجرائم الجيش السوري ،وتعديات المواطنين السوريين في لبنان لايمكن تخيلها، وقد نتج عن ذلك قتل عدة مواطنيين سوريين، بعد إنسحاب الجيش السوري الأخير ، بشكل فرار مذل بعد الضغوط الدولية والمظاهرات اللبنانية.
3-المجازر التي ارتكبها مئات أبناء الشعب اللبناني ضد اشقائهم من الشعب الفلسطيني، أثناء ما سمي (مجازر صبراوشاتيلا) عام1982، وقبلها مذابح حصار وتدمير مخيم تل الزعترعام1976.
4-التدمير والتخريب الذي قام به أبناء الشعب العراقي في دولة الكويت العربية اثناء احتلالها في أب1990، وعند طردهم منها بعد شهورقليلة.لقد نهبوا الجامعات والمستشفيات والبنوك والمتاحف،والأسواق والمخازن،ونقلوا محتوياتها إلى بغداد..كما حرقوا أبار النفط،وكانت خسائر الكويت من جراء ذلك، عشرات المليارات من الدولارات،ومئات من القتلى والاسرى والمفقودين.
إن المستغرب في بعض حالات العداوة بين شعبين عربيين-التي أشرنا لبعضها فقط-هي حالات اعتداء على شعب شقيق لا دخل له بسياسة الانظمة التي كانت سببا لحالات العداء والاعتداء..فلا دخل للشعب المصري الذي طرده الليبيون وصادروا ممتلكاته عام1979، بزيارة أنور السادات إلى اسرائيل، فالسادات كرئيس دولة، لم يستشر شعبه، ولم يجرّ إستفتاءاً على تلك الزيارة..فلماذا يتحمل مئات الآلاف من العمال والموظفين المصريين في ليبيا،هذه المعاملة السيئة بسبب زيارة رئيس لا علاقة لهم بهاإذن لماذا هذه العداوات المريرة بين شعوب يقال إنهم ينتمون إلى أمة عربية واحدة؟
بعد كل هذه الأعمال والممارسات من أبناء الشعب العربي ضد بعضهم البعض،هل يصمد القول بأن الاحقاد والمؤامرات والفرقة هي من أعمال الانظمة العربية الحاكمة فقط؟..أم أن اداتها المنفذة ووقودها المشتعل هم نفس أبناء الشعوب العربية!!
كاتب المقال:أكاديمي فلسطيني مقيم في أوسلو
Ahmad64@hotmail.com





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق